ماذا نتعلم من أزمة كوفيد19؟ ..
الدكتور محمود بن ناصر الرحبي
استشاري أول طب الطوارئ
حقيقة الأمر أن البيئة الطبيعية الصحية هي الأساس الجوهري الذي يجعل المجتمعات البشرية تعيش حياة يسودها الأمان والازدهار وتتمتع بالصحة والعافية، ولكن في السنوات الأخيرة أدت أزمة المناخ العالمية وإزالة الغابات على نطاق واسع، إلى جانب العولمة الاقتصادية المتعثرة، إلى تحطيم توازن النظم البيئية الطبيعية، مما نتج عنه زيادة خطر الإصابة بفيروسات جديدة غير معروفة يمكن أن تتحور لتنتشر بين البشر مسببةً أمراضًا جديدة وهذا ما أكدته الدراسات العلمية الحديثة، حيث يُعد فيروس كورونا هو بالفعل ثالث تفشي كبير يسببه فيروس منذ مطلع الألفية الجديدة، بعد السارس ”المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة“ وميرس ”متلازمة الشرق الأوسط التنفسية“.
وقد أجمع المتخصصون على أن التفسير المنطقي لتكرار حدوث مثل هذه الأوبئة في السنوات الأخيرة يكمن في الدمار الهائل الذي أحدثناه في البيئة الطبيعية، وما اقترفته أيدي البشر من استغلال مفرط لموارد البيئة وتغير المناخ بشكل مخيف، الأمر الذي أدى إلى تغيير أنماط الاتصال بين البشر والحيوانات البرية، وزيادة خطر انتقال مسببات الأمراض الفيروسية من البرية ونشرها بين البشر، كما أن العولمة ومفهوم العالم قرية صغيرة والتي تعد من سماتها الحركة السريعة والمستمرة للأشخاص والبضائع عبر الحدود هو ما ساعد على تفاقم الأزمة حتى وصلت الإصابات إلى أبعاد وبائية بسرعة مقلقة وغير مسبوقة عجزت القوى البشرية عن وقف جماحها.
وإن المتتبع لجائحة كورونا ليجدها أزمة مركبة، فالوضع الذي نواجهه اليوم هو نتيجة تدمير البيئة الطبيعية وعدم كفاية التخطيط للأزمات من قبل المجتمعات والحكومات في جميع دول العالم، والنتيجة تهديد بقاء الجنس البشري، لذا أكدت هذه الأزمة على أهمية تقييم المخاطر بدقة ووضع خطط المجابهة على أتم استعداد، واستخدام البيانات العلمية وتحليلها بمهنية، وفي الوقت نفسه يُظهر العلم أن الضرر الناجم عن تغير المناخ من المرجح أن يكون أكثر خطورة وأطول أمداً من أزمة كوفيد-19، ولمنع المزيد من التدهور من الضروري أن نتعلم من الأزمة ونتحرك بسرعة للتحول إلى بيئة خالية من الكربون، حيث يجمع العلماء إلى أن فيروس كورونا وتغير المناخ كلاهما قضيتان خطيرتان تتطلبان استجابة منسقة وموحدة من المجتمع الدولي، وقد يؤدي الفشل في معالجة هذه القضايا الآن إلى عواقب وخيمة على مستقبل جنسنا البشري وهو ما يتطلب تعاون وتنسيق على المستوى العالمي.
ومما لا يخفى على أحد أن أزمة كوفيد19 أظهرت بصورة قوية الدور المحوري والحيوي والضروري الذي أداه القطاع الصحي، وأهمية دوره وبنيته الأساسية، وكشفت عن أنه خط الدفاع الأول للدولة بأكملها، ومن ناحية أخرى فإن دور الطوارئ الطبية خلال هذه الأزمة شهد له الجميع بالجهد والكفاءة والإخلاص، الذي نبع نتيجة القدرات الحقيقية والكامنة للأطباء والكادر التمريضي والفنيين والعاملين في القطاع الصحي بشكل عام، وأظهرت المعادن الحقيقية للعاملين في الصفوف الأمامية، فمن رحم الأزمات تولد الكفاءات، الأمر الذي يجعل المختصين في المجالات الصحية والطبية إلى بذل المزيد من التطوير والتحديث للمنظومة الصحية والرقي بمهنة الطب وهو ما تقوم به حكومتنا الرشيدة تحت قيادة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه.
