وحيد الدين خان.. مفكر برؤية علمية منهجية «4» لماذا وصلنا إلى هذا التراجع والتخلف؟

عبد الله العليان –

طرح العلامة والمفكر الهندي، مسألة التراجع الكبير للعرب والمسلمين، بعد قرون طويلة من الحضارة التي شهد العالم بالريادة والتفوق في مجالات كثيرة، ومن الغربيين أنفسهم، وأصبح المسلمون اليوم عالة على الآخرين، للاقتباس والاتباع، حتى في الخصائص الثقافية التي هي لصيقة بالهوية لأي شعب من الشعوب،وتلك قضية تؤرق هذه الأمة،وجعلتها شتاتاً متفرقة في خلافات وصراعات،وفي آخر الركب الحضاري والاقتصادي والتنموي، إلى جانب تراجعها التكنولوجي، ناهيك عن التراجعات الأخرى في الخطط والبرامج في شتى الميادين، وهناك أسباب كثيرة ومتعددة،ليست هي مجال حديثنا في هذا المقام،ويرى العلامة وحيد الدين خان، في كتابه( نحو انبعاث إسلامي)،هذا الأمر بأنه يدعو إلى المراجعة فيما وصلنا إليه، والسؤال الملح ،كما يقول وحيد الدين خان «لِمَ حدث هذا؟ لقد حكم المسلمون العالم أكثر من ألف سنة، فكيف وصل بهم الأمر إلى هذا الهوان الذي يعيشونه في عالم اليوم؟ إن الحقيقة الكبرى في كارثتنا هي أن ضعف المسلمين هو المسؤول عن فشلهم وسقوطهم. إن هذا العالم عالم صراع ومواجهة، ولا معنى للتباكي على الفشل حيث يوجد الصراع والمواجهة؛ فالفشل هنا هو النتيجة الحتمية لمن يثبت ضعفه في الصراع، ففي بداية النبوة أصبح العرب والعجم أعداء الدعوة الجديدة، ولكن الإسلام لم يكن ليسقط لمجرد عداوة هؤلاء.
إن استمرارنا في العويل والبكاء، كما يرى، يعني أننا بصدد تضييع الفرصة الأخيرة أيضًا التي منحتنا إياها طبيعة العصر الحديث، إن توجيهنا الاتهامات للآخرين يكشف عن أننا لسنا نواجه الفشل فحسب، ولكننا نواجه الحماقة وقلة الحكمة في نفس الوقت.لن يبدل شيئًا من بؤسنا وقدرنا إلا شيءٌ واحد، وهو أن نعمل لتقوية أنفسنا، فنحن ضعفاء بحق أمام الآخرين، ولذلك نحن مغلوبون.
كيف نصبح أقوياء؟». ويرى وحيد الدين خان هذا الأمر المحزن يدعونا الى المراجعة، لما جرى عصر الراهن للدول الأخرى، والتحولات التي جرت في عالم اليوم، دون أن نواكب نحن هذا التحول ونبصرها بروح المنافسة والتحرك الوصول لما وصل إليها الآخرون، فيقول:»إن العصر الجديد هو عصر التغيرات، لقد تغير كل شيء في عالم اليوم، حتى مفهوم القوة نفسه قد تغير، فلم تعد الخيول والسيوف والرماح رمز القوة؛ بل انتقلت قوة الخيل إلى ما يسمونه بقوة «الحصان»، لقد أصبح العلم والتكنولوجيا رمزي القوة والتقدم، وفي الماضي كان رجل واحد يحكم، أما الآن فالأمر قد تغير، وتوجد أنماط مختلفة للحكم، تلعب قوى متعددة دورًا هامًّا في توجيهها، وقد كانت الحكومة أكبر قوة فيما مضى، أما الآن فالصناعة والاقتصاد والتجارة هما أكبر قوة في ضوء المقاييس العالمية.لقد جاء العصر الحديث بقوى جديدة يمكنها أن تعين شعبًا ما، أو طائفة معينة على التحكم، من هذه القوى الضاغطة قوة «الصحافة» التي تمثل قوة عظيمة لم يكن لها وجود البتة في العصور الماضية.
