الشعر يعيش في الفشل والخيبات.. ولا يمكن للمفكر أن يكون سياسيا

أدونيس في حوار الفكر والسياسة:-
حاوره: عاصم الشيدي –  
قبل حوالي 7 سنوات أجريت حوارا مطولا مع الشاعر العربي أدونيس.. حدث ذلك في بهو فندق «جراند حياة» بمسقط، وفي اليوم التالي طرت إلى الإسكندرية وكنت أمني النفس أن أنشغل خلال الرحلة بتفريغ الحوار من جهاز تسجيل إلكتروني كنت أحمله في حقيبة اليد.. ولكن لم يحدث ذلك، وبعد يوم من وصولي للإسكندرية فقدت جهاز التسجيل في ظروف غريبة.. وبقيت متأثرا جدا أن حوارا بذلت فيه جهدا كبيرا ضاع مني، ولا أعرف متى يمكن أن ألتقي أدونيس بعد ذلك؟. هذا الأسبوع كان أدونيس في مسقط مشاركا في مهرجان أثير للشعر العربي، وبدا أن استعادة ذلك الحوار ممكنة.. لكن أسئلة الواقع العربي تتغير كل يوم.. في الحقيقة تتعقد أكثر وتلح أكثر.. ولأن أدونيس ليس شاعرا فقط بل هو مفكر أيضا وباحث في التاريخ الإسلامي، لا يمكن أن نتجاوز «الثابت والمتحول»، ودراساته حول التصوف والسريالية رأيت أن يكون هذا الحوار حول الجوانب الفكرية المتقاربة مع الجوانب السياسية وهي الأكثر جدلية في مسار أدونيس خاصة مع بدء الثورات العربية والثورة السورية بشكل خاص الذي وقف أدونيس موقفا معارضا لها لأنها وفق ما يقول تنطلق من منطلقات سياسية وإقحام الدين في السياسة. والجدل حول هذا الأمر كان كبيرا جدا واستغرق الكثير من المقالات في الصحافة العربية وما زال يستعاد يوميا. حملت الكثير من الأسئلة ووضعتها أمام أدونيس فكان هذا الحوار الذي حضره وشارك فيه الزميل سليمان المعمري.  

■ قرأت في أمسيتك الشعرية ضمن مهرجان أثير الشعري قصيدة «الوقت» أحمل سنبلة الوقت وفي رأسي برج نار.. هل انتهى الأمل في العالم العربي ولم يعد أمام الشاعر إلا رثاء الأمة والبكاء عليها؟
بالنسبة لي لا يمكن أن ينتهي الحلم إلا بموتي. وحتى بعد موتي، أحلامي ستولد في قصائدي مرة ثانية.. لكن مع ذلك ومع بقاء هذا الحلم يجب أن نرى الواقع كما هو. ونحن غالبا ما نحيد عن رؤية الواقع لسبب أو لآخر، بشكل أو بآخر. أنا أثق أن الشعوب مهما عانت من المشكلات والصعوبات ومهما رأت أمامها من الطرق المسدودة ومن الأسوار المضروبة حولها ستجد ذات يوم الحلول التي ترى فيها ما يلائمها لتتخطى مشكلاتها… يمكن أن ييأس الإنسان في حالة معينة ولغرض معين، وأنا يئست كثيرا على هذا المستوى ولكن في السياق الأخير الشعر أمل، وأن تبدع يعني أن تأمل وأنا آمل.
■ مراكز القوى والحضارة في العالم العربي انتهت.. العراق، سوريا، اليمن، وضع مصر صعب، وليبيا في مرحلة فشل ولا يمكن الحديث فيها عن دولة.. هل المشكلة قادمة من الداخل أم أن هناك مؤامرة غربية أو عودة للإمبريالية بشكل جديد؟
من الجيد أن نطرح المشكلة، ولكن في طرحها ما يشير إلى تعقيدها. من الصعب الإجابة بتبسيط عن هذه المشكلات المعقدة ولكن أرى أن فينا شيئا من هذه المشكلة كعرب.
