No Image
العرب والعالم

لبنان.. وكرة النار "التائهة" بين طاولتي إسلام آباد وواشنطن

14 يونيو 2026
14 يونيو 2026

بيروت- وفاء عواد

غداة دخول العدوان الإسرائيلي على لبنان شهره الرابع، وفيما وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يُترجم فعليًا على الأرض، وإنْ حيّد الضاحية الجنوبية لبيروت من الاستهداف الإسرائيلي، حتى الآن على الأقل، انشغل الداخل بقراءة مضامين التسريبات عن شمول لبنان بالاتفاق الإيراني- الأمريكي، وإنْ لا يزال الكلام عن إنهاء الحرب فيه ليس واضحًا بعد.

أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فإنّ ثمّة من يرى أن الاتفاق الأمريكي- الإيراني مفتوح، طالما أن التطورات مفتوحة على مختلف الاحتمالات؛ إذْ هو لم يُنجز نهائيًا بعد، وإنْ كان على قاب قوسين أو أدنى من ذلك، وأن ثمّة نقاط كثيرة فيه لا تزال في دائرة الالتباس، ومنها مسألة شموله الوضع في لبنان، وخصوصًا أن المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية المباشرة مستمرّة في واشنطن.

ووسط تقاطع المعلومات والمصادر المتعدّدة على أنّ الجبهة اللبنانية مشمولة عمليًا بوقف إطلاق النار والحرب، في مذكرة التفاهم المقرّر توقيعها بين واشنطن وطهران خلال أيام في جنيف، كما يتردّد، يستعدّ لبنان للجولة التفاوضيّة الخامسة الأمنية والسياسية مع إسرائيل، المقرّرة بين 22 و24 من الجاري في واشنطن برعاية الخارجية الأمريكية، رغم وجود أنباء بدأت تتحدث عن عدم رغبة إسرائيلية في انعقادها. وما بين المشهدين، فإنّ ثمّة كلامًا عن أن الحرب الأمريكية- الإيرانية تضع أوزارها، وقد شارفت على النهاية، في حين أن ما يدور خلف أبواب التفاوض يتجاوز بكثير النقاشات التقنية المتعلقة بوقف إطلاق النار أو الترتيبات الأمنية في الجنوب، لكون المعركة الحقيقية تدور حول طبيعة المرحلة التي ستلي الحرب.

بينما يظهر "حزب الله" تفاؤلًا بأنّ طهران لن تسير باتفاق يترك لإسرائيل حرية الحركة أو البقاء طويلًا في الأراضي اللبنانية، مع ما يعنيه الأمر من كون "لبنان ما بعد الحرب لن يكون لبنان ما قبل الحرب، وخصوصًا على مستوى النظام السياسي"، وفق قول عضو "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب إيهاب حمادة لـ"عُمان"، فإن أوساطًا رسمية تظهر الكثير من الشكوك حول ما سيخرج به الاتفاق الأمريكي- الإيراني في هذا السياق، وتشدّد على أهمية التفاوض اللبناني- الإسرائيلي، الذي لا ينبع فقط من بُعده الأمني، بل من كونه يمثل محاولة لاستعادة القرار اللبناني المستقلّ، ومنع تحويل الجنوب مجدّدًا إلى ورقة تفاوض إقليمية، وبمعنى أدقّ فصل مساره عن مسار طهران، وخصوصًا أن إسرائيل تخوض سباقًا محمومًا، تهدف من خلاله إلى انتزاع تفوّق جغرافي- عسكري على أرض الجنوب، يُمكن تسييله على الطاولة، وتتصرّف على أساس مصالحها الأمنية والميدانية المباشرة، وليس على أساس نتائج التفاهمات الأمريكية- الإيرانية، وإنْ كانت واشنطن تسعى إلى احتواء التصعيد ومنع توسّعه إقليميًا.

وفي الانتظار، يتابع لبنان عن كثب ما سيصدر عن الأمريكيين والإيرانيين بشكل نهائي، باعتبار أن حصول الاتفاق سينعكس إيجابًا على الملفّ اللبناني. وذلك، بالتزامن مع تشديد البعض على أن الدولة هي التي تفاوض باسم لبنان، لا إيران، وهذا ما يفسّر، بحسب هذا البعض، ذهاب بيروت إلى مفاوضات واشنطن، باعتبارها مسارًا يفصل الملفّ اللبناني عن المسار الإيراني.

مفاوضات.. ولا ضابط إيقاع

وما بين حدّي المفاوضات على المستوى الدولي والمفاوضات على المستوى الإقليمي، والتي تتداخل فيها كلّ الأطراف، تكاملًا حينًا وتناقضًا أحيانًا، يشير الكاتب والمحلّل السياسي سركيس أبو زيد لـ"عُمان" إلى غياب ضابط إيقاع فعلي لهذا الموضوع، على المستوى الداخلي، ما يعيق الوصول ألى نتيجة إيجابية يستفيد منها لبنان؛ إذْ "لا تفاهم بين القوى الأساسية اللبنانية حول طريقة التفاوض، كما حول الأطراف المتفاوضة، والنتائج من هذه المفاوضات". وبرأيه، فإن المفاوضات الجارية لها أبعاد ومستفيدون إقليميّون ودوليّون، بينما الداخل اللبناني "لم يستفدْ منها حتى الآن، لأنّ موجة القتل والدمار ما زالت مستمرة، والسِجال بين اللبنانيين ما زال هو السائدة، دون الوصول إلى النتائج المرجوّة".