إن نكستنا الراهنة،كما يقول خان، ترجع إلى تجاهلنا التغيرات التي طرأت على العصر، وإلى عدم امتلاكنا القوى الجديدة التي تمخضت عن هذه التغيرات، وعلى سبيل المثال فإن جميع حركات النهضة التي قامت على امتداد العالم الإسلامي خلال المائة سنة الماضية – لم تهدف إلا إلى هدف واحد، هو إنهاء السيطرة الاستعمارية الغربية، والحصول على الاستقلال، وقد أنفقنا في سبيل هذه الغاية ما لا يحصى من الوقت والمال والتضحيات، ولقد توصلنا تقريبًا إلى هذا الهدف اليوم، ولكن هل يتمتع المسلمون اليوم بنفس المكانة التي تمناها مجاهدو الحرية في أحلامهم بالأمس؟ ولا جواب لهذا السؤال إلا بالنفي المطلق.لقد أزاح مسلمو الهند «نير» الاستعمار الإنجليزي، بعد تضحيات منقطعة النظير، وإذا بهم محكومون من جانب الأغلبية في ظل النظام الجمهوري الحر، وفي كثير من البلدان الإفريقية دفع المسلمون ثمن الحرية من دمائهم الساخنة، ولكن غير المسلمين – بتفوقهم العلمي والاقتصادي – يحكُمونهم اليوم، وفي صخب شديد ملأ العالم أعلنت بعض البلدان العربية تخلصها من الاستعمار نهائيًّا، ولكن سرعان ما وقعت هذه البلدان فريسة استعمار من نوع جديد».وللأسف فان المسلمون، مع أنهم أزاحوا الاستعمار،وانتقلوا من الهيمنة الاستعمارية إلى رحاب الحرية،والى مسلك قراراهم المستقل، ورؤيتهم الخاصة، دون أن يكون للمستعمرين يد في هذا القرار وهذه الرؤية، لكنهم بقوا كما كانوا أيام الاستعمار، بل إن بعض ما علمه الاستعمار بقي علامة فارقة، حتى ان البعض من المسلمين، يرون أن فترة الاستعمار كانت أفضل مما كان عليه الحال بعد خروجه، من حيث تردي الأوضاع وتراجعها في بعض بلدننا العربية والإسلامية.وخلاصة ما أريد أن أقوله ـ والكلام لوحيد الدين خان ـ «هو أن واقع الدول الإسلامية لم يتغير، رغم كل التغيرات، فنحن رغم انتزاعنا الحرية لم نتمتع بها في حقيقة الأمر، والغرب ـ شرقيه وغربيه ـ لا يزال يهيمن على دولنا الإسلامية، بفضل علمه وصناعته المتفوقة، وهو يفعل ما يريد، لدرجة إبقاء حكوماتها أو تغييرها، إن اقتضت مخططاته ذلك.وهنا نأتي بمثال من معسكر غير معسكرنا، يكشف خطأ برامجنا؛ لقد تحطمت اليابان تحطمًا كاملاً في الحرب العالمية الثانية، ودكت قنابل الحلفاء معالم ناجازاكي وهيروشيما وطوكيو والمدن اليابانية الأخرى، ثم احتلت الجيوش الأمريكية أرض اليابان، وهي لا تزال تحتل جزيرة أوكيناوا، ولا تزال أمريكا هي المسؤولة الأساسية عن الدفاع عن اليابان، بناء على المعاهدة التي أبرمت بين الدولتين بعد الحرب.وبدأت اليابان حياة جديدة بعد الحرب، ولقد كان المزاج الشرقي العادي يقتضي إثارة حملة سياسية ضد الوجود الأمريكي؛ لأن السياسيين عندنا يقولون: «جلاء الأجنبي المستعمر بداية لكل خير وطني»، ولكن اليابان اختارت طريقًا آخر؛ لقد تجاهلت وجود الاحتلال الأمريكي، وركزت كل جهدها على بناء الوطن من جديد، وزادت من أهمية التعليم حتى أعطت المدرسين مرتبات الوزراء، ومنحتهم صلاحيات وكلاء النيابة، وكانت النتيجة، كما يقول وحيد الدين، أن أصبحت اليابان ـ في عقدين اثنين من الزمن ـ بلدًا من أكثر البلاد تقدمًا في التعليم، واليابان لا توجد فيها مناجم الحديد، ولكن الشعب الذي قد تعلم لم يعد يضيع قطعة واحدة من حديد شفرة حلاقة، أو مسمار مكسور؛ فكل قطعة حديد تأخذ طريقها نحو المصنع، لكي تظهر في صورة جديدة نافعة، وسار البناء قُدُمًا بطريقة منظمة، حتى أصبحت المدن المحطمة من أكبر مراكز الصناعة والتجارة في العالم، وتقدمت الصناعة والعلم والتكنولوجيا، حتى أصبحت منتجات اليابان تنافس المصنوعات الأمريكية في أسواق التجارة الحرة.واستغلت اليابان نكبة الاحتلال الأمريكي أحسن استغلال كمظلة دفاعية، ووجهت كل إمكاناتها نحو تعمير الوطن، وكانت النتيجة أن أصبحت اليابان خلال ربع قرن من أكثر بلدان العالم علمًا وتقدمًا وقوة في الاقتصاد، وبعد أن تم لها كل هذا، بدأت الحوار مع أمريكا؛ فكانت المطالبة اليابانية تقريرًا لحق سبق فيه الحكم لصالح اليابان؛ لأنها استخدمت في ذلك كل قوة وإمكانية أتاحها الزمن والعصر لها، ففوجئ العالم في أكتوبر الماضي بوزير خارجية اليابان يزور «أوكيناوا» لأول مرة، ويعلن أن: «القوات الأمريكية ستجلو قريبًا عن أرض اليابان» إن النموذج الياباني، كما يرى المؤلف وحيد الدين، يؤكد معرفة رجالها معرفة كاملة بروح العصر الجديد، بينما نموذجنا يخلو تمامًا من تلك المعرفة بروح العصر، وهذا هو السر في أننا لم نحتل مكاننا المناسب على خريطة العالم، لقد أحرزت اليابان في ربع قرن من الجهاد الذاتي المكانة التي نجهد أنفسنا منذ ما يزيد على قرن في سبيلها دون الوصول إلى نتائج.إن نموذج اليابان وظروفها مماثلة لكل الدول التي توجد فيها أغلبية المسلمين، فبينما تمكن اليابانيون من النهوض والوقوف فوق أرض صلبة، بتسخيرهم لكل إمكاناتهم المتاحة لهم ذاتيًّا، بينما هذا، ظللنا نحن عجزة متوكلين على عصا غيرنا، ولم تزد بطولتنا عن أننا أصبحنا مجتمعًا استهلاكيًّا لكل ما ينتجه الغرب من آلات وأفكار».