■ كـــــــأفراد؟
لا. كسلطات، وربما أيضا كأشخاص. لكن أيضا في الآخرين الغربيين وبشكل خاص إسرائيل القسم الأكبر من أسباب هذه المشكلات وهذا لا شك فيه. البحث بتفصيل عن هذه الأسباب سواء أكانت فينا أو في غيرنا ليس سهلا لأن هذا يستحق حديثا لوحده… إنما لا أحد يستطيع، لا شعب، ولا قوة تستطيع أن تدمر شعبنا ـ ونحن دمرت معنا 4 شعوب ـ ما لم تكن هناك أسباب داخلية يمكن أن تُستغل لهذا التدمير، وهذا ما يجب أن نركز عليها. مشكلة الآخر مفروغ منها.. الآخر لا يحترم المسلمين، الآخر يكره المسلمين، ولا يهمه منهم، ولا يريد منهم ـ وأقصد هنا المسلمين العرب ـ إلا فضاءهم الاستراتيجي، وثرواتهم وأنا شبه متأكد من ذلك، إضافة إلى الذاكرة التاريخية المحفوظة عندهم في العلاقات القديمة بين الإسلام والغرب، الحروب الصليبية تذكرنا بهذا كله والأندلس أيضا. إذا الغرب مدار اهتمامه للمسلمين فضاءهم الاستراتيجي..الغرب لا ينظر إلى العرب إلا بوصفهم أدوات، وأعتقد أن إسرائيل تلعب الدور الأول في هذه السياسات الأوروبية الأمريكية.
■ هل تعني أن الغرب في حالة انتقام تاريخي من العرب نتيجة ما وصلت إليه الحروب الصليبية وما حدث في الأندلس؟
لا أقول ذلك. إنما أقول الذاكرة تفعل فعلها في مثل هذه الظروف. عندما تكون نائمة تأتي ظروف توقظها هذه الظروف، توقظ الذاكرة التاريخية والذاكرة التاريخية عندما تستيقظ تلعب هكذا.
■ إذن أين تكمن مشكلة العرب.. هل في بنية الثقافة العربية؟
نعم. هناك نظرة في الثقافة العربية كما هي معاشة ومؤولة. كما تعلم أي نص سواء كان دينيا أو أدبيا هو في قراءته. النص هو تأويله. الإسلام كما يعاش في المجتمعات العربية وكما يعاش على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الأنظمة فيه شيء ينفر الغرب. الآخر يُنظر إليه بوصفه إنسانا من الدرجة الثانية لأنه ليس مسلما. إما أن تكون مسلما وإما أن تعامل بطريقة مختلفة. هذه النظرة إلى الآخر هي سبب نفور الغربي من المسلم هذا أولا.. طبعا هذا لا ينطبق على الأفراد هناك أفراد مسلمون رائعون أنا أتحدث عن المؤسسات وكنظرة عامة.
أما الموضوع الآخر.. المسلم العربي الذي يسعى ليعمل ويسكن ويتعلم في المجتمع الغربي ليأخذ جميع الحقوق التي يأخذها الفرنسي أو الإنجليزي يعيش في بلد يستضيفه لكنه لا يقيم أي وزن لقوانين ذلك البلد.. خاصة قوانينه الأخلاقية والتربوية والعادات والتقاليد، يمارس عاداته وتقاليده في البلد الأجنبي الذي يقيم فيه كما يمارسها في مدينته الأصلية، وهذا ينفر الجار الذي يسكن إلى جانبه وينفر الشارع الذي يسير فيه.. أقول هذا عن ثقة وأعرف ذلك لكن لا يجرؤ الأجنبي أن يقول ذلك للمسلم لأسباب عديدة منها أسباب السياسة الداخلية. المسلمون الذين يقيمون في أوروبا يقدمون صورة سيئة جدا عن الإسلام.
• لماذا من وجهة نظرك لم تستطع الحداثة العربية أن تغيرا شيئا في المشهد، لم تستطع أن تبني وعيا مختلفا؟
كيف تستطيع الشعرية أو شعرية الحداثة أن تنقذ مثل هذا المشهد!!
