يوميات : «سجنَّاهم لأجل حماية المجتمع منهم»!

899090 899089الخميس 19 يوليو 2001، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:
زرنا ــ […]، وتغريد، وليل، ونزار، وأنا ــ سيئة الذكر ديزني لاند.
لم أعد أمانع زيارة مثل هذه الأماكن (وفي الزيارة القادمة إلى طيبة الذكر سان دييجو سنزور «عالم البحر»، الـ SeaWorld للمرة الأولى. شخصياً، لم تعد عندي أوهام في أي مكان، لكن ما المكان سوى إمكانية الوهم، واحتمال الولادة، واحتمال الحياة، واحتمال الموت؟. أتذكر اني حين عدت إلى عمان في بداية التسعينات سألني عدد لا بأس به من الناس، بمن في ذلك أصدقاء أعزاء ورفاق مناضلون، عما إذا كنت قد زرت الـ SeaWorld، وحين أجبت بالنفي ارتفعت الحواجب دهشة لأني لم أزر ذلك السحر الكوني المغناطيسي الهائل على الرغم من وجودي في المدينة حاضِنَتهُ لنحو خمس سنوات؛ بل ان إحدى زميلاتي في العمل بلغ استياؤها مني درجة ان صارحتني أن أحد أسباب قضاء إحدى إجازاتها في الولايات المتحدة هو الذهاب إلى الـ SeaWorld، وكأنه لا توجد هوامير، وأسماك قرش، وحيتان حتى على اليابسة قبل البحر لدينا في عُمان. لكن توجد في سان دييجو مخازن بيع كتب مستعملة نادرة، بل ان بعضها قد سبق الديناصور في الانقراض، بينما الأسماك توجد في كل مكان، بما في ذلك العلب القادمة من اليابان وكوريا.
كانت معدتي (التي لم تلتئم أمورها بعد، ربما بسبب الإفراطات الليليَّة) تؤلمني كثيراً، وكان لا بد من البحث عن حمَّام كل نصف ساعة أو شيء من هذا القبيل بسبب اضطرار شبيه بـ «الدزنتاريا»؛ لكني لم أنزعج من ذلك، بل أقنعت نفسي أن الأمر يليق بالزيارة، فمن الأفضل أن تزور مثل هذه الأماكن وأنت على درجة ما من اللاتوافق مع نفسك، مع جسدك وروحك، وأن يكتب جسدك كلمة في سجل الزيارات.
ديزني لاند، طبعاً، هي العالم من وجهة نظر أمريكية ــ العالم «الـمُسَنْدوَتش» الذي تقدمه أمريكا استهلاكاً إمبريالياً لمواطنيها القاطنين «هنا». زرنا كثيراً من المواقع الخاصة بالأطفال، بما في ذلك بيت الجليل المبجل ميكي ماوس شخصياً (بيته كان مكيف الهواء، أنيق التأثيث، وكان ذلك حسناً في استراحة قصيرة في الظهيرة على إحدى الكنبات. سأظل أشكر هذا الجميل للشهم – بل «للشهم وعَشِر» على طريقة البدو العمانيين- ميكي ماوس بقية العمر)، وقد كنا نسعى، من أجل أن يكتمل مجد الرحلة وموقعها اللائق في ذاكرة التاريخ، للحصول على «أوتوغرافات» من العزيز الغالي ميكي ماوس شخصياً لولا طول الطابور الذي جعلني نافذ الصبر مع زملاء الرحلة. لم يكن الكريم الأكرم ميكي ماوس ولا الأفخمان توم وجيري من رفاق طفولتي التي كان سوادها الأعظم بلا كهرباء أصلاً. كان هناك البعير عديم الرأس الذي ينطلق بعد غروب كل شمس من المَطْيَنَة [المكان الذي يستخرج منه الطين الصالح