No Image
الاقتصادية

التحول في أسواق النفط العالمية قد لا يطول

26 أغسطس 2022
26 أغسطس 2022

شهدت أسواق النفط العالمية انفراجة متواضعة في ظل اجتياح أزمة الطاقة بلدان أوروبا، فقد اتجهت أسعار النفط نحو الانخفاض مع تزايد قلق المتداولين من وضع الاقتصاد الدولي، لكن هذا التحول قد لا يستمر طويلا.

في الوقت الحاضر يحظى انخفاض سعر النفط بترحيب قادة العالم الذين يكافحون تضخما ارتفع إلى مستوى لم يبلغه منذ عقود. فالرئيس الأمريكي جو بايدن الذي تراجعت شعبيته مع ارتفاع أسعار البنزين قبل شهور قليلة لم يهدر الفرصة وأخطر الأمريكيين بأن قيادتهم للسيارات صار أرخص مرة أخرى.

وتجنبت أسواق النفط سيناريوهات كارثية كان محللو الطاقة يحذرون منها قبل ستة أشهر فقط عندما بدا أن من غير الممكن تجنب صدمة نفطية من شاكلة صدمة سبعينيات القرن الماضي مع احتمال مواجهة الطلب المنفلت في تصاعده بعد انحسار الجائحة انقطاعا جديدا في الإمدادات.

وذكر بنك جيه بي مورجان أن سعر نفط برنت قد يصل إلى 300 دولار للبرميل إذا نتج عن العقوبات الغربية على روسيا إغلاق واسع النطاق لقطاعها النفطي. لكن يوم الأربعاء (17 أغسطس) كان يجري تداول النفط عند 99.72 دولار للبرميل. وهذا يعني انخفاضا في سعره بأكثر من 28% منذ أعلى سعر بلغه هذا العام والذي قارب 140 دولارا للبرميل في الأيام التي أعقبت حرب روسيا على أوكرانيا في شهر فبراير.

مع ذلك يظل هذا السعر مرتفعا جدا (99.72 دولار للبرميل). فهو يساوي تقريبا ضعف متوسط السعر في الأجل الطويل. وهو أكثر من كاف للاستمرار في ضخ أرباح وفيرة لمنتجي النفط بدءا من ولاية تكساس الأمريكية وإلى الكرملين، لكنه مع ذلك لا يشكل صدمة سعرية.

على أية حال لا ينبغي لأي أحد أن يبدي تفاؤلا بشأن التراجع البطيء في السوق النفطية، فأسعار النفط يمكن أن تهبط لأسباب جيدة مثل الاختراقات التكنولوجية التي تقلل من حجم الطلب أو تحرر المزيد من الإمدادات، كما يمكن أن تتراجع أيضا لأسباب سيئة مثل حدوث انكماش اقتصادي، وسوق النفط في الوقت الراهن ليست في حال طيبة.

ويتراجع سعر النفط الحالي ليس لوفرة الإمدادات ولكن لأن التضخم المتصاعد وارتفاع أسعار الفائدة يقودان إلى ازدياد المخاوف من الانكماش خصوصا في أوروبا.

كما يضغط الطلب الفاتر على النفط في الصين على سوق اعتمد نموها على تعطش الصين الذي لا هوادة فيه للمزيد من النفط.

وعندما يكون وضع الإمدادات متينا فإنه يكون كذلك من مصدر غير متوقع مثل روسيا التي بالكاد أثرت العقوبات الغربية على قطاعها النفطي، أو من مصدر غير طبيعي كالولايات المتحدة حيث أمر بايدن بضخ النفط من الاحتياطي الفيدرالي الاستراتيجي إلى السوق.

ساعد ذلك على وضع سقف للأسعار، لكن السوق التي يحوّل قرارٌ حكومي دون انفلات أسعارها بمدّها بكميات قياسية من نفط الطوارئ ليست في وضع طبيعي.

