العجز المالي السنوي لسلطنة عمان يسجل تراجعا يفوق التوقعات
تحليل - أمل رجب
إلى جانب الإجراءات التي تطبقها سلطنة عمان لتحقيق التوازن والاستدامة المالية، يسهم تحسن أسعار النفط الحالية في خفض معدلات العجز المالي بشكل ملموس والحد من ارتفاع صافي الدين الحكومي في ظل تراجع الحاجة للتمويل والاقتراض الخارجي، وتستهدف سلطنة عمان الإبقاء على سعر تعادل للنفط عند ٦٠ دولارا للبرميل وهو ما سينعكس بشكل جيد على استدامة الوضع المالي والتوازن بين الإنفاق والإيرادات العامة.
وبينما رصدت نشرة الأداء المالي عن شهر يناير من العام الجاري وجود فائض مالي خلال أول شهر من العام، فقد أوضحت بيانات رسمية عن معدل العجز المالي السنوي لسلطنة عمان انه سجل تراجعا يفوق التوقعات منخفضا إلى ٧٣٥ مليون ريال عماني بنهاية نوفمبر ٢٠٢١، وكانت التوقعات تشير في بداية العام الماضي إلى عجز مقدر في الميزانية بنحو ٢.٢ مليار ريال عماني، ومع اتجاه أسعار النفط للصعود بدءا من منتصف ٢٠٢١ تم خفض توقعات العجز إلى نحو ١.٢ مليار ريال عماني خلال عام ٢٠٢١، ومع انتهاء العام الماضي بمتوسط سنوي فعلي للنفط عند ٦٤.٣ دولار للبرميل تراجع العجز أكثر بشكل يفوق التوقعات السابقة، حيث سجلت الميزانية العامة لسلطنة عمان فائضا خلال الأشهر من أغسطس وحتى نوفمبر بينما لم تتضمن البيانات المالية الشهرية حتى الآن بيانات الأداء المالي لشهر ديسمبر وإن كان من المتوقع أن يشهد فائضا أيضا في ظل ارتفاع أسعار النفط منذ نهاية العام الماضي.
تستهدف الإبقاء على سعر تعادل للنفط عند ٦٠ دولارا للبرميل
وهو ما سينعكس جيدا على استدامة الوضع المالي وتوازن الإنفاق مع الإيرادات العامة
شهدت الفترة الماضية تحسن المؤشرات المالية والاقتصادية نتيجة للتوجيهات السامية والإجراءات الحكومية
من المنتظر أن تؤدي قفزة أسعار النفط مؤخرا إلى تجاوز السعر الفعلي المحقق لتقديرات النفط في الميزانية العامة
الضبط المالي وارتفاع النفط يسهمان في استمرار تراجع مؤشرات العجز والدين العام
وحسب البيانات التي نشرتها وزارة المالية ووردت في النشرة الشهرية الصادرة عن البنك المركزي العماني، اتجهت الميزانية العامة نحو تسجيل عجز مالي طوال الأشهر من يناير وحتى يوليو ٢٠٢١، ثم حققت فائضا في الأشهر التالية يقدر بنحو ١٥٤ مليون ريال عماني في أغسطس و٢٠ مليون ريال عماني في سبتمبر و٢٣ مليون ريال عماني في أكتوبر و٢٧١ مليون ريال عماني في نوفمبر.
وسجل إجمالي الإيرادات العامة ٩.٥ مليار ريال عماني بنهاية نوفمبر ٢٠٢١، مقارنة بـ ٦.٩ مليار ريال عماني بنهاية نوفمبر٢٠٢٠، ومن بين إجمالي الإيرادات المحققة فعليا العام الماضي بلغ صافي إيرادات النفط، بعد التحويل للصناديق الاحتياطية، أكثر من ٥ مليارات ريال عماني، وتجاوزت إيرادات الغاز ملياري ريال عماني، في حين سجلت الإيرادات غير النفطية ٢.٤ مليار ريال عماني مقارنة بـ ٢.١ مليار ريال عماني في الفترة نفسها من عام ٢٠٢٠.
