العرب والعالم

هل تقدم روسيا على استخدام الأسلحة النووية؟!

03 مارس 2022
03 مارس 2022

انقضى أسبوع منذ أن أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن بدء ما وصفه بــ" عملية عسكرية خاصة" في أوكرانيا ، أسفرت عن خسائر في الأرواح في صفوف الروس والأوكرانيين، إلى جانب نزوح على نطاق واسع من أوكرانيا.

وشهدت تلك الفترة فرض عقوبات اقتصادية موجعة على روسيا، وارتفاعا في أسعار النفط، ومشكلات متعددة بالنسبة لمختلف الدول.

كما شهد ذلك الأسبوع ردود فعل متباينة غلبت عليها إدانة الهجوم الروسي على أوكرانيا، دون إمكانية صدور قرار من مجلس الأمن، وتمكنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الأربعاء من إصدار قرار يدين هجوم روسيا بأغلبية كبيرة ويدعو إلى وقف إطلاق النار فورا.

وصوتت 141 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في نيويورك لصالح القرار، بينما صوتت ضده 5 دول وامتنعت 35 دولة عن التصويت. ومن المعروف أن مثل هذا القرار غير ملزم وفقا للقانون الدولي ولكنه ذو أهمية رمزية.

وفي ظل هذه الأجواء تم عقد محادثات بين وفد روسي وآخر أوكراني على الحدود بين بيلاروس وأوكرانيا، لم يسفر عن أي تقدم. ومن المقرر عقد جولة ثانية من المحادثات اليوم الخميس في منطقة بريست البيلاروسية قرب الحدود مع بولندا.

ومن التطورات المثيرة في تلك الفترة إصدار بوتين أمرا للجيش بوضع القوات النووية الاستراتيجية في حالة تأهب خاصة، وهو ما اعتبره وزير الدفاع البريطاني بن والاس أنه يهدف إلى صرف الانتباه عن عدم إحراز تقدم في غزو أوكرانيا. وأكد ينس ستولتنبرج الأمين العام لحلف شمال الأطلسي(ناتو) أن الحلف لن يغير من وضع قواته النووية ردا على قرار بوتين. كما أكد أن الحلف مسؤول عن عدم خروج الوضع عن السيطرة.

وامس قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن القادة الغربيين يفكرون في حرب نووية في صراعهم مع روسيا.

وأوضح خلال مؤتمر صحفي عبر الإنترنت "الكل يعلم أن حربا عالمية ثالثة لا يمكن أن تكون إلا نووية، لكنني ألفت انتباهكم إلى حقيقة أن تلك الفكرة هي في أذهان السياسيين الغربيين وليس في أذهان الروس"، مشيرا إلى أنه يجري التخطيط ل"حرب فعلية" ضد موسكو.

ولفت إلى التصريحات الأخيرة لنظيريه الفرنسي جان إيف لودريان والبريطانية وليز تراس اللذين أشارا إلى قوة الردع النووية وخطر اندلاع حرب مع روسيا.

وقال "إذا كان البعض يضعون خطة حرب فعلية ضدنا، وأعتقد أنهم كذلك، عليهم التفكير مليا"، مؤكدا "لن نسمح لأحد بزعزعة استقرارنا".

وقارن لافروف الولايات المتحدة بالإمبراطور الفرنسي نابوليون بونابرت والزعيم الألماني أدولف هتلر.

وأضاف "في وقتهما، أراد كل من نابوليون وهتلر إخضاع أوروبا. والآن، أخضعها الأمريكيون".

وضع بالغ الخطورة

وحول مدى احتمال استخدام روسيا للأسلحة النووية تقول الدكتورة باتريشيا لويس مديرة برنامج الأمن الدولي بالمعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني(تشاتام هاوس) إن بوتين صور قراره بشأن القوات النووية على أنه رد فعل دفاعي على فرض العقوبات الاقتصادية على بلاده، ولكن في خارج روسيا ينظر إلى القرار بشكل عام على أنه طريق أمام روسيا لاستخدام أسلحتها النووية في هجوم مفاجىء. وترى أن هذا وضع بالغ الخطورة ينطوي على رسائل مختلطة مع إمكانية أن يؤدي احتمال سوء تفسيره إلى اتخاذ قرارات على أساس افتراضات زائفة.

