رواية «نارنجة» لجوخة الحارثي أو «زهـور» الحـائرة بين زمنين

عاصم الشيدي –

«أكون في سريري الضيق في غرفتي الجامعية في الطابق الأخير، أستيقظ وأرى الثلج يتساقط عبر النافذة، أقف حافية القدمين على الأرض الخشبية بمنامتي الطويلة، أحدق في الثلج والظلام، وفجأة، أرى الظفر الأسود المعقوف. أراه بوضوح وأندم. أعود لسريري الضيق، تتلاشى أصوات زملائي الصينيين في المطبخ، ويخفت صوت الموسيقى الصاخبة في غرفة زميلتي النيجيرية، وأتلوى من شدة الندم».
هكذا تبدأ الروائية جوخة الحارثي روايتها الجديدة «نارنجة» الفائزة مؤخرا بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، والصدارة عن دار الآداب اللبنانية.
تمزج جوخة الحارثي زمنين متضادين في عملها: الزمن الأول زمن تدور أحداثه الآنية في بريطانيا حيث تدرس الساردة «زهور» هناك في إحدى الجامعات وتبني علاقات حياتية مع زملاء دراسة، ثم تجد نفسها ضمن مثلث تشكل هي أحد أضلاعه فيما يشكل الضلعين الآخرين صديقتها الباكستانية «كحل» وزوجها الذي تزوجها زواج متعة في السر «عمران». تجد زهور نفسها متعاطفة جدا مع خيار «كحل» الذي وجدت حياتها بعيدا عن الطبقية الاجتماعية التي كانت تبحث عنها «سرور» أخت «كحل».
في المقابل كان هناك زمن ثان استرجاعي يتبلور في قصة أخرى وهي قصة «بنت عامر» جدة «زهور» الافتراضية والوالدة الافتراضية لوالدها وهذا هو الزمن الثاني.
«بنت عامر» شخصية تحمل ملامح مرحلة تاريخية من تاريخ عُمان ومنطقة الخليج العربي لا تخفى. المرأة التي يمسك غيرها بتفاصيل مستقبلها، وعليها أن تعمل ليل نهار من أجل أن تعيش، أو أن تجد لها مساحة للبقاء، لكن في المقابل حتى اسمها يبقى غير قابل للذكر ومخفي.. ولم يرد اسم الشخصية المحورية في الرواية إلا بـ»بنت عامر» في حين كانت تقوم بأعمال كبيرة.
«حدث كل شيء أثناء الحرب العالمية الأولى.. تعطلت حركة النقل بالبواخر في الخليج، فشحت السلع، ووصل سعر شوال الأرز إلى مائة قرش، من قروش ماريا تريزا الفضية، وسعر جراب التمر إلى ثلاثين قرشا، وسعر الطرحة القطنية للمرأة إلى قرشين كاملين. ضربت سنو المحل بمخالبها، جفت الأفلاج، يبست النخيل، وخلت قرى بأكملها من سكانها الذين هاجروا إما إلى مناطق أخرى هادنها المحل والغلاء، وإما إلى شرق أفريقيا». في هذه المساحة الزمنية كانت تعيش «بنت عامر» التي طردها والدها مع أخيها بعد وفاة والدتهم وزواج الأب بامرأة أخرى. كان والد «بنت عامر» فارسا يروض الخيل الجامحة، ولكن زوجته الجديدة روضته وأقنعته أن من الخير لهما ولأولادهما أن يطردا الشقيقين يتيمي الأم، وهو ما كان.
تبدو المفارقة في شخصيتي الزمنين «كحل» في الزمن الآني للسرد، و«بنت عامر» في الزمن الاسترجاعي، فالثانية كانت «تتمنى أن تملك أرضا ولو صغيرة، بها نخلات ولو خمس، وبها شجيرات ليمون وفيفاي وموز ونارنج تزرعها بنفسها وتسقيها وتعتني بها وتأكل منها، وتستريح في ظلها» والأولى محتقرة من قبل أختها وعائلتها لأنها أحبت وتزوجت «فلاحا» ليس من طبقتها، فلاحا يده خشنة وبقايا سياط والده باقية على صفيحة روحه.
