مؤتمر الأستانة وإعادة هندسة التوازنات الإقليمية

بشير عبد الفتاح –

«بدت الأطراف الراعية لمفاوضات أستانة والضامنة لوقف إطلاق النار كما لو كانت غير قادرة على إنجاح المفاوضات أو حمل الأطراف المتحاربة داخل سوريا على الالتزام بوقف القتال»
ما إن تراءى لها أن عزوف إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته الثانية باراك أوباما عن التورط بعمق في غياهب المستنقع السوري ليقتصر الحضور الأمريكي في مفاوضات أستانة على التمثيل الشرفي فقط، فيما اكتفت إدارة دونالد ترامب بإبداء استعدادها لتنفيذ عمليات مشتركة مع روسيا في سوريا كفيل بأن يفسح الباب على مصراعيه أمامها للاستئثار بإدارة الأزمة السورية، حتى أبت الدول الثلاث التي كانت منخرطة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في العمليات العسكرية داخل سوريا، ممثلة في روسيا وتركيا وإيران، إلا أن تكون هي ذاتها الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار هناك والذي تم التوصل إليه في نهاية شهر ديسمبر الماضي، وأن تبقى دون سواها الراعية لأي محادثات سلام يتم إطلاقها لتسوية الأزمة السورية استنادا إلى مخرجات مفاوضات أستانة التي أجريت يومي الثالث والعشرين والرابع والعشرين من الشهر الجاري.
وبعد يومين من محادثات لم تنطلق أو تستكمل في العاصمة الكازاخستانية بين وفدي النظام والفصائل المعارضة إلا بشق الأنفس، لم تتوان الدول الثلاث عن صياغة بيان ختامي يؤكد على أنه لا يوجد حل عسكري للنزاع في سوريا، الذي من الممكن فقط حله عبر عملية سياسية، كما يحض على تأسيس آلية ثلاثية لمراقبة وضمان الامتثال الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار ومنع أي استفزازات وتحديد كل نماذج وقف إطلاق النار، وذلك عبر خطوات ملموسة وباستخدام الدول الثلاث لنفوذها على الأطراف المتصارعة، علاوة على شيء من الحرص على إشراك المجتمع الدولي ولو شرفيا، من خلال حثه على دعم العملية السياسية من أجل سرعة تنفيذ كل الخطوات المتفق عليها في قرار مجلس الأمن رقم 2254.
غير أن هذا البيان الختامي، الذي اعتبره رعاة المفاوضات إنجازا ليس بالهين، إذ من شأنه أن ينقذ مؤتمر أستانة من فشل محقق، قد ولد واهنا ومبتسرا، فمن جهة، لم يتوافق بشأن محتواه وفدا النظام السوري والمعارضة كما لم يوقعا عليه. يأتي هذا في الوقت الذي لا يبدو أن النظام والميليشيات الداعمة له سيتوقفون عن خرق اتفاق وقف النار، حيث أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن القوات النظامية السورية قصفت وادي بردى بين دمشق ولبنان، رغم إصرار فصائل المعارضة خلال مفاوضات أستانة على ضرورة وقف هذا القصف، وبينما كشف بشار الجعفري، رئيس وفد النظام لدى مؤتمر أستانة، أن هجوم جيش النظام في وادي بردى قرب العاصمة السورية سيستمر طالما ظلت دمشق محرومة من المياه، على حد قوله، لم تتردد المعارضة من جانبها في التهديد بالعودة إلى القتال حالة فشل مفاوضات أستانة في تحقيق غاياتها المتمثلة في وضع آليات محددة لمراقبة تنفيذ اتفاق وقف النار واتخاذ إجراءات عقابية بحق منتهكيه، مع تجنب الخوض في أي أمور تتعلق بالتسوية السياسية.
ومن جهة ثانية بدت الأطراف الراعية لمفاوضات أستانة والضامنة لوقف النار كما لو كانت غير قادرة على إنجاح المفاوضات أو حمل الأطراف المتحاربة داخل سوريا على الالتزام بوقف النار. فبينما يتطلب تنفيذ الآلية المقترحة لضمان وقف النار موافقة النظام والمعارضة، لم يوقع أي من الطرفين على البيان الختامي لمؤتمر أستانة، كما عزفا عن إعلان دعمهما له. كذلك لم يتورع النظام والمعارضة عن التحفظ على أدوار الرعاة الثلاثة، ففي حين أبدى وفد النظام للمفاوضات عدم ارتياحه للدور التركي، إذ حمل الجعفري بقوة عليه. وطالب بحصره في قيام أنقرة بضمان تنفيذ المجموعات المسلحة للاتفاقات دون أن تكون راعية للمفاوضات، لمست المعارضة من جانبها تراجعا لافتا في الدور التركي خلال المفاوضات، متهمة أنقرة بالتقاعس عن دعم وفد المعارضة، خاصة بعدما أعلن محمد شيمشك نائب رئيس الوزراء التركي، خلال جلسة عن سوريا والعراق بمنتدى دافوس قبل أيام من انطلاق محادثات أستانة، تخلي بلاده عن إصرارها السابق على استبعاد الرئيس السوري بشار الأسد من أي تسوية للصراع في سوريا، مبررة ذلك التحول في موقفها بتغير الحقائق على الأرض . وفي السياق ذاته، ترفض المعارضة أي دور لإيران في مستقبل سوريا، معترضة على اعتبارها دولة ضامنة في أي اتفاق أو آلية لمراقبته، معربة عن تحفظها على البيان الختامي الذي ارتأته محض بيان ثلاثي يضفي شرعية على التدخل العسكري الإيراني في سوريا بما يتسبب في النزوح القسري لآلاف السوريين وإراقة المزيد من دمائهم .
