الرواية النسوية بين نموذجين

فاطمة الشيدي –

الرواية النسوية هي الرواية التي تعالج حالة أو فكرة نسوية بطريقة جادة وعميقة، لتضع فيها اليد على مكمن الجرح، كي يشعر القارئ بما يقع على المرأة في كل زمان ومكان من ضيم وقهر وعنف أحيانا. والأدب النسوي الذي ظهر وقوي في فترة من الفترات في كل أنحاء العالم بدأ يتراجع مع تقدم وعي المرأة، وتشكّل مجتمعات مدنية وحضارية تنظر للمرأة بعين المساواة والعدالة بتباين تلك النظرة وتلك المجتمعات في الحالة المدنية، إلا أنه رغم كل هذا لا تزال القضية قائمة، والظلم حادثا في كل مكان، ولكن لعل الصورة أكثر حلكة في مجتمعاتنا العربية، التي تحاول فيها المرأة جاهدة الحصول على حياة كريمة وسط مجتمع ماضوي متعلق ومتعالق بجذوره الذكورية، ووعيه غير المنصف في حق المرأة.
وهنا ينبغي التأكيد على أن الأدب النسوي أدب يتعلق بالكتابة عن قضية المرأة، وليس كتابة المرأة بشكل مطلق، فالمرأة قد تكتب أدبا نسويا، أو غير نسوي، فيمكن للمرأة الكاتبة أن تعالج التاريخ والوعي وقضايا المجتمع وإنسانية الإنسان في كل مكان. كما يمكن للرجل أن يكتب أدبا نسويا يتخيّر فيه قضية ما، ويعالجها بوعي خارجي ومحايد، وينظر إليها نظرة إنسانية بحتة.
وهنا نعرض لروايتين؛ الأولى تمثل الأدب النسوي تمثيلا عميقا، وهي رواية جنى فواز الحسن (أنا ..هي والأخريات) حيث تناولت الكاتبة القضية النسوية وما يشملها من عنف وكبت اجتماعي يذهب بالمرأة نحو الرضوخ والتسليم والبحث عن أي وسيلة للحياة ضمن الإطار الاجتماعي وهو الزواج مهما كانت عواقبه، ففي قصة (سحر) الفتاة التي ولدت في مجتمع ذكوري يمجد قيم الذكورة والأسرة والمجتمع ولا يحفل بالإنسان ودواخله، وفردانيته، سحر الطفلة التي تذهب للبعيد الداخلي هربا من برودة أمها وغياب والدها، فتوجد لها عالما من الأوهام وتعيش فيه، ثم تفكر أن الزواج هو الحل لكل مشاكلها، ولذا تستجيب لأول شاب يقترب منها وهو سامي، سامي المتدين الذي يحولها لشيء من ممتلكاته الخاصة، عبر احتجازها في ظل رغباته، وعبر الضرب بدون سبب، فتهرب منه لحضن عشيق انتقاما لروحها وجسدها، ثم تلجأ للانتحار.
هكذا أرادت جنى فواز الحسن أن تقدم قراءة نفسية عميقة بلسان الأنا عن واقع المرأة العربية، حيث انطلقت الراوية في كتابة سردية سرية بصوت الساردة/ ‏‏‏البطلة (سحر) من طفولتها بين أب شيوعي منكسر، وأم لم تكن تريد من الحياة أكثر من رجل، وغيابها الداخلي عبر الذات والحياة، فاستيهاماتها الجنسية الأولى التي كانت الحل للهروب من واقع لا تريده، حتى زواجها بأول رجل غازل أنوثتها لتهرب من جحيم التجاهل الأسري، الرجل الذي تحول مع الوقت لجلاد حقيقي ومعنف لزوجته بلا قدرة منها على مواجهته، فخروجها للعمل الذي وفّر لها مساحة من الحرية لتتخذ صديقة تسرّي معها عن بعض ما يعتمل في نفسها وعشيقا تعاقب به زوجها، وتحقق به ذاتها. لتنتهي منتحرة يتم انتشالها في آخر لحظة.
إنها حكاية بسيطة ومتكررة وتشبه الكثير من النساء في مجتمعاتنا العربية -التي مهما تقدمت وتطورت تظل ذكورية، وتظل المرأة فيها محاصرة بالسلطة الاجتماعية، ولكن الفارق أن جنى فواز الحسن ترسم بعمق ووعي نفسي أكثر منه اجتماعي كل الشخوص التي تضعهم في مسارات السرد، وخاصة النساء، فهي تقدم صورة داخلية للأم والأب والعمة سامية وجارتها فدوى، وهالة الصديقة التي غيرتها وأمدتها بالقيمة الإنسانية للتغيير. إضافة لثلاث بورتريهات ذكورية معمّقة هي: والدها الشيوعي المحبط وزوجها سامي العربي، وعشيقها ربيع. محاولة عبر تلك الشخوص رسم حدود الواقع الاجتماعي الذي يعيشه هؤلاء، متوغلة ضمنه إلى الداخل النفسي لفهم بعض ما يعتمل في نفوس هذه الشخصيات من أفكار وأوهام تحركها كمنطلقات نفسية في اللاوعي لتصدر عن تلك التصرفات.
