مواقف وتصريحات تخدم «داعش»!

ريتشارد ستينجل ـ نيويورك تايمز –
ترجمة: أحمد شافعي –
التطرف الإسلامي الراديكالي.
ها أنا قلتها.
على مدار 3 سنوات عملت فيها وكيلا لوزارة الخارجية الأمريكية، لشؤون الدبلوماسية العامة، ما كنت لأنطق هذه العبارة أو أقوى على ذلك. ولا نطقها أحد في إدارة أوباما أو كان بوسعه أن يفعل.
كنا نستخدم مصطلح «التطرف العنيف» وهو مصطلح أقل تحديدا، كما في قولنا «مواجهة التطرف العنيف» للإشارة إلى الجهود التي كنا نبذلها لمواجهة تنظيم داعش.
وفي ذلك الوقت كنّا موضع انتقاد جماعي من المحافظين، ومن الجمهوريين، ومن دونالد ترامب.
فقد قال الرئيس ترامب مشير إلى هيلاري كلينتون خلال مناظرة رئاسية العام الماضي إن «هناك إرهابيين إسلاميين متطرفين، لكنها لن تذكر هذه الكلمة، ولن يذكرها الرئيس أوباما. وأنت لكي تحل مشكلة، لا بد أن تقدر على تحديد ماهيتها، أو تسميتها باسمها على الأقل».
والمعنى الضمني هنا هو أننا كنا بطريقة ما أجبن مما ينبغي، أو مراعين أكثر مما ينبغي لاعتبارات التهذيب الظاهري.
ولكن السبب كان أكثر عملية، وهو أنه لكي نهزم التطرف الإسلامي الراديكالي، كنا بحاجة إلى حلفاء إسلاميين ـ من الأردنيين والإماراتيين والمصريين والسعوديين ـ ممن كانوا يرون في هذا المصطلح إساءة ظالمة لمنطقة كاملة.
كما أنهم قالوا لنا إنهم لا يعتبرون داعش إسلامية بل إرهابية، وكان عنف داعش الوحشي ضد المسلمين دليلا على ذلك. ولقد تنبهنا طويلا ونحن نصف داعش بالجماعة الإرهابية التي تعمل باسم الإسلام. من المؤكد أن حلفاءنا -من وراء المشهد- كانوا يفهمون خيرا ممن عداهم أن داعش تمثل انحرافا راديكاليا عن الإسلام له جاذبية لعينة لدى أقلية من المسلمين، ولكن لم يكن لينفعنا أن نصفهم بالإرهابيين الإسلاميين المتطرفين.
والآن إذ ترغب إدارة ترامب أن تتخلص من مصطلح «التطرف العنيف» ومجموعة القواعد التي كنا نتبعها. ويريدون بدلا من ذلك أن يعيدوا التسمية مستعملين «التطرف الإسلامي الراديكالي» أو «مواجهة التطرف الإسلامي».
حسنا. اتركوا التسمية، لكن لا ينبغي أن نترك الاستراتيجية. ولنعترف أولا أنها استراتيجية ناجحة. فداعش كقوة عسكرية تواجه مآزق كبيرة في العراق وسوريا، ناهيكم عن مآزقها كخلافة. والجماعة لم تحقق انتصارا عسكريا منذ سنة ونصف السنة. وتدفق المقاتلين الأجانب إلى العراق وسوريا تراجع بنسبة 90% بحسب ما تقول وزارة الدفاع الأمريكية. وتحرير الموصل متوقع في أي لحظة.
ثانيا، لندرك حقيقة ما قاله الملك عبدالله الثاني عاهل الأردن مرارا وتكرارا: «هذه معركتنا». يريد أن يقول بذلك إن هذه معركة الإسلام.
