العرب والعالم

روسيا و أوكرانيا على شفير الحرب مجددا

09 ديسمبر 2021
09 ديسمبر 2021

عقد الزعيمان الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين قمة افتراضية الثلاثاء الماضي وذلك في مسعى لتجنب التصعيد في الملف الأوكراني، حيث تتّهم كييف وحلفاؤها روسيا بحشد قوات ومدرعات عند الحدود في إطار مخطط لشن هجوم ضدها، ما نفته موسكو مرارا. في المقابل تتّهم روسيا الغرب بمضاعفة «الاستفزازات»، وخصوصا من خلال إجراء مناورات عسكرية في البحر الأسود، في منطقة تعتبر موسكو أنها تدور في فلكها.

وتشهد أوكرانيا منذ العام 2014 حربا بين قواتها وانفصاليين موالين لروسيا في شرقها أوقعت أكثر من 13 ألف قتيل.

ويبدو أن الأزمة بين روسيا وأوكرانيا مستعصية على الحل؛ حيث تشهد مزيدا من التصعيد في ظل تمسك كل دولة بموقفها، وهو ما ينذر بخطر اندلاع حرب جديدة في المنطقة قد تتسع لتتحول إلى حرب عالمية.

ويناقش العالم مجددا إمكانية إقدام روسيا على شن حرب ضد أوكرانيا، إلا أن الظروف هذه المرة تعد استثنائية.

«ضمانات جادة»

الباحث الروسي الكسندر بونوف، الزميل البارز في مركز كارنيجي للدراسات في موسكو، يقول في تقرير نشره موقع المركز إنه على الرغم من أن التصعيد الحالي يشبه التصعيد الذي حدث في الربيع، دخلت مجموعة كبيرة من الظروف الجديدة في الموقف.. وقد انتهكت وزارة الخارجية الروسية محظورا دبلوماسيا من خلال نشر مراسلات دبلوماسية سرية مع ألمانيا وفرنسا بشأن أوكرانيا: وهو أمر كان بحاجة إلى الحصول على موافقة من أعلى المستويات في الدولة.

وخلال حديث في وزارة الخارجية بعد هذا بفترة قصيرة، دعا بوتين إلى «ضمانات جادة وطويلة المدى تضمن أمن روسيا في هذه المنطقة -حدودها الغربية- لأن روسيا لا يمكن أن تفكر باستمرار بشأن ما يمكن أن يحدث هناك غدا».

ويقول بونوف إنه لم تتضح الصورة التي ستأخذها هذه الضمانات، ولكن من المرجح أنه قبيل قمة أخرى محتملة بين بوتين وبايدن، ستحب موسكو أن تحصل على تأكيدات مشابهة لتلك التأكيدات التي قدمت لبكين: بعدم الدخول في صراع مفتوح مع الصين وعدم محاولة تغيير النظام السياسي الصيني. وبدلا من هذه التأكيدات، شهدت روسيا سفنا عسكرية غربية قريبة من الحدود الروسية، ومشروع قرار تم تقديمه إلى الكونجرس الأمريكي يعلن بشكل تلقائي أن حكم بوتين غير شرعي فيما بعد الانتخابات المقبلة المقررة في 2024.

ويبدو أن روسيا لا تمتلك نفس النفوذ الذي تمتلكه الصين لتحصل على تلك التعهدات التي قدمتها قوة عظمى إلى قوة عظمى أخرى. وكقوة عظمى تجسدت مؤخرا، تعتبر روسيا هذا الموقف مزعجا بشكل خاص، وتسعى لاستخدام الصراع المشتعل في شرق أوكرانيا للحصول على مزيد من النفوذ.

ويضيف بونوف أنه لذلك، يجد الغرب نفسه، يواجه معضلة غير مريحة تتمثل في تعزيز وضع روسيا، وبذلك يكافئها على استغلال صراع مشتعل، أو رفض منحها التعهد الذي ترغب في الحصول عليه، وبذلك يبقي على الصراع في وضعه المشتعل.

