«صورة العربي في سرديات أمريكا اللاتينية».. الآباء المنسيون للواقعية السحرية

912216طارق إمام –

(1)
إلى أي مدى أثرت الهجرات العربية المبكرة لأمريكا اللاتينية في تشكيل النص السردي المائز لهذه القارة، والذي وصل ذروته التعبيرية مع التيار الذي زلزل العالم بما عرف بـ«الواقعية السحرية» أواسط القرن العشرين؟ نادرة جدًا الدراسات التي حاولت الاقتراب من تأثير الهجرات العربية إلى القارة اللاتينية على الأدب الذي أنتجته هذه القارة، وإسهام هذه الهجرات في تكوين «خيالها الجامح» الذي ما كان ليكتسب كامل قوامه لولا حضور «العربي» بمخزونه من الحكايات الخرافية وبكتابه السردي الأهم «ألف ليلة وليلة» الذي صحب معه حكاياته شفاهة، ونقلها لمحيطه موصلاً «سرديته الأم» حتى لمن لم يقرأ الكتاب نفسه. من ناحية أخرى تكاد تختفي المقاربات التي تقترب بعمق من صورة العربي في سرد أمريكا اللاتينية، رغم أن الشخصية العربية كانت دائمًا حاضرة في أغلب الأعمال الفارقة التي قرأها العالم لأبرز كتاب القارة اللاتينية مثل: جابرييل جارسيا ماركيز وبورخيس وجورجي أمادو وإيزابيل الليندي وبارجاس يوسا وغيرهم. من هنا تجئ الأهمية «المزدوجة» لكتاب «صورة العربي في سرديات أمريكا اللاتينية» للباحث الكوبي «ريجوبيرتو إرنانديث باريديس» والذي ترجمه عن الإسبانية بدقة وبراعة الروائي والمترجم المصري البارز أحمد عبداللطيف، وصدر مؤخرًا ضمن مشروع «كلمة» للترجمة.
(2)
«برز الحضور العربي في دول أمريكا اللاتينية في أكثر من مظهر. ووصل تأثير الثقافة العربية إلى أراضٍ كثيرة، منها كوبا، عبر طرق مختلفة، حيث سطع أولاً، حسب الترتيب الكرونولوجي، الأثر غير المباشر الذي تكوّن من عناصر متعددة -دخول الموريسكيين، العمارة ذات الطابع المدجّن(الموديجر)، والبصمة العربية في اللغة القشتالية، من بين عوامل أخرى، كما وصل التراث الثقافي من خلال المدن الأوروبية التي حملته، خاصةً في قرون الغزو الأولى (خاصةً القرن السادس عشر والسابع عشر)؛ ثم سطع ثانيًا عبر ما سُمي بالطريق المباشر، وشكّل ظاهرة بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وترتبط تحديداً بعمليات الترحال في القرنين التاسع عشر والعشرين، والتي بدأت في بعض مناطق الإمبراطورية العثمانية التي اختفت وكوّنت اليوم العديد من الدول العربية- لبنان، فلسطين، سوريا، مصر، الأردن ودول أخرى- وهو ما أدى لترك بصمة مهمة في مجتمعات نصف الكرة الأمريكي. في هذه الصفحات، نشير إلى صورة المهاجرين العرب في السرد الأمريكي اللاتيني، وهو موضوع نادرًا ما تناوله الباحثون والمتخصصون». هكذا يؤكد «باريديس» في مقدمة كتابه، الذي حاول عبر ثمانية فصول ضافية فضلاً عن ببليوجرافيا، تتبع الأثر العميق الذي تركته الثقافة العربية في متن السرد الأمريكي اللاتيني.
يقدم باريديس، فصلاً تدشينيًا لما أسماه «الخلفية التأسيسية للصورة السردية»، يخلص فيه إلى أن المهاجرين العرب «قدموا، خلال قرن من الزمان، إسهامات جلية لدول أمريكا اللاتينية، وفي هذا الجانب من المناسب أن نذكر مرة أخرى جارثيا أوستا عندما عرّف كيف كانت خطوات الهجرة نحو التكامل والاستيعاب خلال مائة عام، وهو أكبر من عدد رمزي خلده جارثيا ماركيز في أفضل رواياته، حيث استمرت عملية الهجرة العربية في أمريكيتنا ما يقرب من قرن».
