السياحة .. صناعة تحتاج رؤية وخطة وجهودا متصلة!

د.عبدالحميد الموافي –

في الوقت الذي يشكل فيه النشاط السياحي على مستوى العالم مكونا حيويا وملموسا في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبنسبة تصل إلى نحو 12% وهو ما يتجاوز ثلاثة تريليونات دولار سنويا، وفق تقديرات منظمة السياحة العالمية فإن دولا محددة ومعروفة على المستوى الدولي هي التي استطاعت بالفعل تطوير إمكاناتها، وعوامل الجذب التي تتمتع بها، ووفرت وتوفر في الوقت ذاته متطلبات النشاط السياحي والإقبال المتزايد عليها، وهو ما جعل من النشاط السياحي مصدرا حيويا لدخلها، وفي مقدمة هذه الدول إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا وبعض دول البحر المتوسط وشرق آسيا الأخرى.
ومع الوضع في الاعتبار أن الدرجة التي وصلتها تلك الدول قد تكونت على مدى سنوات عديدة، ووفق رؤية محددة من جانب تلك الدول المعنية، فإنه من المهم والضروري إدراك حقيقة أن الولوج إلى مجال النشاط السياحي أو بمعنى أدق صناعة السياحة هو أمر يستغرق وقتا غير قليل، وأنه ليس مسألة تعطي نتائجها وثمرتها سريعا، ولا يتم التعامل العشوائي معها، ليس فقط لأن السياحة ليست مجرد مرافق فندقية، ولا شواطئ جميلة فقط، ولكنها قبل ذلك هي رؤية وثقافة، وإمكانيات وخطط وبرامج، وجهود متصلة ومتراكمة أيضا، وهى كذلك جهود تتسع لتشمل الجهد الحكومي والشعبي، سواء كان من جانب القطاع الخاص، أو من جانب المواطنين في المناطق السياحية وغيرها من مناطق استقبال السائحين والتعامل معهم منذ دخولهم البلاد حتى مغادرتهم لها. وبين الدخول والخروج تتكون لدى السائح والزائر صور وخبرات وانطباعات عن الدولة والتعامل الرسمي والشعبي معه، وعن التسهيلات السياحية والإمكانات المتوفرة وما توقع أن يجده من سياحات متعددة، وقبل ذلك وبعده مدى شعوره بالأمن والأمان خلال وجوده وانتقاله بين المناطق السياحية المختلفة، وهذه كلها تتداخل وتتفاعل مع بعضها البعض، وبدون إمكانية العزل التام أو الكامل فيما بين عناصرها المختلفة.
وفي ظل الظروف الاقتصادية والانخفاض الكبير في أسعار النفط في الأسواق العالمية، وبالطبع الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل وإيجاد مصادر دخل متجدد ومتزايد فإن قطاع السياحة يحظى باهتمام كبير، ومع أن الاهتمام بقطاع السياحة في السلطنة يعود إلى الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني (عمان 2020) التي بدأت في عام 1996، حيث وضعت من بين أهدافها أن تحقق السياحة إسهاما يصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة بحلول عام 2020م إلا أن الاهتمام المباشر والملموس بهذا القطاع الحيوي بدأ مع إنشاء وزارة السياحة قبل سنوات معدودة، ومع أن هناك خطوات تم اتخاذها بالفعل، سواء