دراز: أحكام الفقه الإسلامي قادرة على استيعاب المستجدات في كل الأزمان والعصور

الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق.. بين الفقه والقانون في مجال المعاملات –
متابعة: سالم بن حمدان الحسيني –
أوضح الأستاذ الدكتور رمزي محمد علي دراز – أستاذ الشريعة الإسلامية المساعد – كلية الحقوق ــ جامعة الإسكندرية أن ما يفرضه الواقع المعاصر وما يشهده من تطور وتقدم سريع متلاحق أدى إلى إنتاج وقائع وحوادث مستجدة متطورة كمّاً ونوعاً في مجال المعاملات وفي وقائع الحياة بوجه عام. مشيرا إلى أن هذه المستجدات والتغيرات تفرض على الباحثين المعاصرين في مجال الفقه الإسلامي خاصة ضرورة التصدي لهذا الواقع المتطور وتلك العلاقات المستجدة بالاجتهاد والبحث في نصوص الشريعة وقواعدها الكلية ومبادئها العامة ومقاصدها الشرعية لإنزال حكم الله تعالى عليها وإخضاعها للحكم الشرعي الذي يناسبها من خلال رؤية فقهية جديدة معاصرة.. جاء ذلك في ورقة بحثية قدمها بندوة الفقه الإسلامي التي عقدت بالسلطنة تحت عنوان: «ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات».

وأضاف: أن الباحث سيجد أن هذه الوقائع مهما تعددت وتنوعت واختلفت فهي حتماً تقع تحت حكم الله تعالى إما نصاً أو استنباطاً. يقول الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى: «فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله تعالى جل ثناؤه الدليل على سبيل الهدى فيها». و يقول في موضوع آخر في نفس المعنى: «كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة وعليه إذا كان فيه بعينة حكم وجب أتباعه، وإذا لم يكن فيه بعينه طلبت الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد.

خاتمة الشرائع

وبيّن دراز أن مرد ذلك إلى عموم الشريعة وشمولها وخلودها حيث اقتضت إرادة الله تعالى وحكمته أن تكون الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع والرسالات ما يعني صلاحية أحكامها للتطبيق بل واجبة التطبيق في كل زمان ومكان يقول الله عز وجل مخاطباً نبيه محمداً ــ صلى الله عليه و سلم ــ (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) ولذلك جاءت أحكامها وافية ملبية لحاجات الناس ومحققة لمصالحهم الدينية والدنيوية جامعة بين النظري من عقائد وأخلاق، وبين العملي أو التشريعي من عبادات ومعاملات وغيرها من شؤون الحياة مما يندرج في اختصاص علم الفقه الإسلامي. وهذا القسم من الأحكام الشرعية وهو الأحكام العملية أو أحكام الفقه الإسلامي يمثل الجانب التطبيقي والعملي للشريعة، وتتجلى فيه حيويتها ومرونتها مما يجعل صلاحيتها للتطبيق حقيقة واقعة لا مجرد افتراض نظري حيث جمعت أحكام الفقه بين الثابت والقابل للتغيير.
وأشار إلى أن الثبات والاستقرار يظهر في الأحكام التي ورد النص عليها صريحاً قاطعاً مفصلاً حاسماً، كأحكام العبادات والحدود والكفارات والمواريث وتحديد المحرمات من النساء وأشباهها مما تبرز فيه صفة التعبد فلا يقبل الرأي ولا الاجتهاد ولا يخضع للأهواء ولا تجري عليه سنة التبديل والتغيير بالرأي والتحكم حتى لا يكون ذلك ذريعة للابتداع في الدين. وأما عنصر المرونة والقابلية للتغيير فيبدو في أحكام الفروع العملية والمسائل الجزئية والتفصيلات التي تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال. ولذا لم يرد النص بشأنها قاطعاً حاسماً إنما جاء عاماً مجملاً متضمناً الأسـس والمبادئ العامة والقواعد التي تحكمها مع ترك التفصيلات والجزئيات للمجتهدين من الأمة في كل عصر ليستنبطوا أحكامها في ضوء الأسس والمبادئ العامة والمقاصد الشرعية، وذلك رفعاً للحرج والمشقة، ولتستوعب الشريعة أحكام الحوادث والمستجدات عبر الزمان والمكان ومهما اختلفت الظروف والأحوال.