ورأى بونوف أن قيام روسيا بالكشف عن الاتصالات الدبلوماسية ودعوة بوتين للحصول على ضمانات، يمكن تفسيرهما بطريقتين، وهما إما أن موسكو لديها معلومات أن كييف تدرس جديا حلا عسكريا لمشكلة انفصاليي دونباس، وإما أن تكون روسيا نفسها تستعد لعملية عسكرية في شرق أوكرانيا، وهذه البيانات الانفعالية مجرد محاولة للتبرأ من المسؤولية عن أفعالها المستقبلية، وكأنها تقول إنه للأسف، موسكو حذرت من العاصفة القادمة، ودعت إلى اتخاذ إجراء، ولكن بلا فائدة.

استعادة دونباس بالقوة

واعتبر بونوف، إن المشكلة هي أنه إذا حدث السيناريو الأول وهو استعادة أوكرانيا لدونباس بالقوة، فإنه سيتحول إلى السيناريو الثاني على الفور، وهو غزو روسيا لأوكرانيا. ولن يكون هناك وقت كاف لدى الصحفيين والسياسيين الغربيين لاتخاذ قرار بشأن من الذي بدأ الحرب، أو الدافع وراء ذلك، نظرا لأن تحرك أوكرانيا سيكون على أرض يعترف المجتمع الدولي بأنها تابعة لها، على عكس روسيا التي سيتم وصفها حتما بالطرف المعتدي.

وحتى إذا كانت روسيا ترد فقط على إجراء اتخذته أوكرانيا، فإن تحركها سيعتبر غزوا، وهو شيء حذر منه الغرب. وسيكون تحديد طبيعة الرد المتناسب على استخدام القوة عملية طويلة وصعبة.

وفي كييف، ينظر إلى لهجة بيانات موسكو على أنها دلالة على أن موسكو نفسها تعد للهجوم أولا، وأنها تحاول ببساطة تحويل المسؤولية عن استئناف الأعمال العدائية إلى جهة أخرى. وتتذكر روسيا بوضوح محاولة جورجيا استعادة السيطرة على «أوسيتيا الجنوبية» عام 2008، والتي تم إحباطها بتدخل روسيا.

وإذا نظر الغرب إلى أي أحداث في دونباس في السياق الأوسع لهجوم روسي على وحدة أراضي أوكرانيا، وحتى استعادة الامبراطورية الروسية، فإن الكثيرين في موسكو يرون هذه الأحداث كهجوم من جانب سلطات كييف على سلامة الروس العرقيين. وفي مقالة مؤخرا حول التاريخ الأوكراني، كتب بوتين بمصطلحات قاسية بشكل مذهل عن اختفاء مئات الآلاف من الروس، وشبه هذا الأمر باستخدام أسلحة دمار شامل. ومن غير المرجح أن يتنحى رجل لديه مثل هذه الآراء ببساطة عن منصبه بدون حتى أن يحاول وقف هذه الأحداث المعاكسة. فماذا سيقول خلفاؤه؟ في نهاية الأمر، لقد حصلت أوكرانيا على الخيار اللائق المتمثل في اتفاقات مينسك والفيدرالية الطوعية، بينما تم منح الغرب الحياد الأوكراني، والخيارات المتبقية، الخيارات السيئة.

أعظم مخاوف روسياوأشار بونوف إلى أن روسيا من جانبها تكتشف خيارها الأسوأ. فعلى مدى ثلاثة عقود، كان أعظم مخاوف القيادة الروسية هو أن تنضم أوكرانيا (وبيلاروس) إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) وتنقل البنية التحتية العسكرية الغربية إلى حدود روسيا. والآن اتضح أن هذا يمكن أن يحدث حتى بدون حلف الناتو، وبطرق أكثر واقعية وطويلة المدى وأقل توقعا.

إن دولة مظلومة أو معتدى عليها تقوم ببناء هويتها بأكملها على رفض كل ما هو روسي، من السهل كثيرا أن تتحول إلى منطقة محصنة على حدود روسيا مقارنة بدولة مقيدة بإجراءات حلف الناتو. وفي غياب أي ضمانات أمنية من تكتل، فإن هذه الدولة ستكون مستعدة على الفور للترحيب بطائرات وسفن قوات أجنبية ولتجهيز جيشها واتخاذ إجراء بدافع الخوف.

