القومية الجديدة .. إلى أين ستقود العالم؟!

الإيكونومست –
ترجمة قاسم مكي –

حين تعهد دونالد ترامب بجعل «أمريكا عظيمة مرة أخرى» كان يردد أصداء حملة رونالد ريجان في عام 1980. وقتها، بحث الناخبون عن التجديد بعد إخفاقات رئاسة كارتر. والشهر الماضي انتخبوا ترامب لأنه هو أيضا وعدهم بتغيير «تاريخي لا يحدث إلا مرة واحدة في العمر.» ولكن هنالك اختلاف بين الحالتين. فقبيل التصويت في الحالة الأولى وصف ريجان أمريكا «بالمدينة المضيئة على الجبل.» وعَّدَد كل ما كان يمكن أن تساهم به لجعل العالم آمنا ثم عبَّر عن حلمه ببلد «لا ينكفئ على ذاته ولكنه ينفتح على الخارج نحو الآخرين.» وفي تباين مع ذلك، تعهَّد ترامب بوضع أمريكا في المقام الأول. فهو يطالب بما أسماه عالما «استغلاليا» باحترامها. إنه عالم يعتبر القادة في واشنطن غير أذكياء، بحسب ترامب الذي يقول: إنه لن يسلم (بعد اليوم) هذا البلد أو شعبه إلى «نشيد العولمة الكاذب.» لقد كانت أمريكا ريجان متفائلة. أما أمريكا ترامب فغاضبة. إذن مرحبا بالقومية الجديدة. فلأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، نرى القوى الكبرى والصاعدة وهما واقعتان في إسار مختلف أنواع الشوفينية (الغلو في التعصب للوطن.) فكما هي الحال مع ترامب، يتبنى قادة بلدان مثل روسيا والصين وتركيا نظرة تشاؤمية فحواها أن الشؤون الخارجية هي في الغالب لعبة صفرية تتنافس فيها مصالح العولمة مع المصالح الوطنية. وهذا تحوُّلٌ كبير يجعل العالم أكثر خطورة. إن القومية مفهوم تعريفه وذلك هو السبب في أن الساسة يجدون من السهل التلاعب به. فهي في أفضل الأحوال توحِّد البلدَ حول قيمٍ مشتركة لتحقيق أشياء لا يمكن للناس أن يفعلوها لوحدهم أبدا. إنها تكون في هذه الحال «قومية مدنية» تصالحية ومستقبلية النظرة. (تعرف أيضا باسم القومية الليبرالية وهي نوع من القومية التي لا تنطوي على كراهية الأجانب وتتوافق مع قيم الحرية والتسامح والمساواة وحقوق الفرد – المترجم.) ومن أمثلتها قومية كتائب السلام التطوعية الأمريكية أو النزعة الوطنية غير الإقصائية في كندا أو مساندة الألمان للفريق الوطني عند استضافتهم منافسات كأس العالم في عام 2006. فالقومية المدنية تخاطب قيما إنسانية مشتركة مثل الحرية والمساواة. إنها تتباين مع «القومية العرقية» التي هي لعبة صفرية وعدوانية ومغرمة بالماضي وتوظف العِرق أو التاريخ كي تميز «الأمة» عن الآخرين. وفي أشد ساعاتها حُلكة في النصف الأول من القرن العشرين، قادت القومية العرقية العالم إلى الحرب. إن شعبوية ترامب تشكل ضربة للقومية المدنية. لا يمكن لأحد أن يشك في وطنية أسلافه في فترة ما بعد الحرب. ولكن على الرغم من ذلك فقد باركوا جميعهم القيم الإنسانية المشتركة لأمريكا وروجوا لها في الخارج. وحتى إذا حال الإحساس بالخصوصية دون قبول رؤسائها بعضوية منظمات من شاكلة المحكمة الجنائية الدولية أو معاهدات كاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار إلا أن أمريكا أيدت النظام المرتكز على القواعد القانونية. وبمساندتها للمؤسسات الدولية التي قضت على العالم «الذي يأكل فيه الحيوان أخاه الحيوان» فإن الولايات المتحدة قد جعلت من نفسها ومن العالم مكانا أكثر أمنا وازدهارا. لقد هدد ترامب بإضعاف ذلك الالتزام في وقت يشهد استقواء القومية العرقية في بلدان أخرى. ففي روسيا تخلى فلاديمير بوتين عن القيم الليبرالية الكونية لمصلحة مزيج روسي واضح من التقاليد السلافية والمسيحية الأرثوذكسية. وفي تركيا، ابتعد رجب طيب أردوغان عن الاتحاد الأوروبي ومن