تقبل الاجتهاد

وأوضح قائلا: والواقع أن أحكام المعاملات في الفقه الإسلامي من قبيل الأحكام التي تقبل الاجتهاد والرأي في فروعها وجزئياتها التي هي بطبيعتها متغيرة. إذ جاءت النصوص الشرعية محددة أصولها وأسسها التي لا تتغير. فأوجبت الوفاء بالعقود التي هي أساس المعاملات بين الناس ومفتاحها يقول تعالى: (يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود). وأوجبت الرضا لتكوين العقود، وحرمت أكل أموال الناس بالباطل، يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضِ منكم..)، كما حرمت الاستغلال والربا، والغش والتدليس والكذب والغرر والمقامرة في العقود وغير ذلك من كل ما يتضمن أكل أموال الناس بالباطل. ثم تركت للعقل البشري مكنة استنباط أحكام جزئياتها وفروعها بالاجتهاد في النصوص الشرعية المتعلقة بها. كبيان أنواع العقود وما يجوز منها وما لا يجوز، وبيان شروطها وتحديد أثارها بما لا يخالف نصوص القرآن الكريم وسنة النبي – صلى الله عليه وسلم –
وأكد دراز أن الحاجة إلى رؤية فقهية جديدة للعلائق في مجال المعاملات ترجع بلا شك إلى واقع العالم المعاصر وما يشهده من تطورات سريعة متلاحقة مسِّت جوانب الحياة الإنسانية العلمية والتكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من مجالات الحياة وما صاحب ذلك من تطور هائل بشأن وسائل الاتصالات الحديثة وتقنياتها وتنوعها وانتشارها. يضاف إلى ذلك تطلعات الشعوب إلى حقوق جديدة في إطار ما طرحته منظومة حقوق الإنسان العالمية.

