صـورة روسيـا بيـن صراعـات الداخـل والمنافسـة مـع الغـرب
14 يونيو 2026
14 يونيو 2026
طاهر علوان
لا شك أن الأفلام ذات الطابع السياسي أو تلك التي تتناول حياة الزعماء وخفايا فترات حكمهم والصراعات واللوبيات في داخل القصور كانت ولا تزال مادة جذابة لدى الجمهور العريض الذي يدفعه الفضول إلى الغوص في ذلك العالم المجهول والعلاقات المتشابكة التي قد يسمع عنها من دون أن يتيقن منها أو من إمكانية أن يراها.
في المقابل، سوف تواجه أفلام من هذا النوع ما تواجهه الأفلام التاريخية على سبيل المثال، لجهة مقدار المصداقية ومدى استناد الفيلم على الأحداث التي وقعت بالفعل، وهي إشكالية أساسية ومعيار موضوعي يضمن رصانة الفيلم وعدم انحيازه في طرح الأفكار والمواقف.
من هنا يمكننا النظر لهذا الفيلم للمخرج الفرنسي أوليفيه أساياس، وهو أيضا مشارك في كتابة السيناريو إلى جانب إيمانويل كارير، علما أن السيناريو مأخوذ عن رواية للكاتب جوليانو دا إيمبولي.
يبدأ هذا الفيلم بنظرة إلى الاتحاد السوفيتي وقد صار مجرد روسيا الغارقة في التعقيدات والصراعات وتصدع هياكل الدولة، وخاصة بعد ترك شخصيات في القمة آثارها في ذلك الانهيار، من أندروبوف إلى جورباتشوف وانتهاء بيلتسين الذي كان لوحده طامة كبرى، غارقا في إدمان الكحول، ويتم تصويره وقد قام مساعدوه بربطه بالخيوط على الكرسي وهو يلقي خطاباته خوفا من سقوطه على الطاولة التي أمامه.
يتتبع الفيلم الحلقات الضيقة المحيطة بالزعماء السوفيت والروس لاحقا وصولا إلى الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس الحالي بوتين، وشرح التفاصيل والظروف والأدوار التي اجتمعت كلها لكي تهيئ مسرح الحكم لصالح بوتين.
هنالك بالطبع كثافة ملفتة للنظر من المشاهد الحوارية التي كشف الفيلم من خلالها كيف يتخذ القرار في أروقة الكرملين والعلاقات البينية والداخلية وعلاقات المصالح التي أفضى نموها إلى تأسيس أوليغارشية روسية وشبكات مصالح لعبت مجتمعة وفرادى دورا فاعلا في آلية اتخاذ القرار وصولا إلى تمهيد الطريق لصالح بوتين، الشخص العصامي الذي هو بالأصل ليس إلا رجل أمن ورجل مخابرات، وكيف صار صعوده حتميا في ظل الفوضى التي تركها بوريس يلتسين وراءه.
أما إذا انتقلنا إلى المستوى الثاني، وهو مستوى الطبقة التي تحيط بالرئيس، فإن ما هو مختلف فيما يتعلق بشخصية بوتين هو أنه محاط ببطانة معقدة من ضباط المخابرات، وكونه هو شخصيا شديد الغموض والكتمان. ولكن يبرز في وسط تلك الحلقة المعقدة فلاديسلاف سوركوف -يؤدي الدور الممثل بأول دانو- الذي سوف نفهم من خلاله صعوبة التكهن بقرارات بوتين، وخاصة أننا نشاهد في سياق الفيلم وأبان ظهوره السياسي رفضه بناء مستقبله السياسي على أية بطانة أو شبكة أو اعتماده على أي من مستشاريه، ولهذا طبق فرضية الحكم العمودي الصارم في مقابل الحكم الأفقي الغارق في الفوضى، مع أن سوركوف كان مساعده الأقرب والأكثر ثقة، لكن قناعة هذا الأخير أن ثقة الحاكم بشخص ما تعني نهايته، وقد انتهى فعلا برصاصة في الرأس لا نعرف من أطلقها، وذلك في نهاية الفيلم.
حظي الفيلم بقراءات نقدية كثيرة، ومنها ما كتبه الناقد جلين كيني في موقع روجر إيبرت إذ يقول: «أثار الفيلم دهشتي بعض الشيء؛ فهو يؤرخ لأحد أكبر الأحداث والتحولات أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، ويبدو أحيانا مزيجا بين فيلم «تشي» لسودربيرج وفيلم «الأصدقاء الطيبون» لسكورسيزي، ولكن -وهذه هي النقطة المحورية- يتسم بالهدوء المتعمد. فموضوعه الرئيسي مستوحى من شخصية حقيقية، وهو فلاديسلاف سوركوف، أحد مساعدي الأوليغارشية الروسية؛ وحيث يستمد معظم رجال السلطة تحت حكم بوتين هيبتهم من مناصبهم، وهم عندما يفقدونها، يكون الأمر أشبه بفصل التيار الكهربائي عنهم».
