جمرك مدينة طاقة
جمرك مدينة طاقة
ثقافة

طاقة.. المرفأ البحري أحد مسارات التجارة الناقلة لثقافة وحضارة أهل عُمان إلى مختلف موانئ العالم

08 يناير 2022
عرفات آل جميل يسرد سيرة التاجر "الكار"
08 يناير 2022

كانت المدن الساحلية العمانية قديما محطات مهمة تنفذ من خلالها التجارة العمانية وتحمل معها ثقافة وحضارة أهل عمان إلى مختلف موانئ العالم عبر تجارها الذين عرفوا بأخلاقهم الحسنة وحسن تعاملهم وأمانتهم، وكما كانت هذه المدن الساحلية عبر موانيها محطات استقبال لوافدين جدد من مختلف بقاع العالم يحملون تجارتهم إلى موانيها وقد أحبوا أهلها وطاب لهم المقام فيها ومن هذه المدن الساحلية العمانية مدينة طاقة بمحافظة ظفار والتي تعتبر مرفأ بحريا مشهورا في غرب المحيط الهندي وبحر العرب. وقديما كانت فرضة طاقة ( جمرك طاقة) مقصدا للسفن والمراكب العمانية المشحونة بالبضائع لتجار الولاية القادمة من العراق والخليج وبومباي وعدن وزنجبار وشرق إفريقيا. حيث بدأ العمل فيه منذ عام 1920م، وأول من تولى مأمورية جمرك طاقة العام هو محمد بن عبدالرحمن العليان وكان مقر الجمرك عبارة عن عريش من جريد النخل حتى عام 1942م من حكم السلطان سعيد بن تيمور الذي أمر ببناء الجمرك بمواد ثابتة ومازال هذا الجمرك حتى الآن يقع على شاطئ طاقة.

من أوائل التجار الذين وفدوا إلى طاقة وانتقل بتجارته إليها وطاب له العيش فيها التاجر رجب بن خميس بن سعيد بن ناصر بن حميد آل جميل الذي قدم بتجارته من جمهورية اليمن الشقيقة ما بين عام 1800- 1810م هذا حسب التقديرات التي حصلنا عليها من أحفاده، وفد مع والده إلى ظفار وكانت ولاية طاقة الساحلية آخر محطة لإرساء دعائم تجارته وانتشارها. حيث يذكر أن التاجر رجب آل جميل استوطن في ولاية طاقة وبنى بها عددا من البيوت الواسعة والمزدانة بالطابع الظفاري العريق، والتي توجد حالياً في قلب المدينة القديمة أمام حصن ولاية طاقة. ولا تزال البيوت تقف شامخةً إلى يومنا هذا تعكس مدى رخاء ورفاهية من بناها.

وقال الدكتور عرفات بن عوض بن أحمد بن شعبان بن رجب آل جميل الحفيد الرابع للتاجر رجب آل جميل بأن جده التاجر رجب آل جميل كان يلقب بكنيته الشهيرة والمعروفة بـ "الكار". وكما هو معرف لدى أبناء الولاية أنه كان من أوائل التجار وأبرزهم في الولاية في زمانه، حيث يذكر أن تجارته شملت شبه القارة الهندية وقارة إفريقيا، علاوةً على تجارته في البصرة والخليج العربي. كما كان التاجر رجب آل جميل يملك عدداً كبيراً من المنازل أو مزارع اللبان الظفاري في منطقة( حوجر) والتي كان يعتمد عليها بشكل أساسي في تصديره للبان إلى الخارج. كما كان يملك أيضاً مزرعةً مازالت قائمة في مدخل الولاية، والتي ورثها أحفاده من بعده. وهو التاجر الوحيد في الولاية الذي كان يملك سفينة "البوم" الشراعية الكبيرة، والتي بمقدورها نقل أطنان من البضائع، إضافةً لقطعها مسافات طويلة في المحيطات. وكان يستخدمها لتصدير اللبان الظفاري، والسمن المحلي، بالإضافة إلى مختلف أنواع الجلود والدباغ إلى الهند. وكان يستورد الأرز، والأقمشة، والأخشاب، و الُّبر والسُّكر من الهند وشرق القارة الإفريقية كزنجبار والصومال والحبشة. كما كان يستورد مختلف أصناف التمور من البصرة والخليج العربي. وكان يعتمد على سفينة البوم الشراعية بشكل أساسي في تجارته مع الهند.