لبناء البيوت]، وذلك ليبحث عن الأطفال ويأكلهم. وكان هناك الصَّلبُ، والرُّكل، وتوجيه البُصاق إلى الوجه مباشرة، والصَّفع عقاباً على الأخطاء الطفيفة في تلاوة الذكر الحكيم. وكان هناك التهديد بصب الكاز على شعر الرأس الذي أحببته طويلاً منذ بواكيري وإحراقه وأنا نائم. وكان هناك الشروع في القتل حرفيَّاً لأنني تأخرت مرة عن أداء صلاة الجماعة وأنا دون سن التكليف أصلاً («أنا من حقي كأب مسلم اني أقتلك الآن»، العبارة التي أخفق عدد كبير من الصدمات الكهربائية وأكوام من الأقراص المنومة والمضادة للاكتئاب والمهدئة وأنهار من الصفراء في إزالتها من الذاكرة المحتفظة بمشهد اليدين الغليظتين وهما تضغطان بصورة جادة جداً على العنق). وكانت هناك خطبة جمعة عصماء ألقاها الخطيب المفوه موجهة إلى «أولئك الذين يبخلون بأحبارهم وقراطيسهم عن ذكر وصفه الكريم كاملاً»: ما حدث بالتمام والكمال هو اني كتبت في أحد دفاتري المدرسية الصيغة الاختصاريَّة «ص» بدلاً من «صلى الله عليه وسلم»، حيث كانت هذه الصيغة – إضافة إلى صيغة «صلعم»- هي المعمول بها في كتب المنهاج المدرسي القَطري الذي كان مستعملاً عهدذاك، وقد كان عليه أن يكون أول من يعرف ذلك فقد كان أستاذ مادة التربية الإسلامية في المدرسة الإبتدائية. أما مسألة تحويل منبر المسجد من منصَّة يُفترض أن يصدر منها صوت الحكمة في مناقشة قضايا عامة تخص جمهور المسلمين إلى مصدر رعب للتنكيل بولد صغير لم يبلغ الرشد بعد فذلك أمرٌ تقريرُ حلاله من حرامه، ودرجة الوفاء فيه للأمانة الربانيَّة قبل الضمير الشخصي أو عكس ذلك، فليس عائداً لي بل إلى الواحد القهَّار. لقد حدث ذلك قبل سنوات طويلة من قراءتي تحفة هادي العلوي «من تاريخ التعذيب في الاسلام» وحديثه عن ان عقوبة التشهير واحدة من أسوأ العقوبات (مع ان العقوبة تأتي قصاصاً لارتكاب معصية، أو جرم، أو مخالفة، وليس لمجرد التعبير المجاني والساديّ عن خطاب السلطة البطريركية الموغلة في العسف، والبطش، والإرهاب). وفي أية حال فإنه ليس من النادر أن يقرأ المرء كتاباً يشعر انه لم يكن في كبير حاجة لقراءته على اعتبار أن ما يورده الكتاب قد عاشه المرء أصلاً في جسده، وروحه، واسمه، وسمعته مباشرة.
زرنا كذلك «أرض المغامرات»، الـ Adventureland، حيث حضرنا عرض مسرحية «علاء الدين وياسمين» الغبيّة التافهة، الموجهة لصغار السن وصغار العقل (الذين هم غالبية سكان هذي البلاد فيما يخص صورة الشرق). طبعاً، كان الأمر «هوليوود» بصورة سريعة. وضعونا في سرادق «شرقية» وحديقة «شرقية» واخترعوا حكايتنا لنا، وسردوها أمامنا ــ عيني عينك، حرفياً. وفي الزاوية نفسها هناك طبعاً «البازار» حيث المنتجات «الشرقية» ومصباح الجنِّي الذي تدفع فيه مبلغاً استغلالياً كبيراً وتحكّه كي يخبرك بمستقبلك (الباهر دوماً بالضرورة).