لإبراز أهمية هذا القطاع، أو للعناية بالمقومات السياحية العديدة التي تتمتع بها السلطنة، أو على صعيد إنشاء البنية الأساسية اللازمة والكافية لاستيعاب أعداد متزايدة من السائحين تجاوزت المليونين في العام الماضي 2015م، أو لزيادة الوعي على مستوى المؤسسات وعلى المستوى الجماهيري بأهمية النشاط السياحي وتقبله والتعامل الودي مع السائحين، وتغيير الصورة النمطية غير الصحيحة حول أن السياحة مجرد استرخاء واستجمام، أو بحث عن مجون من جانب البعض، إلا أنه من الطبيعي أن يمر قدر غير قليل من الوقت قبل أن يصبح قطاع السياحة ذا تأثير ملموس في الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة، وبما يصل إلى 5% أو أكثر مع حلول عام 2040م. وعلى أية حال فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب لعل من أهمها ما يلي:
*أولا: إنه ليس من المبالغة القول إن السلطنة تتوفر لها العديد من عناصر الجذب السياحي، سواء فيما يتصل بتعدد وتنوع أنماط السياحة الجاذبة لشرائح مختلفة من السائحين من سياحة السفاري والمغامرات الصحراوية، والجبلية، وسياحة الشواطئ والغطس، والسياحة البيئية نظرا لتنوع وتعدد المحميات الطبيعية في السلطنة، والآثار التاريخية المتمثلة في القلاع والحصون والبيوت التاريخية، هذا فضلا عن المناخ الدافئ شتاء والخريفي في محافظة ظفار صيفا، وهو ما يمثل عنصر جذب دائم ومستمر على مدار العام. هذا فضلا عما تتمتع به السلطنة من أمن وأمان يلف كل أبنائها والمقيمين على أرضها والزائرين لها، وهو ما يشجع في الواقع على السياحة الأسرية وسياحة المجموعات، غير أن توفر هذه المقومات لا يكفي في حد ذاته، لأنه من المهم والضروري أن يتم التعريف على أوسع نطاق بتلك المقومات، ليس فقط إقليميا ودوليا، ولكن داخليا كذلك، وبالطبع فإن الأمر يحتاج إلى أساليب وطرق ووسائل علمية متخصصة في الترويج السياحي للسلطنة، سواء من خلال بورصات السياحة العالمية والإقليمية المعروفة، أو من خلال اجتذاب والتنسيق مع أكبر عدد من الشركات السياحية المتخصصة في تنظيم المجموعات السياحية حول العالم لتعريفها بالمقومات السياحية العديدة والجذابة للسلطنة، ولا مانع من تنظيم مؤتمرات وبرامج زيارات لأعداد من ممثلي تلك الشركات إلى السلطنة للتعريف المباشر بتلك الإمكانيات. نعم هناك جهود تبذل بشكل أو بآخر وهناك مشاركات عمانية في العديد من المعارض الدولية ومعارض السفر والسياحة، ولكن هناك حاجة لبلورة صورة ذهنية مناسبة لعمان، يتم تقديمها للعالم باختصار وتركيز، مع الحرص على تغذية هذه الصورة الذهنية بجوانب وعناصر جذب متنوعة وقادرة على التفاعل مع احتياجات الشرائح المختلفة للسائحين، ولعل الثورة التقنية والاتصالية التي يعيشها العالم يمكن أن تساهم في هذا المجال عبر وسائل مدروسة جيدا.