ويأتي تراجع العجز المالي بدعم من إجراءات الضبط المالي وارتفاع أسعار النفط المحققة فعليا خلال العام الماضي بما يزيد عن التقديرات الأولية التي تضمنها تقديرات الميزانية العامة لعام ٢٠٢١ وحددت سعرا متوقعا للنفط عند ٤٥ دولارا للبرميل وعجزا ماليا متوقعا عند ٢.٢ مليار ريال عماني، وفعليا ارتفع متوسط النفط العام الماضي إلى ٦٤.٣ دولار للبرميل مع متوسط إنتاج يومي فعلي ٩٧١ ألف برميل وهو ما قلص من العجز المالي الفعلي.
ويزيد الإنتاج المستهدف للنفط العام الجاري نحو ٨٤ ألف برميل عن العام الماضي، وهو ما يرفع من حجم صافي إيرادات النفط خاصة في ظل الصعود الكبير للأسعار خلال الفترة الماضية بسبب الأزمة الأوكرانية وانخفاض مستوى الإمدادات النفطية في الأسواق العالمية في وقت يتواصل فيه ارتفاع الطلب بدعم من معاودة الاقتصاد العالمي للنمو بعد هدوء حدة الجائحة.
وخلال العام الجاري وضعت سلطنة عمان سعرا تحوطيا متوقعا للنفط عند ٥٠ دولارا للبرميل ومن المنتظر أن تؤدي قفزة أسعار النفط مؤخرا إلى تجاوز سعر النفط الفعلي لتقديرات الميزانية العامة وتحقيق فائض مالي جيد، وفي حال تحقق ذلك أشارت وزارة المالية إلى أن الفائض سيوجه نحو سداد التزامات الدين العام.
وبينما تحمل هذه التطورات في أسواق النفط انعكاسات إيجابية على تحسن المركز والوضع المالي لسلطنة عمان فإن هذا التحسن يجد أيضا دعما كبيرا من جملة الإجراءات الحكومية التي استهدفت الحد من تزايد الدين العام، وضمان الاستدامة المالية كأحد الممكنات الرئيسية لرؤية عمان ٢٠٤٠.
وشهدت الأشهر الماضية تحسن العديد من المؤشرات المالية والاقتصادية نتيجة للتوجيهات السامية والإجراءات الحكومية، وتتضمن تحسن الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية وتحقيق نمو بالأسعار الجارية ١٣.٨ بالمائة، مع توقع أن يبلغ ٣٢ مليار ريال عماني مع نهاية ٢٠٢١، كما تتوقع وزارة الاقتصاد أن يواصل الاقتصاد العماني النمو طوال سنوات الخطة الخمسية العاشرة.
ويذكر أنه قبل تبني حزمة إجراءات الضبط المالي وخطة التوازن المالي متوسطة المدى، كانت التقديرات تشير إلى عجز مالي متوقع سنويا بنحو ٤.٨ مليار ريال عماني، وبعد تبني هذه الإجراءات تضمن تحسن آفاق الوضع المالي انخفاض معدل العجز السنوي بنسبة ١٥.٥ بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام ٢٠٢٠ إلى ٣.٨ بالمائة في عام ٢٠٢١، ويتجه العجز لمزيد من التراجع مع توقع فائض هذا العام في حال استمرار صعود النفط، وقد نجحت سلطنة عمان حتى الآن في خفض سعر التعادل للبرميل النفط إلى ٦٠ دولارا للبرميل بعد أن كان سعر التعادل نحو ٨٠ دولارا خلال السنوات السابقة، وهو ما أدى إلى تبعات سلبية عديدة على الوضع المالي في ظل التذبذب الذي شهدته أسعار النفط وتراجعها في دورتين متتاليتين الأولى في عام ٢٠١٤ وما تلاها من سنوات والثانية بعد تفشي الجائحة وما أدت إليه من انهيار في أسعار النفط.