إن السؤال المهم والجوهري الذي ينبغي طرحه ومراجعته والتفكير فيه جيداً وفق ما يراه العلامة/ ‏وحيد الدين خان «فيما يتعلق ببدء هذا الكفاح هو: في أي مكان نبدأ بهذا العمل؟ ولو تمكنا من تحديد المكان الأنسب لهذا العمل، فإننا نستطيع الحصول على أروع النتائج في مدة قليلة، وعلى عكس ذلك لو بدأ هذا العمل في مكان غير مناسب، فلا جدوى منه، ولو بعد مضي مائة عام.عندما بدأت اليابان إحياء مجدها، توجهت إلى المدرسين في المدن، وأعطتهم مرتبات الوزراء، وصلاحيات وكلاء النيابة، وعندما أرادت الأقلية اليهودية خلق مكان لها في الولايات المتحدة الأمريكية، فتحت مراكز التوعية للأطفال اليهود التي علمتهم كيف يتلافون نقصهم العددي عن طريق المثابرة، والامتياز في العلم والعمل؛ ولكن حينما أصابنا داء الانحطاط في القرون الماضية، بدأنا كفاحنا بإثارة العويل السياسي ضد الملوك والمستعمرين الأجانب، والنتائج تقول لنا: إن ما جنيناه في قرن كامل لا يساوي شيئًا بالنسبة لما جناه اليابانيون في ربع قرن.
والآن يقف اليابانيون واليهود ـ الذين كانوا ضحايا الأمس ـ موقف المتحدي لقوى العصر، وليس ثمة من يمكنه منعهم من هذا التحدي.
إننا لن نكرر الآن خطأ الماضي، بأن نبدأ في بناء المنزل من أدواره العليا؛ لأننا لن نجني من وراء ذلك البناء القائم بدون أساس ـ إلا ضياع الجهد والوقت.
إننا هذه المرة سنبدأ في بناء الأساس قبل كل شيء؛ لأن هذه البداية التعميرية هي وحدها التي تنتهي بتشييد منزل منيع حصين.في حالتنا الراهنة كما يقول وحيد الدين، نرى أنه ينبغي بدء إحياء الإسلام في أحسن صوره العملية، بأن نقيم مركزًا إسلاميًّا على نطاق عظيم، ويكون هذا المركز الإسلامي مجهزًا بجميع الوسائل العصرية لنشر الأفكار؛ حتى يصبح هذا المركز مصدر الطاقة المفجرة للحركة الإسلامية العالمية، بحيث يكون هذا المركز إسلاميًّا وعالميًّا وعصريًّا في نفس الوقت.لقد تخلَّف المسلمون في كل مكان؛ لأنهم أخطئوا في تفهم طبيعة العصر، ولم يهيئوا أنفسهم مطلقًا لما تتطلبه روح العصر الجديدة هذه من انفساخ، ومنذ قرن كامل وثمة ضجة تثار في أرجاء العالم الإسلامي حول ما يسمونه إحياء الإسلام،لكن الصخب الشديد قد انتهى بنا إلى حيث نحن الآن ملقون في غار الذل والعار، ومما يزيد من عمق تعاستنا، كما يرى وحديد الدين في هذا الكتاب المهم: أن كل هذا الفشل لم يؤد إلى خلق شعور لدى المسلمين،وإعادة الفكر فيما يجب عمله، وفي الأسلوب الذي يجب اتباعه، كل الشعارات والنعرات، التي ثبت فشلها النهائي بحكم شهادة التاريخ ـ ما زلنا نسمعها من حين لآخر في كلمة جديدة أو ثوب جديد..وللحديث بقية،،