يتحدث سوركوف، مستذكرا سنواته إلى جانب فلاديمير بوتين، الذي كان يُعتبر مرشحا غير محتمل وغير مناسب لقيادة روسيا؛ لكننا سوف نشاهد كيف أعاد رجل المخابرات السوفيتية السابق تشكيل بلاده وفقا لرؤيته الخاصة.
ولعل من الملاحظ أن البناء السردي للفيلم قد استند إلى شهادة سوركوف على عصر بوتين مرورا بمحطات من حياة سوركوف شخصيا، وبما فيها علاقته الرومانسية المتقلبة مع كسينيا. أما على الجهة المقابلة، فمن المؤكد أن صورة بوتين كما تجسدت أنه ذلك الزعيم المنضبط الذي يستيقظ كل يوم مع الفجر أو بعده بقليل ليبدأ تمارينه الرياضية والسباحة الطويلة، ثم لا يتجه إلى مكتبه إلا عند الظهيرة ليستمر في العمل حتى الفجر.
يقارب المخرج تلك السيرة الشخصية سواء لبوتين أو لفريقه من وجهة نظر ومقاربة سردية هي أقرب إلى الأسلوب الوثائقي، واستخدام سوركوف بوصفه راويا وشاهدا على محطات مفصلية في التاريخ الروسي، لعل من أبرزها التحديات التي واجهها بوتين، وخاصة أمام تحديات ضخمة كالحرب مع الشيشان وانتشار الإرهاب أو حادثة الغواصة التي أودت بحياة العشرات من الجنود والضباط، ثم قصة السيطرة على جزيرة القرم وتفجر الملف الأوكراني.
وفي هذا الصدد يتحدث الناقد ترافيس جيبسن في موقع الفيلم البريطاني عن أحداث هذا الفيلم قائلا: «من الواضح أن الفيلم مُوجّه للمشاهدين الغربيين الذين لا تزال خبايا روسيا بوتين غامضة بالنسبة لهم. ولعل هذا يُبرر قرار المخرج وفريقه الفرنسي بتصوير الفيلم باللغة الإنجليزية؛ لكن استخدام شخصيات تتحدث لغة لا تتوافق مع جنسيتها المُصوّرة هو أسلوب قد يُثير الاستياء، ويصعب تجاهله هنا. ومن الصعب أيضا تقييم الأداء الفردي عند مواجهة هذا التناقض بين شخصيات تاريخية سمعناها في الواقع، تتحدث بلهجات إنجليزية مختلفة، كثير منها مُشوّش أو غير مفهوم.
ومن جهة أخرى، يُعاني سيناريو الفيلم من صعوبة التوفيق بين تقديم المعلومات بأسلوب تعليمي ومواكب لإيقاع هوليوود الذي التزم به المخرج، وبين الوظيفة الدرامية القائمة على فكرة الصراع والمنافسة الشرسة بين أقطاب الكرملين على مر الرؤساء المتوالين انتهاء ببوتين».
وإذا كنا قد تحدثنا عن البناء السردي للفيلم في موازاة الحلول الإخراجية التي تم اعتمادها، وخاصة الطابع الوثائقي واستخدام اللغة الإنجليزية للحوار، فإن هنالك المحور المركزي الذي بنيت عليه الأحداث ويتمثل في ظهور الصحفي الأمريكي والأكاديمي المتخصص في الشأن الروسي، لورانس رولاند -يقوم بالدور الممثل جيفري رايت- الذي يصل إلى موسكو، وعلى الخلفية هنالك حوار يدور بينه وبين شخص ما، نقاش غير متوقع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ويتضح لاحقا أن بارانوف هو الشخص الذي كان على الطرف الآخر من النقاش. يدعو بارانوف رولاند إلى ملاذه الريفي؛ حيث اعتزل بعد تركه خدمة بوتين قبل بضع سنوات، وهناك يروي له قصته، وهي بدورها قصة الفيلم برمته وقصة روسيا منذ أوائل التسعينيات وحتى صعود فلاديمير بوتين.
إخراج: أوليفيه أساياس
سيناريو: أوليفيه أساياس وإيمانويل كارير
عن رواية لجوليانو دا إيمبولي
تمثيل: بأول دانو، جود لو، أليسيا فيكاندر، ويل كين، توم ستوريدج، جيفري رايت
مدير التصوير: يوريك لا سوكس