■ في كتابك فاتحة لنهاية القرن وفي بيان الحداثة بالتحديد قلت ان سبب عدم قبول العرب لحداثة الشعر لأنها لم تتواز مع حداثة السياسة وحداثة الدين مثلا.. كيف يبدو الأفق اليوم، هل تغير شيء؟
كانت حداثة منعزلة وأنت تعرف في تاريخنا القديم وفي العصر العباسي في القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي كانت مفردات الحداثة شائعة في بغداد، الحديث والمحدّث.. وبالعكس صار هناك مقارنات بين القديم والمحدث، وهناك من انتصر للحديث وهناك من انتصر للقديم، وربما كانت نفس القضايا المطروحة اليوم مطروحة في تلك المرحلة هذا الموضوع مطروح منذ القرن الثامن الميلادي قبل أن يطرح في أوروبا.  لكن جاء عصر النهضة وبدل  من أن يواصل هذا الخط الحديث قطعه واستعاد القديم، استعاد الأصولية القديمة في الشعر. ثم أتت الحداثة الأخيرة وبدل من أن نرجع إلى الحداثة القديمة ونستفيد منها ونكملها ونعرف كيف كانوا يتناقشون، أخذنا ما جاء مختصرا في الكتب المترجمة ومن الشعراء الفرنسيين والأمريكان.. لذلك لم تتأصل الحداثة، لم تتأصل في اللغة الشعرية العربية، ولا تأصلت في الثقافة العربية، وحتى الآن الجسم الثقافي العربي لم يقبل ما يسمى بقصيدة النثر.
■ ما هي الأسباب؟
رفضت لأسباب لا علاقة لها بالأدب والثقافة.. واتهم كل الشعراء المحدثين بأنهم عملاء للأمريكان والغرب وناقدين للتجارب الغربية واتهمتهم بمختلف التهم.. خرجت بالموضوع إلى إطار السياسة الدينة واتهمتهم بأنهم هدموا الدين.
■ ما الأسباب التي جعلتهم يرفضون قصيدة النثر؟
مهما كانت الأسباب.. يمكن أن نرفض المرحلة الشعرية بكاملها، مهما كانت الأسباب وراء رفض قصيدة النثر لا تستدعي تهمة الخيانة والعمالة، والخيانة لتراثهم والعمالة للأجنبي، وأنهم يمسخون وينسخون.. كل هذا لا تستدعي هذا الكلام. يمكن أن تُحارب هذه النصوص بالتحليل الأدبي وبإظهار تهافتها أدبيا ونقديا هذا ما كان يجب أن يفعله النقاد لا أن يقذفونا بالتهم المختلفة.
■ هل نستطيع أن نقول اليوم بعد نصف قرن من بداية الحداثة العربية التي تبناها مجموعة من النقاد والمثقفين والشعراء وقصيدة النثر كانت في قلب هذا المشهد .. هل نستطيع أن نقول أن ذلك الجيل من المثقفين فشلوا.. فشلوا لأنهم لم يحققوا جزءا بسيطا من أحلامهم ومما ناضلوا من أجله؟
ليس الشعراء وحدهم من فشل فقط.. هل انتصر السياسيون؟ هل انتصر المجتمع؟.
■ على الأقل، ربما، كان الوضع يعجب الساسة بكل قتامته لأنهم يحققون طموحاتهم بالتمسك بالسلطة.
لكن لو أخذنا الثقافة كجزء من المجتمع، فالمجتمع كله فشل في التقدم، المجتمع العربي رغم كل إمكانياته وتاريخه العريق إذا قارنت ما حققه وما أنجزه في القرن العشرين، قرن التحولات الكبرى، إذا قارنته بدول في أسيا ودول في أفريقا حتى ستجد أن هناك دولا في أفريقيا تقدمت أكثر من العرب رغم أنها دول ليس لها تاريخ العرب وليس لها ثروات العرب وليس لها إمكانات العرب.. هذا يجب أن نقوله. ليس الشعراء وحدهم الذين فشلوا، والشعر في كل حياته فاشل، لا يمكن أن ينتصر، هل انتصر الشعر في العصر الأموي؟ هل انتصر في العصر العباسي؟ الشعر يعيش في الفشل، يعيش في الخيبات، وكلما اشتدت الأزمات يتوهج الشعر، بالفرح لا تكتب شعرا، بالحزن يمكن أن تكتب شعرا.. الحالة الطبيعية للإنسان هي حالة الحزن والقلق والتساؤل حول المصير والحياة، ولحظات الفرح لحظات عابرة.