ومن جهة ثالثة، يبقى بيان أستانة أسيرا لتداعيات الخلافات المزمنة والمتنامية بين الرعاة الثلاثة. فمع بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا نهاية سبتمبر من العام 2015 اكتسب الدعم الروسي لحكم الأسد سمتا عسكريا إضافيا إلى جانب السمت السياسي المتمثل في استخدام الفيتو الروسي لإجهاض أية مساع لإدانة حكم الأسد أو اتخاذ إجراءات عقابية ضده في مجلس الأمن الدولي، لتغدو روسيا بذلك صاحبة الكلمة الفصل في الأزمة السورية . ومن هنا، بدأت تشعر إيران بغبن شديد في سوريا، فطيلة السنوات الأربع الأولى من عمر الأزمة ظلت إيران خلالها تعتقد أنها حصلت على تفويض أمريكي لإطلاق يدها في سوريا كجزء من صفقة إبرام الاتفاق النووي مع السداسية الدولية في يوليو من العام 2015، خصوصا وأن واشنطن لم تكن تلح في مغادرة الأسد للسلطة، في الوقت الذي ظلت طهران تمانع أي دور تركي في سوريا وتحذر أنقرة من مغبة أي تدخل عسكري هناك، وذلك على خلفية المساندة التركية للمعارضة السورية المسلحة وإلحاحها في ضرورة رحيل الأسد.
كذلك ترى إيران أنها الأكثر تقديما للتضحيات في سوريا منذ عام 2011 إذ أنفقت عشرات المليارات من الدولارات كما فقدت أكثر من ألفي قتيل بينهم عشرة من كبار قادة الحرس الثوري الذين كانوا يعملون بصفة مستشارين عسكريين لجيش الأسد منذ العام 2012، بينما يحصد النصيب الأكبر من المغانم الاستراتيجية اليوم كل من روسيا، التي لم تتدخل عسكريا هناك إلا في سبتمبر من العام 2015 فيما تقوم بتقليص قواتها هذه الأيام، وتركيا التي لم تنخرط عسكريا في الأزمة السورية إلا لدرء الخطر الكردي السوري عنها من خلال عملية «درع الفرات» التي انطلقت بدءا من أغسطس 2016، بهدف إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا بعمق 50 كيلومترا تمتد من خط إعزاز حلب غربا إلى الفرات شرقا.
وجاء اتفاق وقف النار نهاية الشهر الفائت وما تمخض عنه من مفاوضات أستانة، ليفاقم الغضب الإيراني ويؤجج التوتر بين أنقرة وطهران. فمن جهة، جاء الاتفاق نتاج تنسيق روسي تركي بالأساس فيما تم استبعاد الأسد وإيران منه بشكل ما أثناء هندسته وصياغته، بينما تم إخطارهما لاحقا وإشراكهما فقط في الإعلان عنه. علاوة على أن الاتفاق يمهد لإطلاق عملية سياسية عقب مؤتمر أستانة تستند إلى مرجعية جنيف-1، الذي صدر منتصف عام 2012، والقرارات الدولية ذات الصلة ومن أبرزها القرار 2254، وتنص صراحة على تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات، تشرف على مرحلة انتقالية يتخللها كتابة دستور جديد للدولة، وذلك بمظلة أممية كفلها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2236، والذي يدعم الجهود الروسية التركية بهذا الصدد، وهو ما لا تقبله طهران أو الأسد بطبيعة الحال.
ومن شأن تلك الترتيبات أن تقوض مساعي السلطات السورية وإيران لمواصلة سياسة الحسم العسكري واستعادة مزيد من الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة وربما فرض واقع ديموجرافي جديد على الأرض من خلال التهجير الممنهج، بغية فرض واقع ديموجرافي مختلف في محيط العاصمة يؤدي دوراً في ترسيخ سيطرة مطلقة عليها، ويتيح لـحزب الله اتخاذ شمال غربي دمشق ومنطقة القلمون منطقة نفوذ كبرى، وتأمين المنطقة التي تربط العاصمة السورية بالساحل السوري معقل الأسد الأبرز . ذلك أن الأسد والإيرانيين يبتغون متابعة الزحف باتجاه إدلب وحمص وحماة ووادي بردى والغوطة ودرعا، لاستكمال نصرهم العسكري، مع تأجيل البحث في أي تفاوض الى ما بعد السيطرة الكاملة التي ستغيّر جذرياً مفهوم الحل السياسي ليكون عندئذ مستنداً فقط إلى معطيات المعادلة الميدانية، ولا يكون أمام المعارضة المهزومة سوى القبول بشروط المنتصر.