اقتصاديون: رفع سعر الفائدة لحفظ أموال المودعين واستقرار قيمة الريال
د.شمسة الشيبانية: السيولة الكافية تشجع البنوك على الاستمرارية في توفير التسهيلات الائتمانية
د.سعيد المحرمي: عدم رفع سعر الفائدة يدفع المودعين لتحويل أموالهم إلى الخارج
د. يوسف البلوشي: التضخم مستورد وعلاجه في تحسين أداء القطاعات الإنتاجية
رفع البنك المركزي العماني سعر الفائدة على عمليات إعادة الشراء للمصارف المحلية بنسبة 3% بواقع 75 نقطة أساس بنفس قدر الزيادة التي أقرها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في يوليو الماضي؛ لارتباط قيمة الريال العماني بالدولار الأمريكي خلال العقود الخمسة الماضية، لذا وجب على البنك المركزي العماني أن ينتهج السياسة النقدية التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية.
وأوضحت الجمعية الاقتصادية العمانية أن ارتفاع معدلات التضخم في العالم، بسبب الانخفاض في سلاسل الإمداد نتيجة الجائحة خلال السنتين الماضيتين. وعزز هذا التضخم التطورات الجيوسياسية أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية، وأن البنك المركزي العماني وبقية البنوك المركزية في دول الخليج العربية قامت برفع الفائدة في كل مرة تماشيًا مع البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ونتيجة لذلك فإن البنك المركزي العماني رفع معدل إعادة الشراء تدريجيًا خلال العام ليصبح 3% مقارنة بنحو 2.5% في الولايات المتحدة الأمريكية.
وأكد خبراء اقتصاديون في استطلاع أجراه ( عمان الاقتصادي) أن البنك المركزي العماني رفع سعر الفائدة لحفظ أموال المودعين، واستقرار قيمة الريال العماني والاقتصادي الوطني، وأشاروا إلى أن أسعار الفائدة على القروض الشخصية لن تتغير في المستوى القريب والمتوسط؛ بسبب وفرة السيولة المالية في القطاع المصرفي، وأن التضخم في سلطنة عمان مستورد ويكمن علاجه في تحسين أداء القطاعات الإنتاجية.
كبح التضخم
وقالت الدكتورة شمسة الشيبانية خبيرة اقتصادية: إن القرار جاء تزامنًا وتماشيًا مع قرارات البنك الفدرالي الأمريكي في رفع أسعار الفائدة؛ لكبح الارتفاع الحاد في التضخم، ولأن الريال العماني مرتبط بالدولار، فقد قام البنك المركزي العماني برفع سعر فائدة إعادة الشراء في التمويل الذي تمنحه للبنوك التجارية والمؤسسات المالية من 0.5% في مارس 2022 وصولاً إلى 3.0% في الشهر المنصرم، ومن المتوقع أن يصل معدل التضخم في سلطنة عمان إلى نهاية العام إلى مستوى أقل من 3.0%، مؤكدة أن أسعار الفائدة على القروض الشخصية والشركات لن تتغير على المستوى القريب والمتوسط؛ لأن الأوضاع الاقتصادية في منطقة الخليج العربي بشكل عام جيدة في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز، و نمو سائر القطاعات النفطية وغير النفطية، الأمر الذي يجعل مستوى السيولة والمال المعروض في السوق كافيًا، وهذا يشجع البنوك على الاستمرارية في توفير التسهيلات الائتمانية بالأسعار نفسها الحالية؛ لأنها تعد عالية مقارنة بأسعار الفائدة إقليميًا وعالميًا.
أسباب رفع سعر الفائدة
من جانبه أوضح الدكتور سعيد المحرمي خبير اقتصادي أن من أسباب رفع البنك المركزي العماني لسعر الفائدة هو الحفاظ على أموال المودعين؛ لأن نسبة الفائدة أعلى في الدول الأخرى، وإذا لم يرفع البنك سعر الفائدة سوف يقوم أصحاب الأموال المودعين أموالهم في البنوك التجارية بتحويلها إلى الخارج، كما أن القرار يأتي للحفاظ على استقرار قيمة الريال العماني والاقتصاد والسيولة النقدية، مشيرًا إلى أن البنوك التجارية لن ترفع الفائدة على القروض الشخصية والتمويل؛ لأن السيولة المالية متوفرة، لكن التخوف من أن ترفع البنوك التجارية نسبة الفائدة على المقترضين، ولن تتقيد بتوجيهات البنوك المركزي العماني، فالبنك المركزي فقط قام بعمل إجرائي، وهو حث البنوك التجارية على عدم رفع نسبة الفائدة ولكن لم يلزمها.
ويرى المحرمي أن التضخم في سلطنة عمان هو تضخم مستورد؛ لأن معظم السلع والمنتجات والبضائع تستورد من الخارج، إذ أن تكلفة الشحن ارتفعت وبلغت 2٪، وأسعار الطاقة والـتأمين ارتفعت مؤخرًا فالتاجر أو المورد في الخارج أصبحت التكلفة عليه عالية جدًا، فيقوم برفع أسعار السلع والمنتجات التي يقوم بتصديرها.