وتقول لويس الخبيرة في مجال الحد من التسلح في تحليل نشره معهد تشاتام هاوس إنه من المفترض إذا ما قررت روسيا استخدام الأسلحة النووية أن تفعل ذلك في هجوم على أوكرانيا، وليس مهاجمة أي دولة عضو في الناتو يؤدي إلى رد واسع النطاق من جانب الناتو. وفي مثل هذا الهجوم من المرجح استخدام أسلحة نووية قصيرة المدى يعتقد أنه يوجد منها أكثر من ألف قطعة ، حيث سيتم نقلها من المخزون وتوصيلها بالصواريخ أو وضعها في قاذفات قنابل، وكقذائف مدفعية. وقد شاهد بوتين مؤخرا تدريبا ركز على استعداد القيادة والتحكم، وألاطقم القتالية، والسفن الحربية، وحاملات الصواريخ الاستراتيجية، وكذلك فعالية الأسلحة الاستراتيجية النووية وغير النووية.

وأوضحت لويس أن أي تحرك لتجهيز ونشر الأسلحة النووية الروسية سوف يكون مرصودا ومراقبا من جانب الأقمار الاصطناعية للولايات المتحدة وغيرها التي يمكنها الرصد في كل الأجواء رغم وجود سحب أو ظلام دامس. واعتمادا على المعلومات الاستخباراتية والتحليلات الأخرى- وفي ظل فشل كل المحاولات الدبلوماسية لإقناع روسيا بالعدول عن تصرفها- قد تقرر دول الناتو التدخل لمنع إطلاق تلك الأسلحة من خلال قصف مواقع تخزينها ومواقع نشر الصواريخ مسبقا.

وتوضح لويس أن هناك مخاطر هائلة مرتبطة بهذا القرار، إذ أن أي هجوم قد يعجل بهجوم أسوأ للغاية من جانب روسيا ومن الممكن تصنيفه على أنه عدوان من الناتو وليس دفاعا وقائيا. ومع ذلك، فإن عدم القيام بذلك سوف يترك أوكرانيا وغيرها من الدول عرضة لتفحيرات الأسلحة مع إمكانية مقتل مئات الآلاف، حسب الهدف.

وقالت لويس إنه إذا ما قررت روسيا مهاجمة أوكرانيا بأسلحة نووية، من المرجح أن ترد دول الناتو على أساس أن تأثير الأسلحة النووية سوف يعبر الحدود ويؤثر على الدول المحيطة بأوكرانيا. ويمكن أن يرد الناتو باستخدام الأسلحة التقليدية ضد المواقع الاستراتيجية الروسية، أو بالمثل باستخدام الأسلحة النووية حيث هناك عدة خيارات متاحة له.

فالولايات المتحدة لديها حوالي 150 قنبلة جاذبية نووية B61- موجودة في خمس من دول الناتو- هي بلجيكا، وألمانيا، وهولندا، وإيطاليا، وتركيا- كما أنه لدى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا إمكانيات طويلة المدى بالنسبة للهجمات النووية تحت رعاية الناتو.

حرب كبرى

وقالت لويس في ختام تقريرها إن كل تلك السيناريوهات تعني الانجرار إلى حرب كبرى مع روسيا ، لذلك فإن ميزة اتخاذ قرار بالعدول عن الانتقام بالأسلحة النووية - وتوضيح هذه الرسالة الآن- هي أن بوتين لا يستطيع تصوير الناتو على أنه يهدد روسيا بالأسلحة النووية.

ورأت أنه من الممكن دائما- رغم أنه أمر يفترض أنه غير محتمل بدرجة كبيرة- أن يقرر بوتين شن هجوم بصاروخ باليستي طويل المدى ضد الولايات المتحدة، لكنه يعرف - كما يعرف كل مسؤوليه- أن ذلك سيكون نهاية روسيا.

ويرى خبراء أن قرار الرئيس الروسي لا ينبغي أن يُترجم بأكثر من كونه تحذيرا لدول أخرى بعدم التدخل فيما يجري بأوكرانيا، لا تعبيرا عن رغبة في استخدام السلاح النووي.

وتوجد أسلحة نووية في عالمنا منذ نحو 80 عاما، وتراها دول عديدة أداة للردع وضمانا للأمن

يقول ديمتري موراتوف، الحائز على جائزة نوبل للسلام ورئيس تحرير صحيفة نوفايا غازيتا الروسية، تعقيبا على تصريحات الرئيس الروسي، "تبدو كلمات بوتين كما لو كانت تهديدا مباشرا بحرب نووية".