فمن الأخطاء الشائعة أن تركيز داعش منصب على مقاتلتنا. ولقد كنت أرأس قسما من الخارجية الأمريكية معنيا بمواجهة دعايتها ورأيت هذا بعيني. أكثر من ثمانين في المائة من دعاية داعش لغته هي العربية. والروسية هي ثاني أكثر اللغات استعمالا، بينما تأتي الإنجليزية والفرنسية في المرتبة الثالثة. فالولايات المتحدة لا تمثل الجمهور الأساسي لداعش . إذ طالما كنا لها العدو النائي. إذن، لننبذ مصطلح «التطرف العنيف» ما شئنا، ولكن لنخبر حلفاءنا العرب أن «الإسلام الراديكالي» أو «التطرف الإسلامي» لا يشيران إلى غير فصيل ضئيل تبنى العنف من عالم قوامه 1.6 بليون مسلم. قولوا لهم إننا بحاجة إلى عونهم الميداني العسكري والمعلوماتي الاستخباراتي. وكونوا محددين: «نحن نحارب داعش والقاعدة ومن يقلدونهما من الراديكاليين الإسلاميين مثل بوكو حرام». فالإسلام الراديكالي في نهاية المطاف مصطلح أقل ضبابية من التطرف العنيف.
إن داعش ليست مجرد جماعة إرهابية، بل هي فكرة. ودعوتها هي أن الغرب يعادي الإسلام فعلى كل مسلم صالح أن ينضم للخلافة. وأغلب دعاية الجماعة لم يكن عنيفا على الإطلاق. فقد رأيت آلاف التغريدات [التويتات] عن مدى جمال الخلافة. إذ كانوا ينشرون فيديوهات لأطفال يلعبون ومقاتلون جهاديون يوزعون الحلوى عليهم. أتذكر تغريدة فيها تفاحة لامعة وعبارة بالعربية نصها «الخلافة جميلة».
ليس من حقنا نحن أن نحدد الإسلامي من غير الإسلامي. وليس بوسع أحد غير أصوات المسلمين وعلمائهم المستقلين أن يقيموا سردية تدحض – داعش – وتمثل بديلا إيجابيا لها. لأن تغريدة من الولايات المتحدة تقول إن داعش تشويه للإسلام لن تؤذي الجماعة، بل ستساعدها على التجنيد.
ولذلك فإن الأمر التنفيذي الذي أصدرته إدارة ترامب بحظر الهجرة من دول ذات أغلبيات مسلمة هو قرار ذو نتائج عكسية عميقة في قتال التطرف الإسلامي. ولقد تردد بالفعل أن داعش أطلقت عليه «الحظر المبارك» لأنه يدعم موقفها القائل بأن أمريكا تكره الإسلام. والفقرة الواردة في الأمر بمنح معاملة أفضل للمسيحيين سوف تعتبر تأكيدا لسردية – داعش – الخاصة بنهاية العالم والقائلة بأن الإسلام في قتال حتى الموت مع الصليبيين المسيحيين.
ولن تكون صور الزوار المسلمين لحظة رفض دخولهم في المطارات الأمريكية إلا لهبا في يد من يريدون إيذاءنا.
لقد حدث قبل سنتين أن قال الإسلامي أبو محمد العدناني مع بدء شهر رمضان: لا تكبدوا أنفسكم عناء المجيء إلى الخلافة، وارتكبوا أعمال عنف ضد العدو حيثما تكونون. لم تكن تلك الدعوة دينية أو أيديولوجية، فما كانت تسعى إليه الجماعة هو أن تهاجم أعداءها في نقاط ضعفهم. لقد كان العدناني يقول عمليا «مهما كان غضبكم، سواء من رئيس أو جيران أو شرطة، ارتكبوا أعمال عنف – داعش».
وهكذا تصبح راية داعش السوداء راية ملائمة لأي شكوى. ثم جاء حظر السفر ـ برغم إلغاء القضاء له ـ ليكون ذخيرة للجماعة تسلّح به المظالم هنا في أمريكا.
فقد يكون الرئيس ترامب أداة التجنيد الأولى في يد الجماعة. سوف تنتهي داعش، لكن التطرف العنيف باق. والسبيل إلى الحاق الهزيمة بالتطرف الإسلامي يكون بمساعدة حلفائنا المسلمين وتعزيز أصوات الإسلام السائد الرافض لكل ما تفعله – داعش – وتمثله. فإلحاق الهزيمة بداعش في الميدان العسكري مؤقت عابر. أما التطرف العنيف ـ أو مهما يكن اسمه ـ فلا بد أن يهزم في ميدان الأفكار.

كاتب المقال زميل مدرسة كينيدي بجامعة هارفارد.