انعكاسات سلبية
ويقول الدكتور يوسف البلوشي خبير اقتصادي: إن الاقتصاد العماني يعاني من تزايد مطرد في معدل التضخم، ويعرف التضخم على أنه الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، وعادة ما يقاس بالتغير في الرقم القياسي لأسعار المستهلكين، ويترتب على التضخم تدهور في القوة الشرائية للنقود أي إن شراء كمية محددة من سلعة ما يتطلب كمية أكبر من النقود مقارنة بالفترة السابقة، وهذا أمر مضرّ بالاقتصاد بشكل عام، ومن بين الأسباب لزيادة التضخم ارتفاع أسعار النفط العالمية التي أدت بدورها إلى زيادة أسعار المنتجات المشتقة منها، وزيادة تكلفة الشحن والتامين. ويكمن علاج مشكلة التضخم في سلطنة عمان في تحسين أداء القطاعات الإنتاجية، حيث إن اعتماد سلطنه عمان على الاستيراد يؤدي إلى التضخم المستورد، موضحًا أن للتضخم انعكاسات سلبية على النمو الاقتصادي، يتمثل أهمها في أن التضخم يؤدي إلى عدم اليقين حول الربحية المستقبلية للمشاريع الاستثمارية، وينجم عن ذلك تبني استراتيجيات متحفظة للاستثمار، وبالتالي انخفاض معدلات الاستثمار، ومن ثم معدلات النمو الاقتصادي، كما يؤدي إلى إضعاف القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، والضغط على ميزان المدفوعات، وارتفاع أسعار الفائدة، وتكلفة الاقتراض، مشيرًا إلى أن هناك علاقة بين التضخم وارتفاع سعر الفائدة الذي يعد أهم أدوات السياسة النقدية، حيث إن ارتفاع سعر الفائدة ينعكس على ارتفاع تكلفة الحصول على تمويل التي تنعكس بدورها على زيادة الأسعار.
اتفاقية إعادة الشراء
ويستخدم البنك المركزي العماني اتفاقية إعادة الشراء (الريبو ) للحفاظ على استقرار الريال العماني، والحد من هجرة رؤوس الأموال للخارج، وتعزيز الثقة بين المستثمرين، وإزالة خطر تقلبات أسعار الصرف، والتحكم في تضخم الأسعار للمستهلكين، وخلق سيولة بالقطاع المصرفي. وتعرف اتفاقية إعادة الشراء الريبو عندما يقوم البنك المركزي العماني بقرض البنوك التجارية بنسبة فائدة معينة مع تعهد البنك المركزي بإعادة الشراء في المستقبل القريب (يوم أو يومين) تستطيع خلالها البنوك التجارية الحصول على سيولة بشكل سريع وآمن.
وتكون الخيارات محدودة لحلحلة وتخفيض أسعار التضخم عادة في مثل هذه الظروف عندما يكون العرض هو السبب الرئيسي خلف الارتفاع في أسعار المستهلكين أو المواد بشكل عام، وكان من ضمن الخيارات الحالية والفعالة هو تدخل البنوك المركزية من خلال استخدام الأدوات الموجودة أو ما يعرف بالسياسة النقدية، وأسعار الفائدة بالتحديد من خلال رفع أسعار الفائدة، فبارتفاع أسعار الفائدة تنخفض معدلات التضخم، ويعود النشاط الاقتصادي من جديد، وتبدأ سلاسل الإمداد تتحلحل عندما تفك قيود الإغلاق.
وأدى ارتباط السياسة النقدية لسلطنة عمان بالدولار خلال السنوات الماضية إلى استقرار الريال العماني مقابل عملات الشركاء التجاريين للدول الأخرى، وأصبحت السياسة النقدية لعمان ذات مصداقية عالية، وكانت متوسط أسعار المستهلكين فيها طوال الخمس العقود الماضية في مستويات صحية.
في حين إذا لم يرفع البنك المركزي العماني سعر الفائدة سيخفق في عدم الالتزام بسياسة الربط إلى جانب سيكون متوسط أسعار الفائدة في سلطنة عمان أقل من متوسط أسعار الفائدة في الخارج، مما يؤدي إلى هجرة رؤوس الأموال والودائع سواء كانت من القطاع المصرفي أو من سوق المال خصوصًا في الاستفادة من العائد في الفارق.
وتظل توقعات التضخم في سلطنة عمان معتدلة نتيجة انتهاج نظام سعر الصرف الثابت، وأتاحت عائدات النفط والغاز المرتفعة حيزًا ماليًا أكبر للحكومة؛ لدعم المستهلك ولتعويض أي ضغوطات تضخمية في السلة. وستخفض معدلات التضخم تدريجيًا مع تحسن الأوضاع العالمية عندما تعود سلاسل الإنتاج مثل ما كانت قبل الجائحة، وتزامن الظروف الإيجابية الأخرى ستخرج الدول من أزمة التضخم العالمية الحالية.
توجيهات البنك المركزي
ووجه البنك المركز العماني البنوك المحلية وحثها أن لا تعكس رفع الفائدة بشكل مباشر دون وجود مبررات واضحة؛ لأن البنك المركزي العماني وفر سيولة مالية كبيرة للبنوك المحلية أثناء الجائحة، ولا تزال السيولة متوفرة بشكل كبير في السوق، والاقتصاد العماني حاليًا يطلع من ركود ويبدأ ينشط، بالتالي عقود العمل قليلة، والنشاطات ما زالت تصعد تدريجيًا، فليس من صالح البنوك المحلية أن لا تستمر في الإقراض كي ترفع فائدتها وتقوي أرباحها وملاءتها، وعقود إعادة الشراء بين البنك المركزي والبنوك المحلية منخفضة وهو ما يعكس أن البنوك ليست بحاجة أن تلجا للبنك المركزي للحصول على سيولة، فهناك وفرة وفائض في السيولة تعطي البنوك التجارية والقطاع المالي في سلطنة عمان ملاءة جيدة دون الحاجة لرفع الفائدة. ولكن واقعيًا توجد ظروف تحتم عليها من رفع الفائدة أم عدم رفعها كالمنافسة وتوفر السيولة المالية في السوق.