يقول موراتوف: "في هذا الخطاب التليفزيوني، لم يكن بوتين يتصرف كزعيم للكرملين، وإنما كزعيم للكوكب؛ تماما كمالك سيارة فارهة يتباهى بذلك عبر اللعب بمفتاحها في إصبعه - هكذا يفعل بوتين بزِرّ السلاح النووي".

ويضيف بأن بوتين "قال مرارًا: 'إذا لم توجد روسيا، فما حاجتنا للكوكب؟'، لكن أحدًا لم ينتبه. إن بوتين يهدد بتدمير كل شيء - كل شيء إذا لم تُعامَل روسيا بالطريقة التي يرتضيها هو".

وفي وثائقي نُشر عام 2018، يعلق بوتين قائلا: "إذا قرّر أحدهم تدمير روسيا، فإننا نملك حق الرد القانوني. نعم، ستكون كارثة على الإنسانية والعالم. لكنْ كمواطن ورئيس لدولة روسيا. ما حاجتنا لعالم ليست فيه بلادنا؟"

في المقابل، يقول بافل فِلجِنهاور، المحلل العسكري من موسكو، إن بوتين "في مأزق؛ لم تعد أمامه خيارات كثيرة، وإذا ما جمّد الغرب أصول البنك المركزي الروسي وتمّ تدمير النظام المالي الروسي، فإن ذلك كفيل بأن يصيب نظام بوتين بالشلل".

ويرى فلجنهاور أن "أحد الخيارات المتروكة أمام بوتين يتمثل في قطع إمدادات الغاز الروسية إلى أوروبا، على أمل أن يذعن الأوروبيون. وثمة خيار آخر هو تفجير سلاح نووي في مكان ما فوق بحر الشمال بين بريطانيا والدنمارك ومشاهدة ما يحدث".

كم تملك روسيا؟

وحسب تقرير للبي بي سي فأن كل إحصاءات الأسلحة النووية تقديرية ولكن، طبقا لاتحاد العلماء الأمريكيين (منظمة غير حكومية)، يمتلك الروس 5,977 رأسا حربيا نوويا - وهي المسؤولة عن إطلاق التفجير النووي- على أن هذا العدد يتضمن حوالي 1,500 رأسا خارج الخدمة.

أما الـ 4,500 رأسا المتبقية فتعتبر في معظمها سلاحا استراتيجيا - سواء كانت صواريخ باليستية، أو صواريخ أخرى، يمكن تصويبها على مسافات بعيدة. وتلك هي الأسلحة التي عادة ما تصاحب الحرب النووية.

أما البقية فهي أصغر حجما، وأقل تدميرا، وهي تستخدم للأهداف الموجودة على مسافات قصيرة في ساحات القتال أو في البحر.

لكن هذا لا يعني أن لدى روسيا آلاف الرؤوس الحربية النووية طويلة المدى جاهزة للاستخدام الآن.

ويقدّر الخبراء أن يكون هناك في الوقت الراهن نحو 1,500 رأسا حربية نووية "منشورة"، بمعنى أنها موضوعة على قواعد ومنصات إطلاق الصواريخ والقاذفات أو على الغواصات في البحر.

ماذا عن الدول الأخرى؟

تمتلك تسع دول أسلحة نووية. هذه الدول هي: الصين، وفرنسا، والهند، وإسرائيل، وكوريا الشمالية، وباكستان، وروسيا، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة.

وتأتي الصين، وفرنسا، وروسيا، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة بين 191 دولة موقّعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

وبموجب هذه المعاهدة، تقلّص هذه الدول مخزونها من الرؤوس الحربية النووية، وتلتزم نظريا بالتخلص من تلك الرؤوس نهائيا.

وقد أثمرت هذه المعاهدة عن تقليص أعداد الرؤوس الحربية لدى تلك الدول منذ عقدَي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

ولم تنضم أي من الهند، وإسرائيل، باكستان يوما إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية - بينما انسحبت منها كوريا الشمالية عام 2003.

وتعدّ إسرائيل الوحيدة بين تلك الدول التسع التي لم تعترف رسميا ببرنامجها النووي - لكن من المتوافق عليه بشكل واسع أنها تمتلك روؤسا حربية نووية.

ولا تمتلك أوكرانيا أسلحة نووية، ورغم اتهامات الرئيس بوتين لا يوجد دليل على أنها حاولت حيازة سلاح نووي.