وفي قراءته للمشهد ككلّ، يبدي أبو زيد أسفه لكون "بعض الأطراف اللبنانية تراهن على الدور الإيراني، بينما أطراف أخرى تراهن على الدور الأمريكي، وربّما الإسرائيلي، لإيجاد حلّ"، فيما الأوضاع الدولية "متناقضة ومتباينة وغير واضحة"، ولا أحد يستطيع أن يتحكّم بها، لأن "المصالح ليست واحدة، وموازين القوى ليست ثابتة ومستقرّة، حتى لحسم هذه التوجهات".

أمّا الخلل، وفق رأيه، فيكمن في عدم وجود تفاهم بين اللبنانيين، إنْ بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه برّي، وإنْ بين القوى السياسية ككلّ، ما جعل المفاوض اللبناني "ضعيفًا، لا يملك أوراق قوّة لفرضها من أجل إيجاد خلاص أو تحقيق الأهداف والمطالب اللبنانية"، فيما التدحرج الميداني والقضم الجغرافي المستمرّ يضغطان عليه بين الجولة والأخرى.

وبالتالي، يختصر أبو زيد الوضع الداخلي اللبناني بأنه "توازن بين مجموعة عاجزين". فـرئيس الجمهورية عاجز عن تنفيذ القرارات التي يطرحها أو يتمنّاها. الحكومة عاجزة عن تنفيذ القرارات التي تتخذها. وثنائي "حركة أمل"- "حزب الله" عاجز عن تثبيت وجهة نظره أو آرائه أو خياراته، لأنه غير قادر على فرضها أو تطبيقها. أما الأطراف الأخرى، التي تلتقي بأشكال متباينة أو مختلفة، فلا تملك القوة والقدرة على أن يكون لها دور حاسم في موازين القوى.

من هنا، ولكون الخيارات المتناقضة لم تؤدِّ إلى أيّ نتيجة، فإن "هذا الوضع يعطي واشنطن الدور الأكبر بالتنسيق بين كلّ هذه المحاولات"، يقول أبو زيد، مع إشارته إلى أن لدى إسرائيل "القدرة على التعطيل، أو على إبقاء الحالة الصدامية موجودة بشكل مستمرّ"، وإلى أن لـ"حزب الله" دورًا ميدانيًا، يتقدّم حينًا ويتراجع أحيانًا، فيما "لا أحد لديه القدرة الكافية لفرض حلّ". وعليه، ووفق رأيه، ستبقى الأمور بهذه المراوحة، ولن تؤدّي إلى نتيجة إيجابية، إذا "لم يكن هناك توافق وطني جدّي، وتصوّر لبناني مشترك للمستقبل"، وإلا "ذهاب الأمور باتجاه حرب أهلية داخلية، ينتج عنها فيما بعد حلّ تفرضه القوى الدولية والإقليمية، أو أن يبقى لبنان في الفوضى، لأنه غير قادر على التوافق حول أهداف معينة من أجل تثبيتها وإقرارها، الأمر الذي يضعه في مهبّ الريح". يختم أبو زيد.

خطّ فاصل بين احتمالين

وهكذا، بين ميدان جنوبي يواصل فرض إيقاعه بالنار، وطاولتَي مفاوضات تسعيان إلى تحويل الوقائع العسكرية إلى تفاهمات سياسية، لا يزال لبنان يتقاذف كرة النار، ويحاول معالجتها لتحقيق أهداف لصالحه بين ملاعب واشنطن وإسلام آباد؛ حيث اللاعبون كثر والأهداف متفرقة. فعلى الخطّ الأمريكي- الإيراني تتفاوت المعطيات على غموض متأرجح بين واشنطن وطهران. أما على المحتوى السياسي اللبناني، فما زالت المقاربات تتمحور حول المفاوضات في جولتها المقبلة، وربطاً بما يحدث على طاولات المنطقة والعالم، والمطالب معروفة: لبنان يريد انسحاب إسرائيل من الجنوب، باعتبار أن أيّ نقاش سياسي أو أمني طويل المدى يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيلي، وإسرائيل تريد نزع سلاح "حزب الله"، وتشترط الحصول على ترتيبات وضمانات أمنية مسبقة تمنع عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب. والمطلبان دونهما شروط، بحسب قول مصادر متابعة لـ"عُمان"، لافتةً إلى أن المؤشرات حتى الساعة لا توحي بترجيح مرحلة ما بعد الحرب، على الأقلّ في الجنوب الذي يبدو خارج معادلة "الضاحية الجنوبية في مقابل شمال إسرائيل". أمّا كل الخطوات، وبحسب قول مصدر سياسي بارز لـ"عُمان"، فتنتظر مزيدًا من تفكيك الكِباش الداخلي، فإمّا يزيد منسوب التفاؤل بنهاية مسار الاشتباك، أو يتطلّب الواقع مزيدًا من جهود الوساطات.

وفي كلتا الحالتين، فإن ثمّة كلامًا عن أن هذا الأمر إمّا أن يصدر عن مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل، أو على طاولة إسلام آباد عن الأمريكي والإيراني، وإنْ كان الرئيس الأمريكي يرى أن الإطار اللبناني هو أقصر الطرق، كما بات معلومًا. أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فإنّ ثمّة من يعتبر أن ما جرى في واشنطن يتجاوز البُعد اللبناني- الإسرائيلي المباشر؛ إذْ يرتبط أيضًا بالحسابات الأمريكية الأوسع في المنطقة، وخصوصًا في المفاوضات الجارية مع إيران. وذلك، في ظلّ الكلام المتزايد عن اقتراب توصّل واشنطن وطهران إلى اتفاق يكرّس في بنوده وقف إطلاق النار على كلّ الجبهات، ومن بينها الجبهة اللبنانية. وعليه، ووفق إجماع مصادر متعدّدة، يبقى التوصّل إلى نقطة التقاء بين المساريْن اللبناني والإسرائيلي التحدي الأكبر أمام الراعي الأمريكي.