■ تتحدث دائما عن فصل الدين عن الدولة وأنها شرط خروج العرب من مأزقهم.. هل هذه الفكرة جادة؟ هل هي جادة فعلا في مجتمع يرى الدين مرتبطا بكل شيء، كل شيء على الإطلاق؟
كان المسيحيون في أوربا ينظرون النظرة نفسها، وكذلك اليهود.. لماذا تقدم هؤلاء ولم يتقدم العرب؟ لماذا فصل المسيحيون بين الدين والكنيسة..
■ ولكن بعد حروب طاحنة؟
جيد.. خلق اليهود مناخا للتعايش فيما بينهم رغم أنهم متناقضون جدا.. رأيت في نيويورك مظاهرة معارضة لليهود يقودها يهود.. اليهود خلقوا مناخا للتعايش فيما بينهم، لماذا نحن لا نقرأ القرآن أو الدين قراءة جديدة، ما المانع؟ نحن لسنا ضد الدين في حد ذاته أبدا، أنا شخصيا لست متدينا ولكن أحترم جميع المؤمنين وجميع الأديان . لماذا لا نقول ان علينا تحويل الإسلام إلى تجربة روحية شخصية خاصة لا تلزم إلا صاحبها.. أما المجتمع كمجتمع فحكمه القانون.. ماذا يضير الإسلام في ذلك؟ وإذا كانوا يحتجون بالنصوص أين النص القاطع في القرآن على أن الإسلام دين ودولة؟ أين هو؟ المشكلة فينا نحن. رجال السلطة في صراع تاريخي فيما بينهم واستمر الصراع  50 سنة حتى استقرت الأمور، السلطة الإسلامية نشأت في صراع دموي وثلاثة من المؤسسين ماتوا قتلى! ألا يطرح هذا تساؤلا؟ كان العنف جزءا أساسيا من السلطة الإسلامية.. وهذا العنف متواصل. استمر في الدولة الأموية وقتلت جميع المناهضين لها، واستمر في الدولة العباسية وقتلت جميع المعارضين لها.. واستمر 400 سنة مع العثمانيين.. إذا على المسلمين اليوم أن يقرأوا في ضوء هذه التجارب الكبرى أن الدين تحول إلى أيديولوجيا، وبوصفه تحول إلى أيديولوجيا صار أداة ولم يعد تجربة روحية. وإذا لكي نحول دون أن يتحول الدين إلى أداة من أجل السياسة يجب أن يتحول إلى تجربة روحية ونحن ننحني لها ونحترمها.. ما المانع أن يقرأ المسلمون هذا الكلام.. متى تمت هذه القراءة في تقديري وانفصل الدين، كسياسة، عن مجتمع العرب نستطيع المساهمة في بناء العالم.. والمشكلة ليست في العرب كأفراد، العربي متفوق في جميع الميادين ويستطيع أن يقدم ويساهم. لكن أعتقد أن مثل هذه القراءة تمنعها القوى الأجنبية المتحالفة مع السلطات العربية.