ويؤكد باريديس أن العربي «انتقل من قيود اللغة إلى المهارة التجارية التأسيسية؛ من العزلة الأولية إلى تحويل محله أو مخزنه إلى محاور للحياة القروية والحضرية؛ من الخطابات إلى عائلته البعيدة ليطمئنهم بعودته إلى انصهاره في المجتمع الكولومبي النهائي؛ من التدين المركّز إلى التفاوض الثقافي؛ من حقيبة التجارة المتجولة البطولية إلى المتاجر الثابتة والمحترمة والاستثمار في تربية الماشية والزراعة والصناعة؛ من تهديد المنافسين العدائي إلى الحركة الاجتماعية وتشكيل شبكات تجارية والوصول للسلطة القضائية الأولى بالأمة؛ من الإبداع لصناعة الثلج والتجارة على بغلة والسفر الإقليمي إلى الأبحاث الجينية والتقدم في شتى فروع الطب وتجديد الصحافة والشعر والتصوير الفوتوغرافي وتصميم الملابس والموسيقى القومية. مائة عام لم تكن قليلة».

(3)
ينتقل الباحث في الفصول التالية ليرصد صورة تطبيقية أشد التصاقاً بنماذج شهيرة في الأدب الأمريكي اللاتيني عكست صورة العربي بشكل عميق يتجاوز الأكليشيهات الجاهزة ليقدم صورة نابضة عاكسة للثقافة والشخصية. ففي الفصل المعنون بـ«خطوة العربي الخاطفة في السرد الكوبي»، يرصد باريديس وصول العرب الأوائل إلى كوبا خلال فترة حرب السنوات العشر (1868-1878) وتزايد العدد والتفاعل في سنوات جمهورية الكولونيالية الجديدة (1902-1958)، مع ذلك، لم يعكس السرد بشكل عميق صورة المهاجر اللبناني أو الفلسطيني أو السوري أو أي جنسية أخرى. وحتى هذه اللحظة، يؤكد باريديس «لم نجد إلا قلة من المؤلفين سلطوا الضوء في عملهم الخيالي على وصف العربي المقيم في كوبا».
ويفرد الباحث مساحة معتبرة للمهاجرين العرب في روايات جابرييل جارثيا ماركيز، والذي قدم صورة مقربة للعربي في أكثر من رواية، ربما كانت أكثرها التصاقاً بذاكرة القارئ العربي شخصية «سانتياجو نصار» ذلك البطل التراجيدي لرائعة ماركيز «سرد أحداث موت معلن». غير أن نصار ليس الشخصية العربية الوحيدة التي أفرد لها ماركيز دورًا روائيًا، فهناك «موسى» السوري، التاجر في «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»، والذي يظهر أيضًا في رواية ماركيز الثالثة «في ساعة نحس». ويتوقف الباحث عند رائعة ماركيز وأشهر رواياته «مائة عام من العزلة» ليؤكد أن «في عالم ماكوندو المدهش الموصوف فيها، نقابل إشارات متعددة إلى المهاجرين الشرقيين، مصنفين كعرب ينتعلون النعال ويلبسون الخواتم، وسيستمرون بهذه الخصائص الأصلية حتى بعد انقراض ماكوندو. فالعرب في القرية الأسطورية الكونية للروائي الكولومبي يمثلون جماعة مغلقة على نفسها، تعمل في التجارة، وبالتالي تتعامل مع أبناء المجتمع معاملات اقتصادية، وتربطهم بهم صداقات، لكنهم لا يخلطون الأول بالثاني؛ وفي نهاية زمن مقاطعة ماركيز، يطفو الجيل الثالث من العرب بشجاعة فوق الفيضان ويتحدون الزمن. فالذين يتمكنون من صنع ثروة، مثل يعقوب، صاحب فندق ماكوندو، لا يُنظر إليهم باحتقار من جانب الطبقة الهيراركية بالقرية. كذلك، تعتبر الإشارات المستمرة في النص لشارع الأتراك إشارات موحية، فالشارع يتقدم وينحدر بنفس إيقاع الازدهار والتقهقر الذي تمر به ماكوندو».