وأضاف الدكتور عرفات عوض في حديثه لـ " عمان " بأن التاجر رجب آل جميل كان قبطاناَ وملاحاً بارعاً في تحديد الاتجاهات بالبوصلة، وكان أيضاً ذا إلمام واسع بعلوم الفلك في تحديد النجوم والتنبؤ بالمناخ وحركة الرياح. حيث إنه كان يشرع بالإبحار في عرض المحيط الهندي في فترة الربيع (الصرب) إلى ما قبل موسم الخريف الممطر، وذلك لوضوح الرؤية واستقرار المناخ بوجه عام خلال هذه الفترة. وكان طاقم السفينة مكونا من ١٠-١٢ بحارا ماهرا، وأغلبهم من ولاية صور. وبعد وفاة التاجر رجب آل جميل، استلم زمام أمور التجارة ولده الأكبر خميس، والذي كان يملك مهارات وخبرات في الملاحة، كان قد ورثها وتعلمها من والده. وكان حفيد سالم ولد التاجر خميس بن رجب آل جميل، يعمل مع والده في التجارة. حيث إنه كان يُعرف بـ "اختيرج" أي المتخرج والتي يقصد بها الملم بعلوم الأسفار. وكان مشهوراً بأمانته في تعامله مع القاصي والداني.

واستمر التاجر سالم بالعمل بالتجارة مع والده لمدة من الزمن، إلى أن تحطمت السفينة في حادثة غرق مأساوية في منطقة الكحل بالوسطى في مطلع القرن التاسع عشر. وكان على متن سفينة البوم الشراعية طاقم مكون من ١٧ شخصا من الركاب والبحارة. ويُذكر أن السفينة كانت قادمة من الهند محملة بعدد هائل من البضائع، ومبلغ يناهز الـ ٧٠٠٠ فرنس، وتوفي على أثرها ١٢ شخصا ونجا منهم خمسة آخرون بأعجوبة! حيث يُذكر أن قبطان السفينة التاجر سالم نجا ومعه بحاران من ولاية صور واثنان آخران من ولاية صلالة. والسبب في نجاتهم أنه عندما تحطمت السفينة وغرقت هي وكل ما فيها من بضائع، ظَّلَ الصاري طافيا على سطح الماء، وكل من تعلّق به لقى حتفه ظنا منهم أنه سيكون طوقا للنجاة. ولحنكة التاجر سالم وفطنته في الملاحة، أشار إلى الرجال القريبين منه أن يتركوا الصاري وأن يسبحوا باتجاه الجهة الأخرى، والتي قادتهم في نهاية المطاف إلى بر الأمان. ويُذكر أنه من جسارتهم وشجاعتهم أنهم استمروا في السباحة إلى الشواطئ لمدة يوم ونصف اليوم!

وأشار الدكتور عرفات آل جميل بأن الجميع يتداول قصة التاجر سالم الشهيرة عن حفاظه على أمانة امرأة استأمنته حليتها الذهبية في تجارته إلى الهند. ويذكر أنه أثناء غرق السفينة، حرص التاجر سالم آل جميل على الحفاظ عليها، حيث إنه فتح الصندوق الذي يحتوي على الحلية الذهبية. ومن شدة أمانته، يذكر أنه لف الحلية في قطعة قماش حول خصره، وظل يسبح وهي معه إلى أن وصل إلى اليابسة، وسلّمها في نهاية المطاف إلى المرأة بعد رجوعه إلى ظفار. وبعد تحطم سفينة البوم الشراعية بسنوات قليلة، اشترى التاجر سالم ووالده خميس سفينة صغيرة من صور، وتوقفوا عن كل أنشطتهم التجارية في الهند، وركزوا على التجارة مع البلدان القريبة مثل اليمن وزنجبار والصومال والحبشة. وفي حادثة مأساوية مماثلة للحادثة الأولى، تحطمت تلك الأخرى في طريقها من شرق إفريقيا في منطقة المكلا. وبعد غرق السفينة "البوم" الشراعية والسفينة الأخرى دفعهم الحال إلى أن يبيعوا الكثير من أملاكهم.

مؤكدا في حديثه بأن قصص البسالة والأمانة والتضحية للتاجر رجب آل جميل، وولده خميس، وحفيده سالم بن خميس، وغيرهم ممن قاموا بالتجارة من بعدهم تروى بين أهالي الولاية، ومازالت حديث أهالي ولاية طاقة، اعتزازا بالدور الذي قاموا به في ربط الولاية مع الهند وشرق إفريقيا والخليج.

تجدر الإشارة إلى أنه تم البحث عن وثائق رسمية أو مراسلات تجارية للتاجر رجب آل جميل، وما تم الحصول عليه قبل عامين اقتصر على بعض الوثائق الرسمية من قبل الإعلامي الراحل محمد بن عبدالله العليان خلال لقاء صحفي أجرته معه "عمان" وتتحدث هذه الوثائق عن العلاقات التجارية بين ميناء طاقة وموانئ المنطقة قبل عهد النهضة المباركة.