لم تسرف الكاتبة في السخط على المجتمع وظلمه للمرأة، رغم ما هو حادث فعلا عبر أحكام المجتمع الجاهزة والجائرة ولكنها كانت تقدمها كأحكام عامة للجميع. وفقط حمّلت المرأة كثيرا هذا الألم بشكل كبير ودورها في مواجهته، وإن كانت قدمت أمها كصورة سلبية للمرأة قدمت عمتها سامية كصورة للمرأة الحرة التي تدفع ثمن كرامتها والتي وصفتها بأنها العدو للأول للإنسان.
وبلغة عذبة، وسرد واضح ومتتابع، ورسم دقيق للشخوص طرحت الكاتبة القضية النسوية، القضية التي عرضتها بهدوء ووعي وبلا ضجيج أو سخط مفتعل، وثم بانفراج العقدة الكبيرة وهي (انتحار سحر)، وجهت للحل الضمني لهذه القضية، والذي يتمثل في مواجهة المرأة للظلم بقوة وشجاعة، وعدم الاستسلام للضعف والوهن، وصناعة الفرح بكل المسببات مهما كانت بسيطة، في حين مررت بعض القضايا الجانبية كالفهم الخاطئ للدين، والتغيرات التي طرأت على المجتمع العربي، وظلم السجان، والقضية الفلسطينية التي فقدت عمقها، وغيرها من القضايا العميقة التي تناولتها عبر تأثيرها في شخوص الرواية فقط، بل محاولة جادة للتعرض المباشر لها، وكانت النهاية رائعة جدا، فالأمل الغامض الذي بثته البطلة؛ يمثل فكرة الخلاص الذاتي الذي ينبع من الداخل، والذي على المرأة التمسك به، فلا تبحث عن شيء من أي كائن لآخر.
في حين أن رواية «أحببتك أكثر مما ينبغي» للكاتبة أثير عبدالله النشمي، كانت تروم القضية النسوية أيضا، ولكنها للأسف لم تقدم سوى حكاية مضطربة يمكن أن نعتبرها نموذجا للمراهقة اللغوية الفكرية أكثر مما قد تمثل اتجاها نسويا، أو سردا عميقا وجادا، فالرواية التي تدور أحداثها في المغترب العلمي، حول علاقة بين فتاة عشرينية بسيطة ونقية بشاب ثلاثيني لعوب يتعشق النساء ويذهب في علاقاته النسوية ما شاء له المكان والطيش؛ تمثل سردا مملا لتلك العلاقة المترددة أبدا بين شد وجذب، ولذا فلا يمكنك أن تقبض على عنصر من عناصر الرواية الرصينة، فالشخصيات التي تتمركز حولها الرواية (الأشبه بتسجيل يوميات ورسائل) محدودة الحضور والتفاعل إلا من البطلة التي تحرك مجرى السرد ضمن الحالة العاطفية عشقا وألما، في حين تختفي تصاعدات السرد نحو الحبكة الروائية التي يمكن أن نعتبرها اعتباطا «زواج البطل من أخرى»، كما أن الرواية كتبت بلغة هشة وبسيطة لا يمكننا أن نعتبرها شعرية وإنما تداعيات نفسية وعاطفية فقط، أما المكان الأوروبي فلم يأخذ حظه من الوصف، فالساردة كانت تعبر كل شيء بسرعة، وتقفز فوق كل عناصر السرد؛ لتخبر القارئ فقط عن علاقتها بعبد العزيز، تلك العلاقة التي تصعد وتهبط وتذهب وتجيء حتى النهاية التي تركت الباب مواربا فيها.

ورغم أن فكرة الرواية يمكن أن تمثّل جانبا مهما وعميقا من القضية النسوية، فالكثير من الفتيات في هذا العمر سيما تلك اللواتي خرجن من مجتمعات وأسر ضاغطة وعشن حياة الكبت والحرمان العاطفي ثم انفتحت بهن السبل لاحقا نحو مجتمعات منفتحة؛ يقعن فعلا في شرك الرجل الأول عاطفيا، ويتعرضن للابتزاز العاطفي من الرجل اللعوب، ويذهبن في فخ العاطفة المفقودة غير مذهب، إلا أن الرواية للأسف لم تقل أكثر من خيالات مراهقة، ولا يعوّل عليها في تحليل القضية، أو تقديم وعي نسوي متقدم، أو تقديم نموذج إنساني أو حتى حلول يمكن أن تتمثلها الأخرى، بل على العكس تماما فهي تربي العاطفة الساذجة، وتدفع للالتذاذ بها في غير وعي وانتباه.