وينتقل باريديس لنموذج لاتيني شهير آخر، هو البرازيلي «جورجي أمادو»، مقاربًا بشكل محدد اللبنانيين والسوريين في عالمه السردي، حيث تعتبر البرازيل أرضًا خصبة لنقل موضوع المهاجر الشرقي بجاذبيته إلى فن السرد، فبالإضافة لكونه البلد الثاني في القارة الأمريكية، والأول في أمريكا اللاتينية في استقبال المهاجر العربي، يُقدر عدد الأفراد من أصول شرقية بالبلد الأمريكي الجنوبي بـ9 ملايين نسمة (5%)، وسكانه من أصول لبنانية يتفوقون في عددهم على لبنان نفسها، كذلك السكان من نسل سوري يتجاوزون سكان دمشق. وكما في باقي دول أمريكا اللاتينية، قام المهاجرون العرب بالبرازيل وذريتهم بتصدر مشهد التفاعل الاجتماعي الذي فيه استوعبوا نموذج المجتمع المضيف، وملامح هذا الاستيعاب نقله جورجي أمادو في رواياته. ثم ينتقل الباحث لما أسماه «الحالة الأرجنتينية»، مقاربًا الصور المتراوحة للعربي في أعمال عدد من أكثر الروائيين الأرجنتينيين شهرة مثل بورخس، كاساريس، ليوبولدو مارشال، أبيلاردو كاستييو، ليخلص إلى أن «الحضور العربي الكبير والفعال في الأرجنتين، بالإضافة للتقليد الأدبي القوي في البلد اللاتيني الجاف، اجتمعا معًا لإضافة صورة المهاجر المتحدث بالعربية إلى الأجندة السردية».
كذلك يفرد باريديس مساحة خاصة لصورة العربي في العالم السردي للروائية التشيلية «إيزابيل الليندي» وبخاصة روايتها «إيفا لونا». الليندي نفسها تقول في إحدى المقابلات حول شخصية السوري «رياض حلبي» في روايتها إيفا لونا: «توقفت في منتصف الرواية عاجزةً؛ لأنني فقدت الشخصية الذكرية. حينها احتجت إلى شخص يأتي لينقذ إيفا لونا من هذه الحارة المسدودة، فظهر العربي رياض حلبي. أنا لا أعرف أحدًا مثلما أعرفه. ظهر في خيالي، وعندها جاء باسمه وبحضوره الفسيولوجي وبشفته الأرنبية. كان شخصية ثانية يجب أن تأتي لتنقذها فحسب، لكنه نما حتى أصبح بطلاً وبعدها، انظر، ظهر من جديد في قصص إيفا لونا. كان أكثر قوة مني. غلبني لإرهاقي أو لقوة حضوره».
من نموذج الليندي ينتقل الباحث للخيال التشيلي السردي، متتبعاً أثر المهاجرين الفلسطينيين على وجه الخصوص عبر روايتين اعتبرهما «باريديس» هامتين لتحليل المظاهر المتنوعة المتضمنة في هذا النوع من الكتابة الخارجة من رحم الجاليات العربية، لكاتبيين منحدرين من أصول فلسطينية. هاتان الروايتان هما «المسافر ذو البساط السحري» لـ«والتر غريب»، و«حاج بعينين لامعتين» لـ«خايمي هالس»، وتصنفان داخل الحركة السردية التي تعرض مشاكل الاندماج في تشيلي، الأرض التي كانت في لحظة وصول المهاجرين العرب تمر بتغيرات تاريخية واجتماعية وسياسية معقدة أثرت على بناء وترميم الهوية القومية التشيلية، وبالتالي الحفاظ على الأسس الهوياتية للجالية المهاجرة من سلالة عربية.
في الفصل الأخير، يركز الباحث على الرواية الشهيرة «حفلة التيس» للروائي البيروفي ماريو بارجاس يوسا، كونه يرى أن الشخصية من أصول عربية التي تظهر في الرواية- سلفادور إسترييا صدح الله، اللبناني الأصل، وكان أحد أعضاء الفريق الذي يجهّز المشنقة للطاغية الدومينيكي، هو ثمرة ناضجة للواقع. مع ذلك، مثل كل عمل إبداعي، تتغير ملامح الشخصية وخاصةً تفكيرها وصفاتها في مجمرة الروائي، الذي استطاع في هذه الحالة أن يلعب بها ويصور بكل مهارة ماضيها اللبناني.
ويخلص باريديس إلى أن «الملهم في هذا السياق كيف شيّد المؤلف الشخصية بناءً على لهفتها إلى ماضيها الإثني: إنه ليس رجلاً على اتصال كامل بعائلته اللبنانية. ومن خلال أمه، سليلة عربية من الجيل الأول، يتعرف البطل ذو الأصول العربية على أسلافه من جهة الأم ومغامراتهم كمهاجرين».
بالتأكيد يصعب تقديم تلخيصٍ مشبع لهذا الكتاب، الذي تنبغي قراءته بتأنٍ للوقوف بدقة على منهجيته المحكمة في تتبع صورة العربي في سرديات أمريكا اللاتينية، سواء بتأثيره في تلك الأرض الشاسعة الباحثة عن هوية كان الوجود العربي أحد روافدها الثقافية الرئيسية أو بصورته «الفنية» التي أعيد إنتاجها بعد ذلك ولا تزال بحاجة لجهود حقيقية تكشف أبعادها المركَّبة.