تأثير التطور

وأشار إلى أن هذا التقدم العلمي والتكنولوجي الذي تشهده البشرية في العصر الحديث يلقى بظلاله ونتائجه بلا شك على كافة جوانب الحياة والعلاقات بين الأفراد والدول» فعلى صعيد المعاملات والعلاقات الخاصة بها بدت ملامح تأثير هذا التطور واضحة وعلى وجه الخصوص تأثير التطور في مجال وسائل الاتصالات الحديثة وتقنياتها المختلفة واستخداماتها في مجال وسائل الاتصالات التي هي مفتاح المعاملات بين الناس وأساسها فقد ترتب على تطور وسائل الاتصالات ودخولها مجال المعاملات التجارية أن تغيرت بعض المفاهيم الأساسية للعقود بمعناها التقليدي كفكرة مجلس العقد وأسس التعاقد بين حاضرين أو غائبين . حيث فرضت الوسائل المعاصرة نفسها على فكرة مجلس العقد وتطورت وسائل التعاقد فبعد أن كانت قاصرة على التعاقد الشخصي المباشر بين الحاضرين، أو التعاقد بالرسول أو بالكتابة بين الغائبين أصبح التعاقد عبر وسائل لم تكن معروفة من قبل كالتعاقد عن طريق الهاتف، والفاكس، والتلكس، والتلفزيون، وشبكات الإنترنت، وغير ذلك من الوسائل المستحدثة والتي فرض الواقع الاعتراف بها في مجال التعاقد، والتي يطلق عليها في الفقه القانوني المعاصر بالتعاقد عن بُعْد، ويطلق على العقد الذي يبرم من خلالها بالعقد الإلكتروني وهو الذي يتم إبرامه عبر شبكة الإنترنت، فهو عقد عادي، إلا أنه يكتسب الطابع الإلكتروني من الطريقة التي ينعقد بها أو الوسيلة التي يتم إبرامه من خلالها. ينشأ العقد من تلاقي القبول بالإيجاب بفضل التواصل بين الأطراف بوسيلة مسموعة مرئية عبر شبكة دولية مفتوحة للاتصال عن بعد. وهذه العقود الإلكترونية تشهد نمواً متصاعداً حيث بانت تشكل نسبة كبيرة من حجم التجارة الدولية والداخلية وذلك بسبب سهولة وسرعة إبرامها وتنفيذها، وتتسم هذه العقود غالباً بالطابع التجاري. كما أثر هذا التقدم على فكرة محل العقد إذْ ظهرت أنواع جديدة من مجال التعاقد فبعد أن كانت منحصرة في الأشياء أو البضائع المادية المحسوسة كالعقارات والمنقولات على اختلاف أنواعها، اتسعت ـ بمقتضى التطور ـ لتشمل التعاقد على الخدمات مثل خدمة الهاتف، والكهرباء، ثم عقود الخدمات الإلكترونية وعقود المعلوماتية وبرامج الحاسب الآلي وعقود الفضائيات والإعلانات وعقود نقل التكنولوجيا. وبراءات الاختراع وما شابه ذلك من الأمور المستحدثة والتي يجري عليها التعامل في الوقت الراهن.
وقال في سياق بحثه: إضافة إلى ما سبق فقد ظهرت أثار التقدم التكنولوجي في مجال الإثبات، فمع انتشار وسائل الاتصال الحديثة من تبادل الرسائل والبرقيات عبر الأجهزة الإلكترونية والحاسبات الآلية والمصغرات الفيلمية بدأت تتراجع المستندات الورقية شيئاً فشيئاً – وإن بقيت هي الأصل في مجال الإثبات – لكن اتجه الاعتماد على المستندات الإلكترونية كالأشرطة الممغنطة، والأقراص الممغنطة، والميكرو فيلم وغيرها وكثر التعامل بها نظراً لسرعتها الفائقة في نقل المعلومات ومعالجتها واسترجاعها، ولأنها لا تأخذ إلا حيزاً بسيطاً في المكان بالمقارنة مع المستندات الورقية.
وبين الباحث انه تم استحداث ما يعرف بالتصديق على التوقيع الرقمي والذي أرتبط في ظهوره بابتداع التوقيع الرقمي واستخدامه كبديل للتوقيع التقليدي في المعاملات القانونية كما ظهر كذلك ما يعرف ببرامج الوكلاء الإلكترونية، كوسيلة للتعبير عن الإرادة تتضمن عرضاً للتعاقد أو إيجابياً أو قبولاً، وتتميز هذه الوسائل الصادرة عن هذه البرامج بأنها تعمل من خلال أنظمة معلوماتية تعتمد على معلومات مزودة من البائع أو المشتري بناء على مواصفات معينة للسلع والأتمان. وهكذا تبين من خلال هذا العرض الموجز كيف تأثر فقه المعاملات والعلاقات الخاصة بها بما يشهده العالم المعاصر من تقدم وتطور هائل في مجال نظم المعلومات والاتصال وغيرها، مما استدعى ضرورة التفاعل بين القانون وهذا الواقع المتغير وتلك المستجدات من حيث إن نجاح النظام القانوني دائماً رهين بمدى استجابته لأصداء ذلك التطور سواء من خلال مواجهة مستجداته أو عبر تطويع مفاهيم المبادئ والأفكار القائمة والمرونة في تطبيقها. ولا شك أن أحكام الفقه الإسلامي بمرونتها وحيويتها قادرة على استيعاب هذه المستجدات والمتغيرات اعتماداً على موافقتها لمتغيرات الواقع الاجتماعي وظروف كل المجتمعات، في كل الأزمان والعصور.

