لا تنافسية في ظل البيروقراطية

سالم بن سيف العبدلي / كاتب ومحلل اقتصادي –

ترتبط القدرة التنافسية كإطار للتنمية الاقتصادية لبلد ما بمعدلات الإنتاجية والنمو فيها، وتعتبر من الحوافز التي تعمل على تحسين مستويات المعيشة وتحسين الأداء الاقتصادي ورفع مستويات الإنتاجية لمختلف القطاعات، يمكن للاقتصاد أن يتمتع بعملة قوية وعائدات جذابة لرأس المال وارتفاع في الأجور إذا ما كانت قدرته التنافسية عالية، وهو ما يترجم إلى زيادة الثروات للارتقاء بمستويات المعيشة للإنسان في ذلك البلد.
وتعمل الكثير من الدول اليوم على اعتماد نهج رفع مستويات التنافسية في لب استراتيجيات تنميتها الاقتصادية، فتتنوع الوسائل والاستراتيجيات تبعاً لتنوع واختلاف العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسات والسياسات من دولة إلى أخرى، ويعد هذا هو السبب في عدم وجود تعريف معتمد عالمياً من قبل كل دول العالم، إلا أن معظم تعاريف مفاهيم التنافسية تتفق في شيء واحد وهو التأكيد على الارتباط الشديد بين تحسين قدرة الاقتصاد على توليد الثروة (الإنتاجية) وبين تعزيز مستويات المعيشة لشعوبها.
كما تعزز القدرة التنافسية التركيز على التجارة والمنافسة العالمية، ومع الطرح والتطوير المستمر للسياسات الناجحة والهادفة إلى تشجيع الشركات للخوض في الاستفادة من الأسواق الإقليمية والعالمية بشكل أكبر، ترتفع معدلات النمو الاقتصادي الذي يعززه التنافسية، وبالتالي تعزز مستويات الرفاه والرخاء للأفراد والمؤسسات.
وترتبط التنافسية بالبيروقراطية ارتباطا طرديا فكلما زادت البيروقراطية كلما قلت التنافسية والعكس صحيح والبيروقراطية هي آفة الاقتصاد وهي المعوق الأساسي للتقدم والتطور والتنمية وتتغلغل هذه الآفة في بعض مؤسساتنا للأسف الشديد رغم الجهود المبذولة للقضاء عليها ويعود ذلك لوجود بيئة حاضنة لها وعوامل ساعدت على انتشارها لعل من أهمها تعدد وتنوع وتباين الجهات المقدمة للخدمة مما يؤدي أحيانا الى تضارب أعمالها وتداخل اختصاصاتها ومصالحها وتمسك وإصرار البعض على ممارسة سلطته وحقه في اتخاذ القرار حسب الأهواء الشخصية.
أيضا من أسباب تلك البيروقراطية المقيتة هو مركزية اتخاذ القرار وعدم توزيع المهام والصلاحيات على الصفوف الوسطى والدنيا في داخل المؤسسة وبعض المسؤولين يتدخلون حتى في أدق التفاصيل لذا تراهم ضد أي تغيير فهم لا يقبلون الانتقال إلى الحكومة الإلكترونية ويضعون أمامها العراقيل ويقاومون التغيير.
وقد تراجع ترتيب السلطنة في مؤشر التنافسية العالمية لهذا العام من المركز 62 العام المنصرم إلى 66 من بين 140 دولة حسب تقرير عمان على خارطة المؤشرات الدولية كما تراجعت أيضا في مؤشر الابتكار العالمي العام الماضي إلى 73 من بين 128 دولة، وهذا يؤكد أن هناك خللا ما ينبغي تعديله.
ورغم الجهود التي تبذل من هنا وهناك والتي نسمع عنها والمتعلقة بتسهيل الإجراءات وتذليل العقبات إلا أن تلك الجهود تبقى ناقصة ما لم تتكاتف كل الوحدات وتتعاون فيما بينها وما لم يتم دمج بعض المؤسسات التي تتشابه في تقديم الخدمة في وحدة واحدة وهذا لن يتأتى إلا من خلال إعادة هيكلة جميع المؤسسات وضخ دماء جديدة قادرة على إدارة عجله التنمية خلال المرحلة القادمة وهي مرحلة مهمة وحرجة جدا فيها الكثير من التحديات والعقبات.
وللعلم فإن تقرير التنافسية العالمية يصدر سنوياً عن المنتدى الاقتصادي العالمي ـ وهو مؤسسة اقتصادية مستقلة – بهدف تحسين أوضاع الاقتصاد العالمي وتلبية متطلبات العولمة، وتكمن أهمية هذا التقرير في تقييم قدرة الدول على توفير مستويات عالية من الازدهار والرفاهية لمواطنيها من خلال تحديد نقاط القوة والتحديات التي تواجه اقتصاديات تلك الدول ، ويعرف المنتدى التنافسية بأنها “القدرة على توفير البيئة الملائمة لتحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة“، ويتم قياس التنافسية للبلد من خلال ثلاثة أركان تتضمن (12) ركيزة رئيسية تتألف من (114) مؤشرا فرعيا.
وخلاصة القول إن ما جاء في تقرير التنافسية العالمية لهذا العام يعتبر مسألة موضوعية بما أحرزه الاقتصاد المحلي من تطورات وإخفاقات خلال عام مقارنة بدول العالم الأخرى على الرغم من أن أي تقدم أو تراجع لترتيب السلطنة في المؤشر هو مسألة نسبية مرتبطة إلى حد ما بتقدم وتراجع غيرها من الدول، وهو أمر جيد لأجل معرفة موقعنا التنافسي بشكل سنوي بين دول العالم، وتحليل لماذا تقدمنا في بعض المؤشرات ولماذا تراجعنا في أخرى؟ واعتبار المراتب المتقدمة التي احتلتها السلطنة من بين (140) دولة نقاط قوة ينبغي الاستفادة منها وتعزيزها في التنافسية مستقبلا، واعتبار المراكز التي تراجعت فيها على أنها تحديات يجب دراستها ومعالجتها لتحسين موقعها التنافسي بين دول العالم في الأعوام القادمة وهذا ليس مستحيلا وليس صعب المنال.