لكن «كحل» استطاعت أن تقطف حبها وتعيش لحظاته الجميلة حتى لو كان ذلك في ظروف صعبة تستعير فيه غرفة أختها لتختلي بحبيبها بعيدا عن الأعين، لكن «بنت عامر» لم تظفر بشيء، لم تستطع أن تحقق أي حلم من أحلامها، لا بحبيب ولا بحقل ولا حتى بعلاج عينها التي قال لها الدكتور «طومس» أن لا علاج لها أبدا، لتفقد آخر حلم حلمت به في حياتها أن تستعيد بصرها. لكن كل هذا لم يجعل «بنت عامر» العذراء تعيش على الهامش الخارجي تاما، فقد انتقلت إلى بيت أحد أقربائها وربت ابنه ثم ربت أحفاده وعاشت على الحلم وإن كانت رأته يضوي من أمامها.. رأت في ابنها ولو كان افتراضيا ابنا وانجازا ورأت في أحفاده أحفادا تفخر بهم.
صحيح أن «عمران» عاد إلى بلده تاركا كحل في لهيب نارها، سافر إلى قريته التي بلا اسم في ريف باكستان، وفقدت كحل توازنها، لكن «كحل» على أقل تقدير عاشت التجربة، عرفت الحب، وعاشته مع من اختارته.. وبين القصتين خطوط متوازية تتلاقى كثيرا.
أما «زهور» فكانت تعيش لهيب الشخصيتين.. تعيش لهيب شخصية جدتها العذراء التي لم تنل من الحياة شيئا، وبين تجربة «كحل» التي عاشت زهور تفاصيلها، بل جعلت نفسها تتماهى في ذات «حكل» وهي تتحدث عن عمران «تحكي لي كحل عن الشوق الذي يحرق فأتخيلك، أتخيلك بيعينها يا عمران، أتخيل شعرك في التقائه بعنقك، وأتخيل أني أمسده، وأحلم أنك تحس، في هذه اللحظة ، باصبعي تلف خصلة قصيرة، وأنك تفرش شعري على فراش أبيض لتنظر إليه، أتخيل أن شعري يصبح كالأراجيح الدوارة في الملاهي، وأنا أجن بك وفيك».. هذه اللغة المشحونة بالحب والغرام التي تكاد تفتت قلب «زهور» لم نجدها حتى في وصف «كحل» حبها لعمران. ولذلك تبدو «زهور» متشظية، وحائرة بين شخصيتين تتبادل معهما لعبة المرايا، شخصية «بنت عامر» التي تستمدها من الزمن الماضي، وبين شخصية «كحل» التي تعيش معها تجربة الزمن الحالي. هذا الحالي يقود «زهور» الحائرة إلى الطبيب النفسي في محاولة منها للخروج من نفق الحزن.. وأن تعرف نفسها.. تعرف من هي.
وبين حكاية «بنت عامر» وحكاية «كحل» وبين «زهور» المتماهية في الشخصيتين كانت هناك أحداث كثيرة في الرواية، بعضها يدور في فلك الشخصيتين والأحداث الجارية سواء في الزمن الحالي أو الاسترجاعي أو ذلك الذي يأتي ضمن السياق التاريخي والحدث السياسي المجاور للأحداث. وساهم كل ذلك في حبك الرواية وفي نجاحها.
ونجحت جوخة الحارثي في روايتها أن تكتب بلغة مشحونة بالشعر واللغة الموحية بذات الدلالات لكن دون أن تفقد خيط السرد، ودون أن تغرق في الشاعرية الحالمة.. فكانت لغتها سلسلة جدا رغم الاستعارات.
ولا تختلف أجواء رواية جوخة الحارثي نارنجة كثيرا عن أجواء رواية «سيدات القمر» للكاتبة نفسها، فتبدو الحارثية مسكونة بنفس الأجواء، مسكونة بالجدات والنساء اللاتي وضعتهن الظروف إلى جوار الظل تتلمس شحنات الحنين المسكونات به، وتستمع إلى الكثير من أنينهن وإن كان مكتوما في الداخل.