*ثانيا: إن النشاط السياحي واستضافة ملايين السائحين سنويا تحتاج إلى بنية أساسية ذات مواصفات مناسبة ومتنوعة أيضا، لتتناسب مع إمكانيات الشرائح المختلفة للسائحين، بما في ذلك سياحة الطلاب والشباب، والسياحة العائلية المتوسطة الدخل، ومن الطبيعي أنه حتى مع قيام الدولة بدور حيوي في هذا المجال فإن الاستثمارات من جانب المواطنين والقطاع الخاص، تظل بالغة الأهمية لاستكمال دور وجهد الحكومة، ولتقديم وتوفير خدمات متعددة، قد لا توفرها الحكومة. وذلك ينقلنا إلى الحاجة إلى أن يكون هناك تعاون واسع وعميق، ليس فقط بين وزارة السياحة ووزارة الإسكان ووزارة البلديات الإقليمية، ووزارة التراث والثقافة وشرطة عمان السلطانية وغيرها من المؤسسات المعنية بالجوانب المتعددة للنشاط السياحي فقط، ولكن أيضا مع المواطنين والمستثمرين. ومن الطبيعي أن يكون السؤال هو على أي أسس سيتم العمل والتنسيق بين كل تلك الجهات، ومن أجل أية أهداف، وما الأولويات التي سيتم العمل وفقها، ووفق أية أسس يتم ترتيبها؟ وهذه الأسئلة وغيرها تنقلنا إلى نقطة بالغة الأهمية، وهى الرؤية أو التصور الوطني الذي تتحدد في إطاره علاقة قطاع السياحة بالقطاعات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، ووفق هذه الرؤية تتحدد عناصر الاستراتيجية الوطنية للسياحة، كاستراتيجية فرعية ضمن الاستراتيجية الأكبر للدولة، وعلى نحو يحقق التكامل بين قطاع السياحة والقطاعات الأخرى. وفي هذا الإطار، وكمثال فإن تخصيص وزارة السياحة لعدد من قطع الأراضي للاستثمار السياحي في عدد من محافظات السلطنة وفق أسلوب حق الانتفاع هو خطوة طيبة خاصة إذا كان هناك تعاون وتنسيق على مستوى التمويل، أو حتى الإسهام في التمويل جزئيا لتشجيع الشباب ورجال الأعمال للإقدام على إنشاء مشروعاتهم، وعدم التهيب في استغلال الأراضي المطروحة، وحتى لا تذهب إلى شركات كبيرة ولها انتشارها الواسع، خاصة أن اجتذاب أعداد متزايدة من الشباب للعمل وإنشاء مشروعاتهم الخاصة، سواء في السياحة أو في غيرها، هو هدف وطني ذو أولوية الآن وغدا.
*ثالثا: إن الرؤية والاستراتيجية المنفذة لها تحتاج بالضرورة ليس فقط وعيا وإدراكا لأهمية النشاط السياحي سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، ولكنها تحتاج تأييدا لهذا النشاط بشكل جاد، وترحيبا على مستوى المواطن ورجل الشارع بالسائح والتعامل الودي معه، وذلك يحتاج إلى العمل على أكثر من مستوى لزيادة الوعي بأهمية النشاط السياحي والدور الاقتصادي له، وقد يتطلب الأمر تصميم برامج لبناء وزيادة الوعي لدى شرائح المجتمع المختلفة بما في ذلك الطلاب والشباب، للتركيز على أهمية وقيمة التفاعل الحضاري مع الشعوب والثقافات الأخرى من خلال السياحة، وكذلك توفير سبل تقديم الجوانب الحضارية والثقافية للسلطنة على نحو يترك أثره الإيجابي لدي السائحين، ولدى الشعوب الأخرى التي يتم الانتقال إليها لتعريفها بالتاريخ العماني، وبالحاضر المزدهر والآمن لها أيضا. وهنا فإنه من المهم والضروري أن تتكاتف جهود كل وسائل الإعلام والثقافة والتربية والتعليم والسياحة والفن وغيرها لبناء الوعي المطلوب، ولا يتعارض ذلك مع الحفاظ على الخصوصية العمانية التي يمكن أن تشكل عنصرا مميزا أيضا لجوانب من النشاط السياحي في البلاد. وفي ظل وجود العديد من المشروعات السياحية الكبيرة والمتنوعة، ومع ما تقوم به وزارة السياحة من نشاط على المستويات المحلية والإقليمية والدولية فإن ثمرة ذلك كله تنضج تدريجيا، ومن غير الواقعي استعجالها أو دفعها إلى حرق المراحل، لأن السياحة في النهاية نشاط إنساني إرادي له جوانبه الثقافية والحضارية والترفيهية والاقتصادية وغيرها وعلينا توفير البيئة الجاذبة والمحققة لصالح المجتمع والاقتصاد الوطني، وفق الرؤية والأهداف والمراحل المحددة لذلك.