■ من قرأ كل ما كتبه أدونيس من أفكار وحتى من شعر كذلك ينتابه سؤال شديد الأهمية عن المستقبل ما هو المستقبل في ضوء ما تقول وما تردده دائما أننا أمة تنقرض؟
إذا لم نبدع ونشارك في بناء العالم فسوف ننقرض. نحن أصحاب تاريخ عريق، و300 مليون، ونضم قارتين: أسيا وأفريقيا، وجسر بين الشرق والغرب، نحن لسنا دويلة في أوروبا الشرقية، نحن أهم من فرنسا ومن كل الدول الأوروبية فلماذا نكون تابعين؟ ما السبب؟ نحن لا نحتاج إليهم؟ لكن رغم كل ثرواتنا لم نصنع سيارة هذا غير معقول!! كل ما نعيش عليه هو مستورد من الآخرين لماذا؟ هل اليابان أحسن منا؟ وهل تاريخهم أعظم من تاريخنا؟ سألت مرة يابانيا، وهو كاتب، قلت له مما تخافون اليوم.. هل تخافون من أمريكا؟ قال لا، نحن أثبتنا أننا غلبنا أمريكا في بيتها.. لكن نخاف من كوريا الجنوبية. قلت له لماذا؟ قال لأنهم يعملون أكثر منا.. ونحن يا أخي لا نعمل في العالم العربي لا نعمل.
■ كيف يمكن أن نقارب إذن بين الشرق والغرب، قيم الحداثة قيم غربية وهذه القيم بيننا وبينهم تاريخ من الاستعمار ومن نهب الثروات ولذلك تجد تلك القيم مقاومة؟
لماذا إذن نستورد منهم السيارات والأسلحة إذا كانوا كفارا.. لماذا إذا استوردنا بودلير تكون جريمة وإذا استوردنا صاروخا لا تكون جريمة؟!!
■ كيف نخلق التصالح إذن؟
بأن تكون معنا دولة ديمقراطية، دولة مجتمع، مجتمع بالمعنى الحقيقي وليس قبائل أو طوائف أو مذاهب.. مستحيل أن نبني مجتمعا بهذا الصراع، وبهذه  المذاهب والأعراق والأجناس كما ترون الآن. ليس أبشع مما نقدمه اليوم. هذا واقعنا وسنظل فيه في حالة صامتة أو صائتة إذا لم نتغير. إذن المشكلة فينا. ولا مفر من قراءة الدين من جديد قراءة غير أيديولوجية وغير سياسية، قراءة روحانية، وأن يؤمن المسلمون به إيمانا حرا، وأن يُحترم هذا الإيمان، ويُدافع عنه.. لكن يجب فصله فصلا كاملا عن السياسة حتى لا يصل الإسلام إلى أن يكون نهاية للفكر.. ومرة سمعت الشعراوي في التلفزيون وقد سأله أحدهم ماذا تقرأ اليوم؟ فغضب عليه وقال: أتسألني ماذا اقرأ وبين يدي كتاب الله؟!! رغم أن كتاب الله يدعو الناس إلى القراءة بل يأمرهم بها وإلى التفكر والمعرفة.
■ لكن المتصوفة قدموا مقاربة للدين باعتباره جانبا روحيا؟
صحيح.. لكن يجب المواصلة والحرية يجب أن يُدفع ثمنها، الحرية لا تأتي وأنت جالس في البيت يجب أن تخوض الغمار وتدفع الثمن.
■ وصفت مرة حزب البعث السوري بأنه غارق في التدين!! في وقت يوصف بأنه لا علاقة له بالدين أبدا؟
لا. أنا قلت بنيته العقلية.. بنيته العقلية إقصائية، ولا قيمة للشخص فيه إلا إن كان مؤمنا بالحزب وأفكاره، ويقيم الأفراد وفق مبدأ هل أنت مع الحزب أو ضده.. ولذلك أنت لست مواطنا إلا بمقدار قربك وبعدك عن الحزب.. بنيته الثقافية بنية إذا لم تكن مع آرائي فأنت ضدي.