وإضافة إلى سداد التزامات الدين العام، شهد العام الماضي سداد ٤١٨ مليون ريال عماني متأخرات مالية عن السنوات السابقة، وسداد ١.٢ مليار ريال عماني مستحقات مالية لشركات القطاع الخاص حتى نهاية العام، وتخصيص ٢٠٠ مليون ريال للتكاليف المترتبة على إصلاح الأضرار الناجمة عن الأنواء المناخية «شاهين»، وكذلك تغطية مساهمة الحكومة في المصروفات الرأسمالية والتشغيلية لقطاعي النفط والغاز نتيجة تأخر الإجراءات التشغيلية لشركة تنمية طاقة عمان.
وكان من أهم نتائج إجراءات التوازن المالي انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لتبلغ ٦٨ بالمائة مقارنة بما كان مخطط له والمقدر ٨٣ بالمائة في عام ٢٠٢١، ومن المتوقع مزيد من التراجع للدين العام في ظل انخفاض الحاجة للاقتراض والتمويل الخارجي بسبب ارتفاع النفط، فضلا عن أن النمو المتواصل للناتج المحلي يسهم إيجابا في خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي.
وخلال الأشهر الأخيرة حصدت سلطنة عمان العديد من النتائج الجيدة لعملية الإصلاح المالي خاصة ما تم من تعديل وكالات التصنيف الائتماني العالمية لنظرتها للسلطنة إلى مستقرة وإيجابية، وتترقب السلطنة مزيدا من التحسن في تصنيفها الائتماني السيادي نظرا لوضوح السياسات المالية وتوجهها بشكل حاسم نحو تحقيق الاستدامة المالية مع استمرار ارتفاع أسعار النفط وتواصل تبني وتنفيذ خطة التوازن المالي متوسطة المدى، وقد رصدت وكالات التصنيف العالمية نقاط القوة التي تعزز آفاق التحسن في الوضع المالي، ومنها التراجع الملموس في ضغوطات السيولة النقدية واحتياجات التمويل الخارجي نتيجة استمرار السلطنة في تنفيذ الخطة المالية متوسطة المدى وارتفاع أسعار النفط منذ منتصف عام 2020م والتي ستسهم في تحسين الأداء المالي وانخفاض معدل الدين العام إلى نحو 60 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024م.
وقبل ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من ١٠٠ دولار للبرميل خلال الأيام الماضية، أصدرت وكالة موديز نهاية العام الماضي تقديراتها لمتوسط سعر النفط خلال الأعوام القادمة، مشيرة إلى أنها تتوقع متوسطا أكثر من 60 دولارا أمريكيا للبرميل، الأمر الذي من شأنه استمرار احتواء ضغوط التمويل الخارجية وتحسُّن الوضع المالي للسلطنة وانخفاض معدلات العجز الذي من المتوقع أن ينخفض من 18 بالمائة في عام 2020 إلى أقل من 2 بالمائة في عام2021م من الناتج المحلي الإجمالي، مما يعني تراجع الاحتياجات التمويلية الحكومية بشكل كبير من نحو ٢٢ بالمائة في عام ٢٠٢٠ إلى أقل١٠ بالمائة من إجمالي الناتج المحلي سنويًا خلال الأعوام ٢٠١٢ إلى ٢٠٢٣ بحسب توقعات الوكالة، مع حدوث انخفاض في عجز الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي من أكثر من ١٣ بالمائة في عام ٢٠٢٠ إلى أقل من ٤ بالمائة في الأعوام ٢٠٢١ إلى ٢٠٢٣، وأكدت الوكالة أن استمرار الحكومة في تنفيذ إجراءات تحسين الوضع المالي والاقتصادي خلال السنوات القليلة القادمة سوف يؤدي إلى تحسين التصنيف الائتماني للسلطنة لا سيما إذا أسهمت هذه الإجراءات في تطوير السياسات العامة وكفاءتها مما يعني تقليل حدة الصدمات المستقبلية، بالإضافة إلى تحسين آفاق النمو على المدى المتوسط من خلال التنويع الاقتصادي.
