No Image
الاقتصادية

إعداد اقتصاد العالم للعاصفة المقبلة

15 يوليو 2022
15 يوليو 2022

يتزايد احتمال انكماش اقتصاد العالم، أما آثار التضخم السلبية فقد بدأت سلفا كما يتعزز باطراد احتمال التضخم الركودي المتطاول (وهو ذلك الاقتران المؤلم بين ارتفاع التضخم وانخفاض النمو) حتى إذا تم تجنب هذا الانكماش.

الجائحة وغزو روسيا لأوكرانيا أطلقا المشاكل الراهنة من عقالها، لكن تحميل هاتين الصدمتين مسؤولية المستنقع الحالي يماثل القول بأن الأزمة المالية بين عامي 2007-2009 أوجدها تصحيح أسعار المساكن والذي اقتصر فقط على تفجيرها.

الصدمات تحدث وسواء تولدت الصدمة داخليا عن نظام مالي غذَّى فقاعة في قطاع الإسكان أو جاءت من حيث لا حيث يظل السؤال الجوهري نفس السؤال وهو: هل النظام المالي يخفف أثرها أم يضخِّمه؟

في الفترة بين 2007 و2009 أوجد الخلل الوظيفي الذي أصاب النظام المالي مزيدا من الخلل الذي أقعَدَ في نهاية المطاف باقتصاد العالم.

هنالك الآن ديناميات (قوى محركة) مماثلة تفعل فعلها، لكنها تنطلق من خارج النظام المالي، فسلاسل التوريد الطويلة والمعقدة وفجوات المعلومات داخلها تفاقم أثر الصدمات الأخيرة وتترك واضعي السياسات في حيرة من أمرهم.

الشيء الجيد هو تعاون هؤلاء المسؤولين والبنوك منذ الأزمة المالية لتشكيل نظام مصرفي أكثر مرونة إلى حد بعيد.

وعلى الرغم من الاختلافات المهمة بين القطاع المالي وباقي قطاعات الاقتصاد والدور المتواضع جدا للإشراف الحكومي خارج هذا القطاع إلا أن التصحيحات في النظام المالي تقدم مخطَّطا لأنواع التعديلات التي يمكن أن تساعد الاقتصاد على احتمال العاصفة القادمة على نحو أفضل.

أول درس مستفاد هو أن الشركات عندما تختار تخصيص الأولوية للمرونة سواء كان ذلك بمبادرة منها أو لأن واضعي السياسات يطلبون منها ذلك ستتمكن من إنتاج نظام قادر على تحمل صدمات كبيرة جدا.

عندما تفشت الجائحة لم يحدث أي ذعر مصرفي، وواصلت البنوك الإقراض وإصدار واسترداد الإيداعات وتسهيل المدفوعات بل ساعدت في أمريكا على توزيع المنح الحكومية للشركات الصغيرة.

تظل الهشاشات قائمة في النظام المالي وخصوصا خارج القطاع المصرفي الرسمي. لكن بشكل عام صار أكثر قدرة الآن وإلى حد بعيد على امتصاص الصدمات مقارنة بوضعه قبل 15 عاما، وحتى إذا حدث انكماش آخر يبدو هذا النظام في وضع جيد يمكنه من الصمود.

أحد التحولات التي حسَّنت إدارة المخاطر والمرونة تقليصُ التعقيد الباهظ التكلفة. لن يعود الإقراض والاقتراض أبدا إلى بساطتهما في أعوام الخمسينات عندما كانت النقود تنساب من المودعين إلى البنوك ومنها إلى المقترضين. لكن العقد الماضي شهد إعادة توازن مهمة. فأدوات "التوريق المالي المتعدد الطبقات" صارت إلى حد بعيد جزءا من الماضي. وتدنت قيمة الأوراق المالية المدعومة بالأصول وغير المسددة من أكثر من 1.2 تريليون دولار في صيف عام 2007 إلى أقل من 260 بليون دولار اليوم. كما تجعل التغييرات في هيكل سوق المشتقات البنوكَ أكثر قدرة على فهم وإدارة مخاطر الأطراف المقابلة.

تمكن هذه الأشكال من التعديلات البنوك من إدراك انكشافها بسرعة أكبر في حال حدوث صدمة سواء كانت هذه الصدمة هبوطا في أسعار المساكن أو جائحة عالمية. وهذا ما يعزز احتمال استجابتها بطريقة مدروسة بدلا من الجنوح إلى رد الفعل المبالغ فيه والتسبب في المزيد من الهزات.

وعلى الرغم من أن بعض هذه الإصلاحات فرضتها الحكومة إلا أن البنوك شرعت في تجنب التعقيدات الزائدة عن الحد بمجرد اتضاح المخاطر بأكملها وقبل فترة طويلة من أي توجيه حكومي.