■ في سياق رفضك للمظاهرات والثورات التي تخرج من المساجد لا يمكن تجاوز أنك أيدت الثورة الإسلامية في إيران وخرجت من الحوزات وكتبت شعرا في ذلك كيف أستطيع كقارئ لك أن أفهم المعادلة؟
لم يقل الخميني مرة واحدة ان ثورته دينية.. هذا أولا، ولم تكن شعاراتها دينية، كانت شعاراتها ضد الإمبراطورية، ثم كانت ثورة أنموذجية في تاريخ الإنسان: لم يقم بها العمال وحدهم ولا العسكر وحدهم ولا رجال الاقتصاد.. بل قام بها شعب بكامله.. ثالثا لم يستخدم فيها العنف.. أنا أيدت الثورة كظاهرة بهذا المعنى كما أيدها ميشيل فوكو وكبار كتاب الغرب، وإذن أيدنا جميعا هذه الظاهرة بوصفها أنموذجا للثورة التي لا مثيل لها.
أنا كتبت ثلاث مقالات وهي موجودة في كتاب «الثابت والمتحول» وكتبتها في الجريدة ذاتها.. 3 مقالات وراء بعضهم، المقالة الأولى أيدتُ فيها الثورة بهذا المعنى، والمقالة الثانية قلت أن على الثورة الإيرانية أن لا تقيم دولة على أساس الدين… وكتب المقالة الثالثة بعنوان «الفقيه العسكري» وحذرت من تدخل رجل الدين في السياسة.. ولم أذكر خلال كل ذلك اسم الخميني أبدا، كنت أتكلم عن الثورة لا عن الأشخاص.. ولكن الأشخاص يتحدثون عن أشياء لم يقرؤها.

• جاء حصولك على جائزة «ريمارك» للسلام فيما كنت متهما في العالم العربي بأنك تقف ضد ثورة شعبك السوري وضد الدكتاتور، وأثار موقفك من الثورة/‏‏ من بشار الأسد نفسه لغطا كبيرا في العالم العربي.. كيف استقبلت الجائزة في هذا السياق؟
أولا الألمان الذين أعطوني هذه الجائزة سخروا من هؤلاء.. وقلت لهم في مؤتمر صحفي إذا كانت الغاية إقامة ثورة مدنية فأنا أدعوهم لكتابة بيان هنا في ألمانيا يدعون فيه لإقامة دولة مدنية علمانية في سوريا وأنا أول من يوقع على هذا البيان مع المعارضة.. وأنا أتحداهم أن يقوموا بمثل هذا البيان. الزمن أعطاني الحق والناس الذين كانوا ينتقدونني صاروا يقفون إلى جانبي.
■ إذن الجائزة جاءت لتدافع عنك؟
لا. هم يقدرون إنجازي ولكن صارت ضجة كبرى، رغم أن الألمان لم يأبهوا لذلك.. هم أشخاص يتحملون مسؤولياتهم.
■ خاطبت الرئيس بشار الأسد في رسالة مفتوحة نشرتها جريدة السفير اللبنانية «بالرئيس المنتخب» وهذه العبارة أثارت عليك الدنيا في العالم العربي…
هو منتخب فعلا ولم يأت بانقلاب عسكري ولم تأت به سلطة خارجية.. السوريون هم من أتوا به، خصوصا أنني لم أكن ولن أكون على الإطلاق مع أي ثورة دينية، ولذلك قلت لا أخرج في مظاهرة سياسية تخرج من الجامع، ولا أتردد في قول ذلك، إذا انتقدت حزب البعث والسلطة الحاكمة أكثر مما انتقدها أي منهم، ومعظم الذين ثاروا عليه من أمثال صادق العظم، رحمه الله،  كانوا يعملون مع حزب البعث.
■ كنت سأكمل السؤال وأقول أن تلك الرسالة التي وجهتها للرئيس بشار الأسد، رغم ما حوته من نقد النظام والحزب ولكنها كانت لطيفة ولم تصل حدة لغتها لدرجة يمكن أن تذهب بك إلى السجن فيما لو كنت مقيما في سوريا وأنت الذي تقول «أستغرب لماذا لا تمتلئ السجون العربية بالكتاب والمثقفين»..
من قال لك أنها لم تكن لتذهب بي إلى السجن بالعكس.. كيف تؤكد ذلك؟. أنا لا أريد أن أكون بذيئا وأشتم الناس، ولذلك جاءت رسالتي له مهذبة لا سب فيها ولا شتم.
