مستعير الكتب.. استعادة متأخرة وممتلكات مفقودة
قبل أسابيع قليلة نشرت وكالة الأنباء الألمانية خبرا عن رجل أعاد كتابا إلى مكتبة في مدينة مونشنجلادباخ الألمانية بعد 60 عاما من التاريخ المقرر لاسترداد الكتاب مرفقا معه رسالة اعتذار بخط اليد. الرجل البالغ من العمر 81 عاما كان قد استعار الكتاب وهو في عمر الحادية والعشرين عام 1962 للميلاد. ومنذ ذلك الوقت لم تمل المكتبة من انتظار استعادة الكتب المتأخرة إلى جانب كتاب فريدريش إنجلز الذي استعاره الرجل إذ ما تزال قائمة المكتبة للكتب المتأخرة ترصد مذ ذاك كل ما تأخر. ولكن المكتبة في الأخير صفحت عن الرجل وتنازلت عن الغرامات، وقالت: "مكتبة المدينة سعيدة بعودة ممتلكاتها، ويمكنها الآن شطب عنوان الكتاب من القائمة الطويلة للكتب المفقودة". مشيرة إلى أن هناك أكثر من 850 كتابا آخر مفقودا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وعلى خلفية هذه القصة المثيرة بحثنا في "عمان الثقافي" عن أولئك الذين يستعيرون كتبا ولا يرجعونها أو يتأخرون كثيرا في إرجاعها، ولكن لأن الاعتراف صعب، فتعذر الحصول عليهم، وفي المقابل وجدنا الكثير من الغاضبين الذين أعاروا كتبهم ففقدوها للأبد.
- ضمانات الإرجاع
تقول أصايل القلهاتي: "قبل سنوات عدة لم يكن لي رأي في موضوع إعارة الكتب واستعارتها؛ ربما لأنني لم أكن امتلك كتبا كثيرة تخصني وحدي، ولا أصدقاء أشاركهم متعة القراءة. ليس قبل أن سمعت يوما رأي أحدهم عن إعارة كتبه، فقد كان يرفض تماما إعارة كتبه لأي أحد وكان يذكر بيت شعر يقول فيه الشاعر: "ومحبوبي من الدنيا كتابي.. فهل أبصرتَ محبوبًا يُعارُ؟"
استنكرت رأيه ولم يعجبني، عندها ابتدأ رأيي الخاص بالتشكل. لماذا أرفض أن أعير كتابًا لأحدهم وهناك احتمالية أن يغيره هذا الكتاب للأبد؟ لماذا لا أمنح أحدهم فرصة أن يعيش حياة أخرى داخل رواية؟ أو أن يشعر بالدهشة من عبقرية وجمال بيت شعر؟ أصبح لدي عدة أصدقاء أعيرهم كتبي وأستعير منهم أيضاً، لكن بالطبع ليست كل الكتب التي استعارها الآخرون مني تعود لي، والعكس صحيح، يرجع السبب غالبًا إلى قلة اللقاء. فأنا عادة ما انتظر الفرصة المناسبة للقاء صديقي الذي استعرت منه كتابًا ما والجلوس معه والحديث عن رأيي في الكتاب، في المقابل سبق لبعض الأشخاص أن استعاروا مني بعض الكتب ولم يرجعوها إلى هذا اليوم، والسبب هو انقطاع تواصلنا. مثلًا عندما كنت في المدرسة الثانوية، وبعد أن أنهيت مشاهدة رسوم متحركة لرواية "البؤساء" للكاتب الفرنسي فكتور هوجو، على قناة "سبيستون"، بحثت عن الرواية وعزمت على قراءتها. كانت من أجمل الروايات التي قرأتها ولا زالت، لكن مع الأسف ضاعت مني عندما استعارتها إحدى زميلات الدراسة ولم تعدها. لو التقيت بها مرة أخرى، وطلبت مني كتابًا آخر سأعطيها بشرط أن ترجع الكتاب السابق وأسجل رقم هاتفها المحمول لكي أضمن عودة الكتاب من جديد.
وأعتقد أننا نتعلق بالكتب التي فقدناها بشكل أكبر من تلك التي لا زالت موجودة على أرفف مكتباتنا -ويشعرنا وجودها نوعًا ما بالأمان".