ورأى بونوف أن استعدادات روسيا العسكرية ونشرها للاتصالات السرية ودعوة بوتين إلى الحصول على ضمانات بشأن حدودها الجنوبية الغربية، تشير إلى أن موسكو أدركت خطر التعايش مع هذه المنطقة المحصنة ولا تريد أن تقبلها، لكنها لا تعرف بعد ماذا تفعل بشأنها.

واختتم بونوف تقريره قائلا: «إن موسكو وكييف اختارتا في الوقت الراهن، زيادة أهميتهما من خلال إظهار- أنهما بسلوكهما المنضبط والمسؤول- ينقذان الإنسانية من خطر اندلاع صراع عالمي».

نذر هجوم عسكريوفي مقالهما المنشور في مجلة «فورين أفيرز» - ترجمة الجزيرة نت -، ناقش الكاتبان مايكل كيمدج ومايكل كوفمان الاستعدادات العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا، وإذا ما كانت موسكو تستعد حقا لاستخدام القوة الخشنة وغزو بلد أوروبي مجددا.

ويقول الكاتبان، «تلوح في الأفق نذر هجوم عسكري روسي في أوكرانيا هذا الشتاء، إذ عززت موسكو من وجود قواتها بطول الحدود الأوكرانية على مدار الأشهر الماضية بما يتيح لها أن تمهد الطريق لعملية عسكرية تحسم الانسداد السياسي في أوكرانيا لصالحها. ورغم أن الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» اعتاد التلويح باستخدام أدوات القوة في معرض الدبلوماسية، فإن موسكو تبدو بصدد عمل أكبر من التلويح هذه المرة. وإذا لم يتوصل أطراف الأزمة إلى اتفاق، فإن نيران الصراع قد تشتعل من جديد على نطاق أوسع بكثير».

ويشير الكاتبان أن القيادة الروسية لا ترى أفقا لحل دبلوماسي، وتظن أن أوكرانيا تنجذب رويدا نحو المدار الأمني الأمريكي، ولعلها تعتقد لهذا السبب أنه لا مفر من الحرب. هذا ويوقن القادة الروس بأن استخدام القوة لن يكون سهلا أو دون عواقب، لكنهم يرون أوكرانيا في مسار غير مقبول، ومن ثم فإن خياراتهم محدودة لإنقاذ سياستهم القائمة سابقا، بل ولربما توصل قادة روسيا إلى استنتاج مفاده أن اللجوء إلى الخيار العسكري اليوم سيكون أقل كلفة من الغد.

«تنافسا إستراتيجيا»ويكمل الباحثان، «تقف روسيا والولايات المتحدة، اللتان تتداخل دوائر نفوذهما في شرق أوروبا، على طرفي نقيض ما تسميه واشنطن «تنافسا إستراتيجيا»، بيد أن الهوة بين الأقوال والأفعال الأمريكية في أوكرانيا وغيرها من بلدان تفتح الباب أمام استغلال تلك الهوة قبل انقشاعها. لقد كشف الصراع السوري فتور العزيمة الأمريكية فيما يتعلق بهدفها المعلن سابقا برحيل «الأسد»، فلم تتكبد واشنطن عناء مواجهة الوجود العسكري الروسي، وسمحت لموسكو بتوسيع نفوذها بطول الشرق الأوسط وعرضه. وفي الوقت نفسه، كشف الانسحاب الأمريكي الفوضوي من أفغانستان، وما أثاره اتفاق الغواصات «أوكوس» مع أستراليا من غضب فرنسي بسبب إقصائها، عن مشكلات خطيرة في التنسيق بين أطراف التحالف الأطلسي.