■ هذا السؤال يقودنا إلى سؤال آخر.. كيف تتصور علاقة الكاتب/‏‏ المثقف بالسلطة؟
علاقة نقدية. يجب أن تكون دائما علاقة نقدية. لا يمكن أن يكون رجل الفكر رجل سياسة. لا يمكن أن يكون الشاعر شاعر سلطة لا يمكن. لأنه متى كان شاعر سلطة تحول إلى أداة ومتى تحول الإنسان إلى أداة تحول كلامه إلى أداة والكلام الأداة ضد الشعب وضد الفكر وضد الإنسان.
■ لو افترضنا أنه الكاتب العربي خرج وهاجم السلطة واستطاع أن يسقط الديكتاتور كما حدث في غير دولة عربية.. من وجهة نظرك هل تملك تلك الجماهير تصورا لليوم التالي أو نظريات تسير بها الدول هل لديها بدائل؟
هذا صحيح.. لكن لا يجوز للإنسان أن يخفف من أهمية الجمهور أو الشعب.. لأنه في الأخير هو محور الحركة ولا يتقدم المجتمع إلا بمثل هذه الحركات.. لكن لا يجوز أيضا أن نبالغ ونقول أن الجمهور العربي جمهور مثقف.. الجمهور العربي ليس مثقفا والثورة على الديكتاتورية تحتاج إلى ديمقراطية واعتقد أن الديمقراطية هي ثقافة وتربية. المبدأ البسيط المباشر الأول وأبسط مبادئها هو الاعتراف بالآخر وجماهيرنا لا تعترف بالآخر.. هي دكتاتورية مكثرة «من الكثرة».. إذن نضالنا ضد الدكتاتورية طويل وشاق جدا ولكن لا بد منه، ولا بد أن يشارك البشر في هذا النضال.
■ ولكن هل الجماهير العربية مستعدة لتقبل الديمقراطية؟
اعتقد. كما هي مستعدة لتقبل الديكتاتورية مستعدة للديمقراطية، تبقى القيادة… في الغرب النخب من تحكم وليس الجماهير. فرنسا تعتمد على النخب.. والجماهير الفرنسية ليست أكثر ثقافة من الجماهير العربية.. ولكن هناك النخبة مثقفة ومحنكة وبصيرة وواضحة. والصراع قائم بين اليمين واليسار ولكن من يتفوق يعترف لها الآخر بالتفوق.. هذا ما ينقصنا في العالم العربي.. أيضا تنقصنا النخب وهي قليلة جدا وسرعان ما تتغلب عليها السلطة وهاجس السلطة.. لا أعرف أيضا من أين يجيء العربي بكل هذه الرغبة في السلطة، لا يحلم إلا بالسلطة هذا السؤال مهم لأنه جوهر الشخصية العربية.. وليس فقط السلطة السياسية ولكن في كل شيء، إذا كان في الصحيفة لا بد أن يكون صاحب السلطة وفي أي عمل لا بد أن يكون صاحب السلطة!!
■ في كتابك حول «العنف والإسلام» قلت ان داعش هي نهاية الإسلام؟! عن أي إسلام كنت تتحدث؟
هذا سؤال مهم. أنا أتحدث عن الإسلام السائد كما يمارس اليوم في حياتنا. هذا الإسلام السائد يستحيل على المسلمين أنفسهم أن يتقبلوه، لا يمكن. يمكن أن يتقبلوه  في مرحلة معينة ولكن لا يمكن أن يقبلوه دائما. وهناك مسلمون كثيرون يرفضون هذا الإسلام السائد وينتقدونه ولكن بصمت. لا أحد يرضى عن الإسلام المنغلق والذي يكره الآخر والذي يذبح الإنسان لمجرد أنه يعتقد معتقدا آخر.. المسلمون لا يريدون ذلك ولا يحبونه لكنهم الآن يصمتون.

■ في متابعتك أين صار «الثابت» في مشهد الثقافة العربية وأين صار «المتحول»؟
الثابت هو ما نعيشه في المشهد العربي اليوم..