أيضاً هناك «بقالة ضفة النهر» (والعبارة مكتوبة بلافتة عربية) وقربها سيارة أمريكية عتيقة أنتجت في بدايات القرن ــ يا لها من صورة حين يفكر المرء بها (وسأتفكر بها). لكن الأكثر عنصريَّة في تلك الزاوية كان رحلة السفينة السياحيَّة في الغابة، حيث النماذج المنمَّطة للآخر موجودة بإسراف بحيث اني أستغرب أن الجماعات الثقافية والسياسية الأمريكية السوداء لم تحتج (حسب علمي) على بعض المجسمات الآلية المستوردة بصرياً من بعض أفلام هوليوود. كنت فعلاً، وصدقاً، وحقاً أستحضر بعض المشاهد من فيلم دي دبليو غرِفث «ميلاد أمَّة». وعلى الصعيد الفرويدي كانت الرحلة بمثابة اختراق قضيبي فعلاً بالنظر إلى هندسة المكان والمياه.
وقد قدَّم نزار تاج الرحلة كلها ووسامها الأرفع، حيث أن أقصى ما يثير حنقي في زيارة الأماكن السياحية التي يرتادها كثير من البشر تلك المظهريَّة الإيجابيَّة الودود بصورة مبالغ في افتعالها، والتي يتصرف بها السياح: الابتسامات الجاهزة، وتلويحات السلام المجاني لدى مرور مجموعة قرب أخرى، حيث الرسالة المراد إيصالها من قبل أناس جاءوا من كافة ضراوات وضرورات الحياة تقريباً هي شيء من قبيل «إننا تافهون مثلكم، ومن أجل التدليل على ذلك ها نحن نرفع أيادينا لكم بالتحية، فمرحى لتفاهتنا جميعاً في هذا اللقاء العابر». ها هي مجموعة من السياح الأغبياء تلوح لأخرى سفيهة بـ “HI!”، وها هنا جحفل من السخفاء يبادر فيلقاً من المعتوهين بالتحية ذاتها، وهكذا. كم أجاد نزار رفع راحته اليمنى بتحية الحشود التي نمر بها في أقصى ما يمكن من ابتذال سياحي هو، في الحقيقية، طاقة نقدية سرية. كل هذا وأنا أتلوى بسبب مغص آلام المعدة والضحك والقهقهة معاً.
أعتقد أن نزار هو أكثر من سخر من أمريكا فينا خلال هذه الرحلة، إلى الحد الذي صرت أطلب منه أن يرفع يديه بالتحية الملوِّحة كلما تأخر عن ذلك لدى مرورنا بحشود جديدة، وكان سخياً في استجابته لطلبي. كم كان ذلك رائعاً فعلاً. لذلك يستحق نزار الليلة كثيراً من القناني الفاخرة مع عشاء دسم للغاية.
اليوم، كم كانت أمريكا رائعة، رائعة حد التخمة!.

الجمعة 20 يوليو 2001، لوس أنجيلوس، كاليفورنيا:
يوم منحته ذاكرتي ليكتب ما يشاء
وما كتب شيئاً في ذاكرتي.

السبت 21 يوليو 2001، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:
قضينا اليوم كلّه في الشقة في أقصى مباهج الحب، وفي أقصى الهلع من الفراق […]. اللهم ساعدنا على ما لا نريد مما أصبح ضرورياً لكلينا.

الأحد 22 يوليو 2001، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:
[…] وأنا شاهدنا، في الـ Laemmle’s Musical Hall فيلم «لومومبا» من إخراج راؤول بِك (رغم محاولاتي الكثيرة، لم أشاهد للأسف الفيلم الوثائقي الذي أخرجه المخرج نفسه عن لومومبا). أعجبني الفيلم كثيراً، وفي وسعي قول بعض الأشياء عنه: مثلاً عبارة “This film is a true story” التي ترد في بداية ظهور «التترات» معالجة مقنعة للكلاشيه المضجر الذي يزعم الحقيقة “based on a true story”؛ فالفيلم هنا يريد أن يقص “a true story”، حيث أنقذته أداة التعريف التنكيرية من مغبَّة ادعاء كل الحقيقة، فهذه هي «إحدى» القصص التي يمكن سردها عن المناضل الأممي الشهيد باترِس لومومبا، ولا ندعي امتلاك «القصة» كاملة، والحقيقة كاملة غير منقوصة بـ«ال» التعريف. في العربية نبالغ في استخدام «أل» التعريف حيث لا يوجد في لغتنا معادل لأداة النكرة – “a” الإنجليزية. وعدم وجود أداة نكرة صريحة بل غائبة في لغتنا (التي تسهب بلاغياً في صب جام الغضب على فلان أو علان من الناس باعتباره «نكرة») يساعد في توافر المشكلة وليس الحل. إذا ما تأملنا في الأدب العربي، فلنقل كما في القصة القصيرة، فإننا نجد في السطر الافتتاحي لقصة ما جملة من قبيل: «جلس فلان تحت الشجرة». لكن أية شجرة هذي، وأنت يا أستاذنا القاص لم تجشم نفسك عناء أن تصفها لنا قليلا؟. أعتقد أن هذه نقطة هامة بأكثر مما تستطيع البوح بأبعاده هذه الإشارة السريعة التي لن يفوتها، في الوقت نفسه، الإشادة بتكثيف التاريخ الموضوعي جمالياً فيما يخص دور الولايات المتحدة في تسليط السيف على رقاب كل الباحثين عن الحرية والكرامة في «العالم الثالث»، والأمم المتحدة في خضوعها للجبروت الأمريكي، والمؤسسة العسكرية الأنجولية في كونها ربيبةً كولونياليَّة منذ البداية في قتل لومومبا. هناك أيضاً المعادلة الدقيقة بين البصري واللفظي والسمعي، وهناك غير هذا.
لكن ما أعجبني بنفس المقدار في مناخ التجربة السينمائية مع هذا الفيلم هو حضور بعض ممثلي الجماعات اليسارية الأمريكية، إذ بغض النظر عن الموضوعية السياسية التي تحتمها المرحلة وما إلى ذلك من أشياء باردة، ثمة في حضورهم الرمزي حضور عارم لكبرياء البشر وإصرارهم في هذه القلعة النتنة التي بنيت من هامات مطأطئة، ومن استغلال فاقع يراه المرء كل يوم.

ما أقصده تحديداً هو أن هؤلاء الأشخاص غير معنيين بصورة خاصة بما يحدث في العالم؛ فالعالم الذي يتعاملون معه هو العالم كما يريدوه، وكما يريدون له أن يحصل، وليس العالم الذي نستسلم نحن، بعقلانية شديدة، لمعطياته وقوانينه؛ وبالتالي فإن «انفصالهم» عن الواقع يتخذ هنا معنى إيجابياً (بالشكل الذي أفهم به الكلمة)، وليس العكس، إذ أن هذا، في الجانب الفردي منه، انفصال الأطفال والحالمين والمجانين والشعراء عن عالم البالغين والعاقلين وغير الخلاقين؛ فهم يصرون، مثلاً، على أن تحدث الثورة المسلحة هنا، في أمريكا أولاً، في «بطن الوحش» (ومنظمة «الفهود السود» في الستينيات أدركت ذلك ومارسته بسجناء لا يزالون في الزنازين على الرغم من الأبواق الإعلامية الأمريكية التي تتشدق انه لا يوجد في هذه البلاد سجين سياسي واحد، وإنما «مجرمين» فقط – ماذا عن موميا أبو جمال مثلاً؟. والشيء بالشيء يذكر، وللمفارقة هنا ان تحالفاً من منظمات حقوق الإنسان أرسل وفداً منه إلى [إحدى البلدان الخليجية] من أجل تفقد أحوال السجناء السياسيين ورفع تقرير عن أحوالهم إلى الأمم المتحدة في السبعينات. غير ان ذلك الوفد وفور وصوله إلى تلك البلاد فوجئ بالرد الرسمي التالي: «في بلادنا ليس هناك سجناء سياسيون. نعم، لدينا سجناء من القتلة والأشرار ومصاصي الدماء الذين سجنَّاهم لأجل حماية المجتمع منهم»!.