الاتحاد الأوروبي بين البريكسيت وترامب

سمير عواد –
قلة من المراقبين لم يعتقدوا أن استفتاء البريطانيين حول الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سوف ينتهي بمفاجأة وبتأييده. ورغم ذلك، سارع مسؤولون في بروكسل وباريس وبرلين لعقد اجتماعات سرية ووضعوا خطة لمرحلة لو حصل ما لم يكن في حسبانهم. وتم التركيز في هذا الصدد على تعزيز التعاون فيما بين 27 من الدول الأعضاء بعد انسحاب بريطانيا في مجال حساس وهو مجال الدفاع، لهدف استعادة ثقة الشعوب الأوروبية وتعزيزها تجاه الاتحاد الأوروبي، وتقديم برهان للمشككين الأوروبيين بأن الاتحاد الأوروبي سيظل قادرا على القيام بدوره إقليميا ودوليا حتى بعد انسحاب بريطانيا. كما كانت هذه خطوة لتجنب انسحاب دول أخرى من الاتحاد الأوروبي.
وبعد الصدمة التي سببها الانسحاب، تم البدء بوضع خطط الدفاع للمستقبل. وطرحت أورسولا فون دير لاين، وزيرة الدفاع الألمانية، مع زميلها الفرنسي، جان إيف لو دريان، مبادرة إصلاح، سرعان ما حظيت بدعم جان كلود جونكر، رئيس المفوضية الأوروبية في كلمته حول «مستقبل الأمة الأوروبية». لكن الفوز المفاجئ لدونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية، كان العامل الأكبر الذي أجبر الأوروبيين على التصرف بعجل، خاصة وأنه لم يكن متحفظا في مواقفه خلال الحملة الانتخابية وقال «توفر الولايات المتحدة الأمريكية الحماية لحلفائها في مختلف مناطق العالم، وتتكلف مبالغ عالية، والذين يريدون في عهدي الحصول على الحماية الأمريكية، عليهم أن يدفعوا في المقابل».
وفي القمة الأوروبية المنعقدة في ديسمبر الماضي، اتفق الأوروبيون على تعزيز التعاون داخل المنظومة الأوروبية في مجال الدفاع، وتم تشكيل لجنة من الخبراء لدراسة مقترحات محددة ليتم دراستها خلال العام الجديد 2017، لكن لا أحد في عواصم الاتحاد الأوروبي يؤكد أن هذا الهدف سوف يتحقق.
وإذا أرادت أوروبا في المستقبل أن تتحمل المزيد من المسؤوليات في مجال الدفاع، فالأمر يتعلق بقدرتها على الإنفاق. وقد أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية خلال عام 2015 حوالي 600 مليار دولار على التسلح، وبفارق ثلاثة أضعاف عن ما أنفقته كافة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في العام المذكور. وفشل الأوروبيون في قمتهم في الاتفاق حتى على توفير كل دولة نسبة 2 بالمائة من حجم إنتاجها القومي لإنفاقها على أسلحة جديدة، لتدعيم القدرات التسليحية للاتحاد الأوروبي الذي دار الحديث منذ وقت حول أهمية تشكيله جيشا لمواجهة التهديدات التي تواجه بلدانه مثل أزمة اللاجئين والإرهاب ومواجهة الكوارث الطبيعية.
ولا مفر للأوروبيين من التعاون والتضامن مع بعض لأن ترامب قد ينهج سياسة حازمة معهم. فعلى سبيل المثال، يملك الأوروبيون 19 نوعا من الدبابات، وذلك خلافا للولايات المتحدة التي تملك نوعا واحدا. وقد اقترحت المفوضية الأوروبية تخصيص صندوق تساهم فيه كافة الدول الأعضاء لاستخدامه في شراء أسلحة أملا بجمع مائة مليار يورو سنويا. ولكون المساهمة في الصندوق مسألة تخص كل دولة على حدة، فإن نجاح المشروع في تسلح الأوروبيين من خلال الصندوق يتعلق بمدى جديتهم في التعاون العسكري وخاصة مع حلف الناتو الذي تنتمي إليه 11 دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي.
فبعد فترة زمنية أوحي بأن المنظمتين غريبتان عن بعض، تم في نوفمبر الاتفاق على تعزيز التعاون في 45 مشروعا معينا، منها إجراء مناورات مشتركة والعمل معا في مواجهة هجمات القرصنة عبر الإنترنت. ولم يكن وليد صدفة أنه تم إحياء المحادثات في جنيف حول الأزمة القبرصية، لأن الخلاف المزمن بين تركيا وقبرص وكلاهما ينتميان إلى الناتو، بينما تنتمي قبرص أيضا إلى الاتحاد الأوروبي، يعرقل التعاون في مجال تبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات التابعة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والناتو. أضف إلى ذلك أنه بعد انسحاب بريطانيا، يدور نقاش في عواصم دول أوروبية شرقية منضمة للاتحاد الأوروبي حول القيام بخطوة مماثلة مما يعتبره الأوروبيون خطرا يهدد مستقبل منظومتهم.
ففي الوقت الراهن، يشارك الاتحاد الأوروبي في مهام عسكرية في البلقان وإفريقيا والأخيرة مهمة «صوفيا» لمكافحة مهربي اللاجئين في البحر المتوسط. واقترحت برلين وباريس إقامة مركز للقيادة في بروكسل للإشراف على المهمة. لكن الأوروبيين المعروفين بصعوبة الاتفاق على النهج، فشلوا في الموافقة على المقترح الألماني الفرنسي. ويقول المنتقدون إنهم لا يريدون تشكيل جيش أوروبي قبل أن يتحقق التكامل السياسي للاتحاد الأوروبي، كما لا يريدون بأي حال من الأحوال، أن يتحول إلى منافس لحلف الناتو.
لكن أزمة اللاجئين زادت الضغط على الأوروبيين لتشكيل جيش أوروبي مؤلف من 1500 جندي، يعبر عن استعداد أوروبا لتحمل المزيد من المسؤوليات في تحقيق الاستقرار والتدخل لإنهاء النزاعات في إطار المهام التي تقرها الأمم المتحدة. وهو ما تطالب به فرنسا لكي يتدخل الجيش الأوروبي في نزاعات إذا لم يكن هناك رغبة لدى الولايات المتحدة الأمريكية أو الناتو للتدخل فيها.
ولعل أوضح سبب يعرقل مطلب بعض الأوروبيين بإنشاء قوة ضاربة أوروبية، هو تضارب المصالح الوطنية وعدم أخذ بعض الدول الأمر بجدية، مثل ألمانيا التي تتردد في التدخل العسكري، مثل العراق وليبيا وسوريا.
ومما لا شك أن سياسة الدفاع الأوروبية سوف تتأثر كثيرا بما ستوضحه السياسة الخارجية الأمريكية حالما يبدأ الغموض ينقشع.
والذي يثير قلق الحكومات الأوروبية، هو قرار الناخبين في بلدانهم، فالتدخل في النزاعات العسكرية لا يحظى بتأييد من هذه الشعوب. وتخشى هذه الحكومات التعرض لعقاب الناخبين عندما يعود جنودها في صناديق خشبية من مهمات التدخل. ولذلك يفكر البعض بفكرة بديلة لتشكيل قوة ضاربة، وهي تشكيل وحدة تدير المستشفيات الميدانية وقاعدة لتوفير الخدمات اللوجيستية، لكن لا أحد يعرف ما إذا كان هذا كافيا ليرضي ترامب.