- إحياء الكتب بإعادة القراءة لا الإعارة
يقول عبدالله السيابي في سؤال هل تعير كتبك للناس؟ لا، لا أعيرهم. ومن عناوينه التي فقدها كانت "فن التخلي"، و"رددت الجبال الصدى" وغيرها. ورأى السيابي أن عدم إرجاعهم للكتب يكمن في عدم الشعور بأهمية الكتاب وما يعنيه لمالكه، والبعض قد يقول في نفسه لقد انتهى منه ولا داعي لأعيده وأخيرا عدم الشعور بالقيمة المادية ومحتوى الكتاب فقط وجده على طبق من ذهب. ويجزم السيابي أننا نكون معلقين بالكتب التي فقدناها لأننا نعيش في حالة خاصة لا مثيل لها ونحب أن نشاركها مع الآخرين ليشعروا بنفس الإحساس ولكن الواقع صادم، إهمال ولا توجد أسباب توحي للشخص ليشعر ويعيش نفس ما عشناه مع الكتاب.
وأضاف: "قمت بإعارة بعض الكتب غير المقروءة ما يقارب ٦ كتب ولم أحصل عليها إلا بعد أكثر من سنة بعد الإلحاح، ومواقف كثيرة مشابهة. في البداية كنت أعير الكتب من باب أن الكتاب هو كنز ومن الأفضل مشاركته بدل وضعه في مقبرة الكتب (المكتبة) ولكن اكتشفت أن المقبرة تعيد إحياء ما فيها بإعادة القراءة.
كذلك أقول بأن لا تعير كتابك إلى أحد إلا وأنت مستعد للتخلي عنه".
- قارئ جديد خير من بقاء الكتاب على الرف
وتقول هند الحضرمية التي تعيد إعارة كتبها لأي شخص يرغب بقراءة كتاب من مكتبتها الصغيرة: "كوني أشعر بأن انتقال الكتب من قارئ لآخر أفضل من بقاء الكتاب في رف المكتبة، غير أنني أذكرهم بكتبي التي استعاروها وما تزال لديهم".
وأضافت: "كما أنني أشعر بالسعادة في إعارة الكتب، لا أدري لماذا، ربما فكرة وجود كتاب مرغوب به من قبل الآخرين ضمن الكتب الموجودة في مكتبتي الصغيرة وحدها سبب مقنع للشعور بالسعادة. ولكن تبقى هناك شروط أخبرها لكل من يرغب في قراءة أي من كتبي مثل طريقة فتح الكتاب والمحافظة عليه، وإعادته بنفس الحالة التي كان عليها".
ولدى هند كتب بحثت عنها وسألت عنها كل من توقعت أنه استعارها منها إضافة إلى كتب أعارتها للبعض ولكن بسبب المسافات كانت استعادة الكتب مرة أخرى صعبة للغاية.
ومن بين هذه الكتب: الرجل الذي حسب زوجته قبعة، وكفاحي.. ومجموعة من روايات الكاتبة أجاثا كريستي.
وقالت: "لذلك اقتنعت بضرورة كتابة اسمي على الكتب التي أقتنيها.. وإن كنت قد توقفت لفترة عن هذه العادة. البعض ربما لا يكمل قراءة الكتاب الذي استعاره، وربما يأمل نفسه بالعودة له في وقت لاحق، وربما حب الكتاب يدفع البعض للاحتفاظ بالكتاب لديه".
- أعيرهم كتابا وأشتريه مرة أخرى
تقول آمنة السعدية إنها أعارت سابقا ثلاثة من كُتبها لنفس الشخص، وكان مرة تلو الأخرى يقول لها إنه سيقوم بإرجاعها. وقالت: "للأسف إلى الآن يوجد في مكتبتي شاغر للكتب الثلاثة المفقودة، لكن الآن من المستحيل أن أعير كتبي لنفس الأشخاص".
وأضافت: "هل يستطيع المرء نسيان ما كان يشعره باللذة والنشوة والانبهار في كل مرة!". ومن الكتب التي فقدتها: "أنا ملالا" "لم نتفق أن نختلف" و"قلق السعي إلى المكانة"و"ساق البامبو".