ويشير المقال، «بينما تبدو واشنطن وقد أنهكتها الحروب، تتساءل روسيا ما إن كان الدعم السياسي المعلن من واشنطن لأوكرانيا ستصاحبه عزيمة حقيقية أم لا. وإذا ما تراءى لبوتين أن دعم المسؤولين الأمريكيين لوحدة الأراضي الأوكرانية محض كلمات -وما من دلائل في الحقيقة على أنه ليس محض كلمات- فإنه سيمضي دون رادع في تعديل ميزان القوى الإقليمي باستخدام القوة. هذا وسيكون من السفاهة بمكان أن يحاول بوتين غزو أوكرانيا كاملة، وهي بلد ضخم يقطنه أكثر من 40 مليون إنسان، لكنه لن يكون خياليا بالنسبة له أن يسعى لتقسيمها إلى نصفين أو أن يفرض تسوية توقف انزلاق أوكرانيا إلى المدار اليورو-أطلسي».

ويكمل، «لطالما حاولت روسيا مراجعة تسويات ما بعد الحرب الباردة. وقد كان هدف موسكو طيلة هذا الوقت هو استعادة منظومة إقليمية يملك فيها كل من روسيا والغرب القول الفصل بدرجة متساوية حيال الأمن في أوروبا. ومن غير المرجّح أن يعتقد بوتين بإمكانية تحقيق تسوية كتلك عبر الإقناع أو الدبلوماسية التقليدية، أما الفعل العسكري الروسي، فيمكنه أن يخيف الدول الأوروبية الكبرى بما يكفي لكي تقبل اتفاقا جديدا مع موسكو، لا سيما أن بعض تلك الدول ترى نفسها وقد تبوأت مقعدا من الدرجة الثانية في الإستراتيجية الأمريكية، وتفضل أن تتخذ موقعا في الوسط بين الصين والولايات المتحدة. في الأخير، لا يعني أي من ذلك أن سيناريو كهذا مرجح بالفعل، غير أنه يمكن أن يكون الاحتمال الدائر في عقول القادة الروس الآن.

السيناريوهات المحتملةويشير الباحثان أنه بوسع الولايات المتحدة أن تصل إلى استنتاجين من تعزيز الوجود العسكري الروسي قرب أوكرانيا، أولهما أن ذلك التحرك العسكري ليس استعراضا للقوة فحسب. ومربط الفرس بالنسبة إلى واشنطن هو أن تستعد لاحتمالية نشوب حرب، وأن تجري تنسيقات احترازية مع حلفائها الأوروبيين، وأن ترسل رسائل واضحة إلى موسكو بخصوص العواقب الوخيمة لشن عملية عسكرية. وإذا ما تحركت الولايات المتحدة الآن، فسيكون بوسعها أن تعمل مع الدول الأوروبية لرفع الكلفة الاقتصادية والسياسية أمام عمل عسكري روسي، ومن ثم تقليص احتمالية الحرب... أما الاستنتاج الثاني فهو أن الولايات المتحدة وأوروبا يتعين عليهما أن يتحليا بالصراحة حيال المأزق الدبلوماسي الحالي سواء نشبت الحرب بالفعل في الأشهر القادمة أم لم تنشب. ففي كل الأحوال، روسيا ليست في حالة تراجع جيوسياسي، ولا تنوي أوكرانيا بدورها أن تتراجع عن موقفها، واستمرار المعركة من أجل النفوذ في أوكرانيا سيظل جرحا لا يُمكن تضميده، وسيزداد سوءا بالقطع قبل أن يندمل. ولا ينفي ذلك أهمية البحث عن حل دبلوماسي يقلص خطر خروج الصراع عن السيطرة».

مؤكدين أن الصراع الدائر يعد المصدر الأوحد والأبرز لانعدام الاستقرار بين القوتين الروسية والأمريكية، ويبقى البحث عن توازن إستراتيجي بين القطبين أمرا عصيبا بينما يدور صراع في الوقت نفسه. بيد أن التنافس بين القوتين النوويتين الكبريين قد أخذ يحتدم، ما يجعل البحث عن التوازن الإستراتيجي ضرورة لا رفاهة أو خيالا.