بعض هذه العوامل التي تقود إلى تراجع الأسعار لديها تاريخ انتهاء سريان وسينتهي مفعولها بعد فترة معينة، فبرنامج السحب من مخزون الاحتياطي النفطي في الولايات المتحدة سينقضي أمده في نوفمبر القادم، وستكون هنالك حاجة إلى ملء مستودعاته مجددا، أيضا في ديسمبر من المقرر أن تحظر أوروبا وبريطانيا التأمين على السفن التي تنقل النفط الروسي، وهذه خطوة قد تقلص بشدة الصادرات الروسية وبطريقة لم تفعل بها ذلك العقوبات حتى الآن.

في الواقع لم تؤثر المخاوف الاقتصادية بعْد على الطلب، ومن الممكن أن يؤدي انكماش عميق إلى قلب كل أساسيات أسواق السلع رأسا على عقب على نحو ما حدث في ثمانينيات القرن الماضي عندما تراجعت النّدرة أمام وفرة استمرت لما يقرب من عقد.

لكن الانكماشات الاقتصادية القصيرة تميل إلى خفض الطلب على النفط لفترة وجيزة فقط. فعندما تتعافى الاقتصادات يتعافى الاستهلاك أيضا.

في الأثناء لا تزال أساسيات العرض والطلب التي أفزعت محللي النفط قبل شهور قليلة رابضة تحت السطح في السوق، فطاقة إنتاج أوبك الاحتياطية تضمحل وهي التي كانت تشكل مصدر نفوذها في السوق على مدى عقود.

بل حتى إنتاج أوبك الفعلي الآن أقل من حصصها حيث دخل إنتاج بعض أعضائها مرحلة التدهور الذي لا رجعة عنه. والسعودية المنتج المحوري لمنظمة أوبك والتي لديها حقا طاقة إنتاج احتياطي مهمة تفكر في إجراء تخفيضات إنتاج جديدة لتعزيز الأسعار. هذه الفكرة ستخيف البلدان المستهلكة للنفط ويمكن أن تحيّد تأثير أي نفط إضافي يأتي من إيران على الأسعار إذا خففت العقوبات على صناعتها النفطية.

لا يزال الاستثمار في الإنتاج الجديد خارج بلدان أوبك ضعيفا، فشارع وول ستريت (مركز المال والأعمال في نيويورك) متردد في تمويل المزيد من مشروعات الوقود الأحفوري التي قد تبطل السياسات المناخية الحاجة إليها، وتكرس شركات النفط الكبرى رأسمال أقل لمشروعات الشّقّ الأعلى (استخراج النفط) من ذلك الذي كانت تخصصه لهذا الغرض قبل الجائحة.

ويقلل الأمريكيون من قيادة سياراتهم على الرغم من هبوط أسعار البنزين، ويجبر المستثمرون شركات النفط الصخري التي كانت في وقت ما غزيرة الإنتاج على إنفاق الأموال التي حصلت عليها من ارتفاع الأسعار هذا العام (أرباحا) على الأسهم وليس استثمارها في الحفر باهظ التكلفة. لقد انقضى الوقت الذي يمكن أن تحفر فيه هذه الشركات آبارا كافية للوفاء بكل الطلب العالمي الإضافي على النفط.

ربما يبدو انخفاض إمدادات الوقود من المنتجين خبرا سارا لأنصار حماية المناخ، لكنه لن يكون كذلك إذا حفز على صدمة أسعار كتلك التي تواجه أوروبا في الغاز، فمثل هذه الصدمة تجبر الحكومات على دعم الاستهلاك، وبالإضافة إلى ذلك لا يظهر من المستهلكين ما يشير إلى أنهم يتخلصون من النفط في الأجل القصير، ومن المتوقع أن يصل الطلب العالمي إلى مستواه قبل الجائحة مرة أخرى ثم ينطلق مجددا إلى أعلى في عام 2023.

سيواجه العرض مصاعب للوفاء بالطلب، وقد يحجب انكماش اقتصادي أو ضخّ المزيد من نفط الطوارئ وضع الإمدادات الفعلي لبعض الوقت، لكن ذلك ليس من شأنه سوى جعل دورة ارتفاع الأسعار التالية أكثر شدة.

الترجمة عن الفاينانشال تايمز