وتحكي السعدية: "مرةً حين استعارت ابنة خالي كتابًا ورفضت إعادته، تحايلت عليها، لكنها ظلت على موقفها صامدة، وحين مرت ساعة من ذلك الموقف أتتني وقالت: إذا كنتِ ترغبين باستعادة كتابك أعيريني كتابًا آخر، لأنني أريد أن أكوّن مكتبتي الخاصة، فأعرتها كتابًا آخر واسترجعت كتابي ولكنني ذهبت لشراء نفس الكتاب الذي أعرته لها مجددًا".
وتابعت: "أعتقد أن هذا إهمالًا منهم، أو لأنهم لم يستشعروا قيمة الكتاب عند صاحبه، لأنهم لو كانوا متعلقين بكتبهم كانوا سيشعرون بنفس ما يتملكني من شعور عند غياب كتاب لي".
- إعارة الكتب تعلمك ألا تعير كتبك
وتقول زينب الحجري: "لا أعير كتبي إلا إذا كنت لا أريد ذلك الكتاب. وتضيف: "ربما لا يرجعون الكتب بسبب عدم الانتهاء من قراءة الكتاب في الوقت المتوقع، وربما بسبب عدم إكمالهم لقراءة ذلك الكتاب ويتأملون في أن يكملوه يومًا ما، وأيضًا قد يكون الخجل بسبب تأخرهم عن موعد إعادته، أو قد يكون لأنهم لا يعيرون أهمية لهذا الكتاب ولا يعتبرونه أمانة تجب إعادته وإنما تمت قراءته من قبل صاحبه ولا يظنون أنه يحتاج إليه مرة أخرى".
وقالت: "لا أعلم هل نحن حقيقة معلقين بذلك الكتاب أو أن هناك شيئا يعود إلى أنني قد فقدته بطريقة ليست عن قناعة وليس عن استعداد أن أتخلى عنه، وبما أنني أعرت ذلك الكتاب فذلك يعني أن وجوده في مكتبتي يهمني، والآن اختفى. وربما أيضًا هي مسألة مبدأ والتزام بالوعد الذي تم بأن تتم إعادة الكتاب خلال فترة معينة.
وأضافت: "مسألة إعارة الكتب تعلمك ألا تعير كتبك لأحد إلا وأنت واثق بأنه سوف يعيد الكتاب، مواقف ليست بالكثيرة لكن تعلمت منها ألا أعير كتبي. أذكر أنني أعرت سلسلة كتب صغيرة لأحد حتى يستفيد منها مثلما أنا استفدت ولم تعد، إلى أن قمت بالمطالبة بكتبي أكثر من مرة، ومرة أعرت كتابا لشخص أعجب بالكتاب ومن إعجابه بالكتاب قام بإعارته لشخص آخر بحسن نية، وإلى الآن الكتاب لم يعد. أما الإعارة في محيط القرّاء والذين يعطون لكل كتاب قيمة وكيان تختلف عن الكتب الأخرى فإنه يعود كما ذهب، وإن حدث له شيء تحصل منهم على نسخة جديدة من ذات الكتاب".
- الكتب كشخص عزيز لا يُحتمل فقده
وتقول عبير الحوسنية: إن امتلاك الكتب ليس أكثر أهمية من قراءتها، وتضيف: "هذه نظرية لا جدال فيها ولكن ما أنكره أن يقول أحدهم: "إذا ما أنهيت الكتاب لا بأس أن أعيره لشخص وإن لم يرجعه، المهم قرأته وما بقي في ذاكرتي" ألا يشعر المرء بلذة التجول بين رفوف المكتبة وممراتها قبل أن يشتري الكتاب! ألا يذكر كيف قرر أن يقرأه؟ ومتى بدأ وانتهى من قراءته؟ ألا يذكر النصوص التي شعر بأنها تُشبهه أو تركت أثرًا بداخله؟ الكتب كالأصدقاء، الكتب كشخص عزيز لا يُحتمل فقده، كذلك حال الكتب البائسة عندما تفارق مالكها وتدخل في متاهات الاستعارة، إما أن تعود أو لا تعود! أو تعود بعد أمد طويل لصاحبها".