محادثات السلام مع الأقلية الكردية مفضلا على ذلك قومية إسلامية صارخة تسارع في رصد الإساءات والمهددات من الخارج. وفي الهند يظل ناريندرا مودي منفتحا إلى الخارج وتحديثي الوجهة ولكن لديه روابطه مع الجماعات الهندوسية القومية والعرقية الأصولية التي تبشر بالشوفينية وعدم التسامح بشكل ما . وفي الأثناء تشرَّبَت القومية الصينية بالغضب وروح الانتقام إلى حد أن الحزب الشيوعي هناك يصارع للسيطرة عليها. صحيح أن الصين تعتمد على الأسواق المفتوحة وتتبنى بعض المؤسسات الدولية وتريد التقارب مع أمريكا. ولكن بدءا من أعوام التسعينات، ظل تلاميذ المدارس يتلقون جرعة يومية من التعليم «الوطني» الذي يخطط لرسالة تهدف إلى محو مائة عام من الاحتلال المذل. فلكي تُحسَب( في الصين) صينيا أصيلا عليك في الواقع أن تنتمي إلى شعب الهان. وكل واحد سواهم مواطن من الدرجة الثانية- حسب البعض . وفيما تزدهر القومية العرقية فإن أعظم تجربة للعالم في «ما بعد القومية» تتداعى. لقد آمن مهندسو ما صار يُعرف لاحقا بالاتحاد الأوروبي أن القومية التي جرجرت أوروبا إلى حربين عالميتين مدمرتين ستذبل وتموت. فأوروبا ستتجاوز المنافسات القومية بسلسلة من الهويات المتداخلة التي يمكن أن يكون المرء فيها كاثوليكيا وألزاسيا وفرنسيا وأوروبيا في نفس الوقت. ولكن في أجزاء كبيرة من الاتحاد الأوروبي لم يحدث ذلك أبدا. لقد صوَّتَ البريطانيون للخروج من الاتحاد. وفي البلدان الشيوعية سابقا مثل بولندة والمجر انتقلت السلطة إلى قوميين متطرفين وكارهين للأجانب. بل هنالك احتمال ضئيل ولكنه متنام بأن فرنسا قد تتخلى عن الاتحاد الأوروبي وذلك ما سيعني القضاء عليه. إن آخر مرة انطوت فيها الولايات المتحدة على نفسها كانت بعد الحرب العالمية الأولى وكانت عواقبها كارثية. ولا يلزمك أن تتكهن بأي شيء مماثل لذلك كي تخشى من القومية الجديدة التي يقودها ترامب اليوم. ففي الداخل تنحو إلى إنتاج عدم التسامح وتغذية الشكوك حول فضيلة الأقليات وولاءاتها. وليس صدفة أن اتهامات العداء للسامية سَمَّمَت شرايين السياسة الأمريكية لأول مرة منذ عقود. أما في الخارج، فحين تتأسَّى بعض البلدان بالولايات المتحدة الأكثر انطواء على نفسها سيكون حل المشاكل الإقليمية والدولية أشد عُسرا. لقد طغى على الاجتماع السنوي للدول الأعضاء بالمحكمة الجنائية الدولية مؤخرا تخلي 3 بلدان إفريقية عن عضويتها. كما تتعارض المطالب الإقليمية للصين في بحر الصين الجنوبي مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وإذا صاغ ترامب ولو جزءا ضئيلا من تصريحاته الخطابية عن الحمائية التجارية في قوانين فسيخاطر بإخصاء منظمة التجارة الدولية. وإذا اعتقد أن حلفاء أمريكا يخفقون في سداد المقابل للأمن الذي يحصلون عليه فإنه بذلك يكون قد هدد بالابتعاد عنهم. وستكون النتيجة أقسى، خصوصا لبلدان صغيرة تحظى اليوم بحماية القوانين الدولية. كما ستكون النتيجة عالما أشد اضطرابا. يحتاج الرئيس المنتخب ترامب إلى إدراك أن سياساته ستتجلَّى في سياق القوميات الغَيورة للبلدان الأخرى. إن فك الولايات المتحدة ارتباطها بالعالم لن يقطع صلتها به ولكنه سيتركه عرضة للاضطراب والصراع الذي ستتسبب فيه النزعة القومية. وحين تصاب السياسة الدولية بالتسمم سيحلُّ الفقر بالولايات المتحدة وسيتزايد غضبها هي نفسها مما قد يحاصر ترامب في دائرة شريرة من تبادل الضربات والعداء. إن الوقت ليس متأخرا كي يتخلى عن رؤيته المعتمة تلك. فمن أجل بلده والعالم يلزمه الإسراع باستعادة الروح الوطنية المستنيرة للرؤساء الذين رحلوا قبله.