فقه الواقعة

وأضاف قائلا: يجدر التنبيه في هذا المقام إلى أن التطوير أو التجديد غايته إنزال نصوص الشريعة وقواعدها ومقاصدها على وقائع الحياة المستجدة في إطار الإطاحة الكافية بفقه الواقعة محل الاجتهاد. كما أن التجديد ليس محاولة للانفلات من الحكم الشرعي الثابت أو إلغاؤه أو الخروج عليه. إنما هو اجتهاد مستقل مبتكر في الوقائع المتجددة يقوم على فهم صحيح للنص الشرعي، وإدراك سليم لمقاصد الشريعة المعتبرة، وإطاحة شاملة بجوانب الواقعة محل الاجتهاد، لإنزال الحكم الشرعي عليها، ومن ثم يستطيع الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة وتطوير أحكام الفقه الإسلامي وتجديده – بالمعنى المتقدم – في مجال المعاملات و أمثالها مما يقبل الاجتهاد يستند في الحقيقة إلى مجموعة من الأسس لعل أهمها: خلود الشريعة الإسلامية وديمومتها. وتغير الأحكام بتغير الأزمنة والظروف. وتصرف ولي الأمر منوط بالمصلحة. وأوضح انه من الثابت يقينا أن الشريعة الإسلامية هي خاتمة الشرائع السماوية وانها واجبة التطبيق على المسلمين على مر العصور واختلاف الأحوال وهذا يقتضي ضرورة أن تكون متضمنة عناصر خلودها وبقائها صالحة دائماً للتطبيق. وإن من أهم الصفات التي جعلت شريعة الإسلام شريعة خالدة صالحة لكل جنس، وكل زمان، وكل مكان: صفتي الشمول واليسر. ومعنى شمول الشريعة أنه لا يجدٌ أمر، ولا تحدث قضية لإنسان إلا وجد لها في شريعة الله حُكماً، إما نصاً وإما استنباطاً، كيفما كان جنس هذا الإنسان، وكيفما كانت البيئة التي يحيا فيها، وكيفما كان العصر الذي يعيش فيه. ومعنى يسرها: أن المكلف يستطيع أن يسير تحت مظلتها في كل لحظة من لحظات حياته، وفي كل شأن من شئون دنياه لا يحس عنتاً ولا يعاني من حرج ولكن لما كانت النصوص الشرعية – من الكتاب و السنة– متناهية بانتهاء الوحي بوفاة الرسول– صلى الله عليه وسلم–والحوادث ووقائع الحياة غير متناهية ولا محدودة بل تأتي كل يوم بجديد لتجدد الأعراف واختلاف البيئات. وتلك حقيقة ربما تعرفنا على بعض مظاهرها في المبحث السابق فالحياة المتجددة تقدم كل يوم مشكلات واقعية تحتاج كل منها إلى تشريع والحال أن النصوص لم تجئ بتشريعات مفصلة لكل تلك المشكلات.
واختتم حديث قائلا: لكن إيماننا بأن الإسلام عقيدة ونظام للحياة، وبأنه يجب علينا أن نتلمس في نصوصه وأصوله ومقاصده كل الأحكام التي تنظم حياتنا فان هذا يقود بالضرورة إلى فكرة الجهد العقلي العظيم من خلال المجتهدين وقادة الفكر الإسلامي المستنير في كل جيل، لاستنباط تشريعات تفصيلية مستوحاة من نصوص التشريع، ومن روحه ومقاصده العامة، بالبحث في المعاني والعلل التي من أجلها شرعت الأحكام حتى يمكن تطبيقها على ما يفرزه تطور الحياة والمجتمعات من نوازل ومستجدات. وبذلك يتحقق للشريعة بالفعل كما لها ووفائها وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان.