الحل السياسي للصراع السوري وإشكالياته

ماجد كيالي –
كاتب فلسطيني –

تتحدث جميع الأطراف الدولية والإقليمية والعربية، المعنية بالصراع في سوريا، عن أنه لا يوجد حل لهذا الصراع سوى الحل السياسي، وهذا الكلام ينطبق على النظام والمعارضة، بيد أن الواقع يقول عكس ذلك تماما، إذ إن كل هذه الأطراف تتصرف على أساس أن الحل العسكري هو الأساسي، وأن الحل السياسي سيأتي نتيجة له، أو نتيجة موازين القوى العسكرية على الأرض.
لكن هذا التوصيف لا يفيد في الحقيقة إلا بإدامة الصراع، أي باستمرار نزيف مختلف الأطراف، إذ لا يوجد طرف من الأطراف المتصارعة قادر على الحسم لوحده، وقد شهدنا أن روسيا عجزت عن ذلك منذ تدخلها عسكريا، قبل أكثر من عام.
في السابق كنا نتحدث عن صيغة لا غالب ولا مغلوب، لا منتصر ولا منهزم، لا خاسر ولا رابح من الصراع الجاري، لا النظام ولا المعارضة، أي أن المعادلة السائدة هي استمرار الصراع، أو ديمومة التقاتل، والسبب أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تبدو أنها لا تأخذ موقف إدارة الصراع فحسب، وإنما هي تستثمر في هذا الصراع، لجهة إضعاف وإنهاك وتوريط الدول المناوئة لها، ويأتي في ذلك استدراجها روسيا وإيران وتركيا وبعض الدول العربية للتصارع وجها لوجه، في حين تقف هي موقف المتفرج أو اللامبالي، تمهيدا لأخذ موقف الحكم، أو موقف موزع الغنائم.
على ذلك يمكن هنا التأكيد بأن المسؤولية الأكبر عن هذا الاستعصاء، بعد النظام وحلفائه، إنما تقع على عاتق الإدارة الأمريكية، كونها بمثابة القوة الوحيدة القادرة على فرض الحل الذي تريد، على مختلف الأطراف الدولية والإقليمية والمحلية، لكن مشكلتنا مع الولايات المتحدة أنها تشتغل وفقا لرؤيتها السياسية ووفقا لتقديرها لمصالحها لا وفقا لمصالح السوريين، وهذا ينطبق على عهد أوباما وعهد ترامب الرئيس الأمريكي الجديد أيضا.
الآن، قد يعتقد البعض، عن حق، بأن النظام تضعضع، واستنفد طاقته، لكن الوضع على الجهة المقابلة ليس أحسن حالا، إذ إن طاقة المعارضة استنزفت، أيضا، بواقع تعذّر تحقيق مكتسبات جديدة.
ثمة مشكلة أخرى، أيضا، مفادها أن التوافق على هذا النحو في الصراع السوري بين الأطراف الفاعلين، الدوليين والإقليميين، لا يعني بالضرورة توافقهم على نوعية الحل السياسي، وهذه عقدة أخرى. ويستنتج من كل ما تقدم أن سوريا ستبقى، على الأرجح، في الأمد المنظور مجالا مفتوحا للتصارع بين هذه الأطراف، التي باتت بمثابة المقرر في أحوال سوريا، ورسم مستقبلها.
ما يفاقم من تعقيدات المسألة السورية، إضافة إلى الافتقاد للإرادة الدولية والإقليمية بشأن فرض الحل السياسي، أن انفجار الوضع السوري، طاول المجتمع، أو الجغرافيا والديموغرافيا، وأن الشعب بات خارج معادلات القوة والشرعية.
والقصد أنه لا يمكن القول إن الحل السياسي هو الأساس في حين يجري التصارع بالوسائل العسكرية، إذ ينم ذلك عن تناقض وتلاعب كبيرين، أي أنه من دون وضع حد نهائي للقصف والقتال والتشريد والحصار لا يمكن إقناع الأطراف الأخرى بصدقية الحل السياسي.
ما ينبغي إدراكه، لا سيما في أوساط المعارضة، أن المفاوضات تنعقد عادة لسبب بسيط مفاده عدم قدرة طرف ما على حسم الأمر لمصلحته، إن بإزاحة الطرف الآخر، أو بفرض إملاءاته عليه، بوسائل الحرب أو الصراع المسلح. وفي الحالة السورية، مثلا، ما كان يمكن طرفي الصراع، أي النظام والمعارضة، أن يقبلا بالذهاب إلى مفاوضات جنيف 1 و2 و3 لو كان أي منهما يعتقد أن الأحوال تسير لمصلحته، في المدى المنظور، وبالاعتماد على قواه الخاصة.
لكن التوجه إلى المفاوضات لا يعني أن الطرفين المتصارعين باتا جاهزين للتسوية، أو أن كل واحد منهما بات مقتنعا بالتسليم للآخر، على العكس من ذلك، وهو ما تأكد بانخراط الأطراف في مفاوضات طويلة ومضنية ومعقّدة، بالقدر ذاته الذي شاهدنا عليه الوضع السوري، طوال السنوات الماضية، وبالأخص مع معرفتنا بأن الطرفين المعنيين لم يقبلا خيار التفاوض عن طواعية، بقدر ما رضخا له تحت ضغط الفاعلين الدوليين.
وتفيد التجارب بأن التسويات، التي تنبثق عن المفاوضات، تنبثق من محددات عدة، أولها: موازين القوى في اللحظة المعيّنة.
وثانيها: قدرات كل طرف وإمكاناته، الكامنة أو المستنفدة.
وثالثها: المعطيات المحيطة ومداخلات الفاعلين الدوليين والإقليميين.
ورابعها: قوة إرادة كل طرف، وضمن ذلك، أيضا، مهارات التفاوض لدى كل منهما. مع ذلك فإن الحقيقة الأساسية، التي ينبغي الانتباه إليها، تفيد بأن مستقبل سوريا بات رهن إرادات الفاعلين الخارجيين، على الأرجح، أكثر مما هو رهن مفاوضات الطرفين المتصارعين. مع كل ذلك سيبقى التسابق قائما بين الخيارين السياسي والعسكري إلا أن تفرض الإرادة الدولية ذاتها.