مخاوف من عودة السيناريوهات السابقة

د. فالح حسن الحمراني –
كاتب من العراق يقيم في موسكو –
Sanin777@hotmail.com –
على خلفية ضياع فرص الوفاق بين حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، وبين قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، وإخفاقهما بالتوصل لحلول سياسية قائمة على التنازلات المقبولة..  

تحركت القوى والمليشيات في إطار جديد من الاصطفافات والتحالفات للسيطرة على الهلال النفطي. وفيما تراجع حفتر الى مواقع خلفية واجرى إعادة هيكلة لقواته في هجوم مضاد، لكنها لم تتكلل بالنجاح ، حتى الآن على الأقل ، كما في الفترات الماضي، فيما واصلت القوى الإسلامية المناوئة له التقدم نحو بنغازي. هذا مؤشر على ان الضعف طعن كافة القوى ولم تعد واحدة منها قادرة على مد سلطتها ونفوذها بمفردها على التراب الليبي، مما يعني أنها ستواصل القتال بشتى الأشكال.
وعاد رئيس الحكومة المؤقتة فايز السراج من موسكو كما يُقال « بخفي حنين» ولم يحصل على ما أراد ان يسمعه من الكرملين، من دعم لامحدود له، ويستنتج من تصريحات وزير الخارجية سيرجي لافروف ان موسكو وكما أشارت سابقا ، خلال الالتقاء بالمشير خليفة حفتر، ستنشط دورها فقط في حال تحقيق الوفاق بين القوى الفاعلة والمؤثرة المناوئة للإرهاب في ليبيا، وجمع صفوفها والتغلب على خلافاتها. ولا يستبعد ان يكون السراج قد طلب من موسكو التأثير على المشير خليفة حفتر لتخفيف مواقفه بعد ان رفض الالتقاء بالسراج في القاهرة مؤخرا .
وثمة مؤشرات على ان موسكو تتخوف من ان يكون «السراج» قد وضع أجندته في سلة الغرب الذي يدعمه بقوة، ولهذا أعاد لافروف على مسامعه خلال المباحثات التي جرت مؤخرا بموسكو، قبل عدة أيام ، الدور المدمر الذي لعبه الغرب في مصير ليبيا الحالي، حيث انه ساعد القوى المناوئة للعقيد الراحل معمر القذافي على الإجهاز عليه شخصيا واستلام السلطة، ومن ثم رحل عن ليبيا، وتركها نهشا للمليشيات والمنظمات الإرهابية والتجمعات التي تحارب بعضها البعض، وهو ما مهد لانهيار الدولة وتشرذم القوى السياسية الليبية .
وربما لهذا السبب توحي موسكو بأنها تراهن على المشير حفتر، الذي يرى الغرب فيه سمات الدكتاتور المتغطرس، بيد أنها ترى فيه القوة القادرة على ضبط الأمور ووضع حل للفلتان الأمني الراهن .
وقد تم النظر للتطورات في ليبيا طيلة الأشهر الماضية بالأساس من خلال التنافس بين فايز السراج والمشير حفتر، اللذين يترأسان مركزي السلطة المتنافسين في طرابلس وبنغازي ، ولاح بأن النسيان طوى الشخصيات الأخرى وجرى التعتيم على أدوارها رغم أنها مازالت على قيد الحياة، لكنها لم تلف الأنظار لنفسها، ففي واقع الآمر ثمة قوى سياسية وفعاليات تقف وراءها غير قليلة تطالب أيضا بالسلطة والأموال، سواء على صعيد البلاد أو في حدود مناطقها المحلية.
وثمة مؤشرات على انتهاء فترة الهدوء النسبي القصيرة، لو نحسب حسابا لتبادلات إطلاق النار العشوائية وان السيناريوهات القديمة تعود على الساحة بقوة جديدة، اذا لم تتحرك القوى الإقليمية والدولية لإخماد البركان قبل ان ينفجر بحدة اكبر.
والدلالة الأخرى على عودة سيناريوهات العنف السابقة تمثل بقيام تحالف بين حكومة الإنقاذ التي يترأسها خليفة الغويل وسرايا الدفاع عن بنغازي التي تضم عددا من المليشيات التي أدرجت بعضها في لوائح المنظمات الإرهابية وارتكاب جرائم الاغتيال. وهاجمت هذه القوى مقر شركة النفط الوطنية وطالبت موظفيها الخضوع لإشرافهم برغم من ان الشركة تعهدت ان تكون محايدة وتعمل في مصلحة الشعب الليبي.
ويرجع المراقبون سبب اندلاع المعارك الحالية، من أسباب اخرى، الى فقدان العوائد من بيع النفط بعد سيطرة حفتر خريف العام على مجمعات النفط وبهذا الشكل أوقف سيل النفط. ان اندلاع العمليات القتالية تلغي الجهود الرامية للمصالحة والوفاق واستعادة وحدة ليبيا وسلامة أراضيها. ويرجح المراقبون بانه وفي حال نجاح الإسلاميين من بنغازي ومصراته بمواصلة سيطرتهم ولو لفترة غير طويلة على المجمعات النفطية التي استولوا عليها سيؤدي، على الأرجح، الى وضع نهاية للحكومة التي يترأسها فايز السرج وانفراطها.
نظرا لكونها تمثل مصالح الإسلاميين المعتدلين، وسيحالف النجاح خليفة الغويل وقادة آخرين ، الذين يعتبرهم البعض ممثلين للجهادين المتشددين.
وربما لن يلاحظ صاحب النفوذ والتأثير المشير حفتر اختفاء السراج لضعف تأثيره على اللاعبين الليبيين، ولكن في هذه الحالة كما يعتقد الكثيرون، ستجد الدول الغربية، التي وضعت الرهانات منذ مدة على «السراج»، تجد نفسها في وضع صعب. ولا يستبعد ان على الغرب وفي ظل هذا الاصطفاف الجديد ان يقرر، وعلى جناح السرعة، وضع رهانات على قوة اخرى. فهل سيبحث عن شخصية مناسبة له من بين الإسلاميين، أم انه سيضطر للمراهنة على حفتر في النهاية ، برغم ان حكومات الغرب تنظر إليه على انه معمر قذافي بنسخة جديدة، فضلا عن انه يسعى لاهثا وراء روسيا.
التطورات الأخيرة ستلقي بلا شك بظلالها على سمعة حفتر كشخصية قوية وكسياسي مؤثر يمتلك قوة عسكرية في ليبيا ، والمسألة ليس في مدى الفترة الزمنية التي سيتمكن بها من استعادة الموانئ في راس لانوف وسدره ولكن الإشكالية هي هل سيتمكن من الاحتفاظ بها والى متى ؟ .
ان كافة الدلائل تشير الى احتمالات ان تشهد ليبيا في الوقت القريب القادم تغيرات خطيرة في اصطاف القوى العسكرية والسياسية. وان القوى الإقليمية والدولية ستتحرك بوتائر اكثر للتأثير على مسيرة التطورات هناك.