وقالت: "لست ضد إعارة الكتب، على العكس تمامًا تسعدني فكرة استعارة الكتب الورقية في زمن الكتب الإلكترونية، وأرى أن كونك مُحتَكِرا لكتبك يعد أنانية، ولكن يجب أن تعير كُتبك للأشخاص الذين تثق بأنهم سوف يُعيدونها، والذين يُرجعونها كما استعاروها، وفي الوقت نفسه عدم إعادة الكتب مشكلة لا يمكن تجاهلها، خاصة إذا كان الكتاب نادرا أو لهُ قيمة معنوية، وعلى العموم احتكار المعرفة أنانية بكل حال من الأحوال".
وحول تجارب إعارتها للكتب تقول: "ليس لدي الكثير من التجارب الشخصية إلى الآن، فجميع من أعيرهم كتبي يُعيدونها ولو بعد حين، أذكر أن مجموعة من كتبي تمت استعارتها لمدة سنة أو أكثر، وكنت أفتقدها عندما أنظر للحيز الذي كانت تشغله وينتظرها، وعادت الأسبوع الماضي، إلا أن الليالي البيضاء ما زالت رهن الاستعارة! ولكنني واثقة من عودتها. مواقف الآخرين كثيرة لو بحثنا، يُخبرني معلمي حرفيًا: "٢٠٠٧ استعار مني أحد الأشخاص سلسلة معارج الآمال للإمام السالمي وحتى الآن لا أعرف مصير السلسلة"، كما أنه أخبرني بموقف طريف يقول فيه "وفي عام ٢٠١٦ استعار أحد الأخوة كتب في التنمية البشرية وهي سلسلة من ستة كتب تقريبًا ومرت أكثر من سنتين، فاضطررت أن أذهب إلى منزلهم لأخذها!".
وأضافت: "أعتقد أن المماطلة من أحد الأسباب التي تجعلهم لا يرجعون الكتب، أو قد يكون الكتاب ضاع أو تلف بطريقة ما، ويخجل أن يُخبر صاحبه بذلك فيضطر لخلق الأعذار، أو النسيان، أو قد تكون عادة ملازمة لهم، والكتب ودائع تُرد لصاحبها".
وحول مكانة الكتب المفقودة تقول: "لا يعرف الإنسان قيمة الشيء إلا عندما يفقده" يمكن الإجابة بهذه المقولة المستهلكة على هذا السؤال، ولكن رأيي مُناقضٌ على ذلك فالكتب قيمتها حاضرة بوجودها وغيابها معك، بالطبع ستكون مُتَعلقا بها، فكيف أن تشعر بالحنين جَرّاء فقدها!."
- ضياع الكتاب المفضل
أما نجلاء البوسعيدية فتقول: أتذكر كتابي الذي أعرته قبل سنتين لأحد طلابي وبسبب كورونا لم يعد الكتاب لي حتى هذه اللحظة! كم هو محزن ضياع ذلك الكتاب بالذات. قصته بدأت عندما حصلت على وظيفتي بالمركز العماني الفرنسي، وأوكلت إليّ مهمة ترتيب الكتب الموجودة في مكتبة المركز. بدأت ترتيب وتصنيف الكتب عندها وجدته مختبئا في صندوق ممتلئ بالأتربة، لا أعلم لماذا لكنه جذب انتباهي بألوانه وعنوانه الطويل والظريف Le livre qui fait aimer les livres: même à ceux qui n'aiment pas lire الترجمة: الكتاب الذي يجعلك تحب الكتب حتى لأولئك الذين لا يحبون القراءة!!
قمت بوضعه في أحد الأرفف المقابلة لمكتبي لأنني كل ما رأيته تعتريني ابتسامة.
هكذا كل صباح ولمدة ٣ سنوات أراه وأفتحه وأقرأ صفحة أو صفحتين وأعيده لمكانه ولكن لم يكن لي الحق بامتلاكه بحكم أنه مُلك لمكتبة المركز. وعندما قررت ترك وظيفتي بالمركز للسعي وراء الماجستير جاءت (بياتخيس) وأعطتني نفس الكتاب كهدية، لقد كنت سعيدة به كثيرا واحتفظت به معي حتى وأنا خارج البلد.
وعندما عدت كنت أتدرب في جامعة السلطان قابوس كمدرسة لغة فرنسية، قمت بإعارة كتابي المفضل لأحد الطلاب وبسبب تعليق الدراسة والأزمة الصحية ضاع الكتاب ولم يعد، لا يمكنني سوى وصف الكتاب بالمجنون كيف إنه يقارن بين كل شيء".