على نحو مماثل، ما لا تعرفه (تجهله) الشركاتُ عن انكشافها لمخاطر "الشق الأعلى" في سلسلة التوريد هو ما ضخَّمَ خللها الحالي. فالشركات ركزت على الكفاءة في الأجل القصير إذ يمكن أن تبدو إضافة خطوة أخرى إلى عملية الإنتاج لكسب وفورات "تكلفة حَدّيّة" فكرة جيدة.

لكن الشركات غير المالية تتعلم الآن ما سبق أن أدركته البنوك في 2007- 2009 وهو أن طول سلاسل التوريد يوجد مصادر جديدة للهشاشة. تبسيطها وتقوية العلاقات على امتدادها يمكن أن يساعدا الشركات على التعرف على المخاطر وتقليل الأعطال التي كثيرا ما تعقب الصدمات.

الدرس الثاني المُستفاد هو أن معايير البيانات الجيدة التصميم يمكنها مساعدة الشركات وواضعي السياسات على فهمٍ وإدارةٍ أفضل للانكشاف للمخاطر. على سبيل المثال عندما انهار بنك "ليمان بروذرز" كانت ندرة البيانات الجيدة عن الجهات التي تضررت وحجم تضررها هي التي ضخمت الخلل الذي أعقب انهياره، فالبنوك بسبب افتقارها إلى معلومات تتصف بالصدقية رفضت الوثوق ببعضها البعض، وهذا ما قاد إلى تفاقم الأزمة التي أعقبت ذلك.

من أجل تقليص فجوات المعلومات هذه عملت الصناعة المصرفية مع واضعي السياسات لإيجاد نظام دولي لمعرِّفات الكيان القانوني، ثم ساعدت الجهات التنظيمية على ضمان التبني الواسع النطاق لهذه المعرِّفات بالتوجيه باستخدامها في أسواق معينة.

انعدام المعرفة اليقينية والأشياء المجهولة كثيرا ما تضخم عواقب الأخبار السيئة. ومن الممكن أن تجعل معايير البيانات الجيدة التصميم والواسعة الاستخدام المجهولَ معلوما. هذا يمكن أن يقلل الذعر (المالي) ويقود إلى تدخلات حكومية أكثر تحديدا للهدف وفي توقيت مناسب. إذا نشبت حرب تجارية جديدة أو استحكم انكماشٌ اقتصادي ستساعد هذه الأنواع من الاستجابات النظامَ المالي على امتصاص الصدمة والاستمرار في أداء عمله.

يمكن عمل المزيد لتعزيز نوعية وانتشار معايير البيانات في القطاع المالي. لقد شرعت الشركات غير المالية سلفا في تحسين قدرتها على تعقب السلع على طول سلسلة التوريد. لكن حتى معايير البيانات التي تفيد كل أحد، كما يكشف النظام المالي، في حاجة إلى دفع من واضعي السياسات، يمكن للجهات التنظيمية تجميع مختلف وجهات النظر المطلوبة لإنتاج معيار قابل للتطبيق والمساعدة على تمهيد السبيل لتبنيه على نطاق واسع.

الدرس الثالث والأخير المستمد من القطاع المالي هو قيمة "اختبار التحمُّل" يعني هذا الاختبار محاولة معرفة مدى قدرة شركة ما على الصمود في وضع سيء مفترَض قبل أن تواجه وضعا سيئا بالفعل. ما الذي يمكن أن يحدث لعمليات شركة ما ولأوضاعها المالية إذا غزت الصين تايوان وتوقفت كل التجارة بين أمريكا والصين مؤقتا؟ ماذا إذا بلغت أسعار الفائدة في الأجل القصير 10% وهبطت سوق الأسهم إلى النصف؟ أو إذا قضت حرائق مدمرة على مُورِّد بالغ الأهمية؟

استخدمت البنوك منذ فترة طويلة اختبارات التحمل لتقييم مدى قابليتها هي نفسها على البقاء إذا أحدقت بها المشاكل. كما تستخدمها أيضا لتقييم متانة "أطراف مقابلة" مهمة.

يمكن أن تكشف هذه التمارين التي تستشرف المستقبل عن مواطن الضعف وتسمح بالتالي للشركات باتخاذ إجراءات تصحيحية قبل فوات الأوان. اختبارات التحمل يمكنها أيضا الكشف عن مواضع القصور في قدرة الشركة المعنية على إعداد تنبؤات مؤسسة على معلومات مما يقود إلى إدارة أفضل للمخاطر.

توجه الجهات التنظيمية الآن بإجراء اختبارات التحمل المصرفية وتشرف عليها. لكن بنوكا عديدة تنفذ اختبارات تحمل تفوق في تنوعها وعددها ما تطلبه منها الحكومة لأنها تزودها بمعارف قيمة.

ما لا تعرفه في اقتصاد اليوم الذي يعجُّ بالوسطاء يمكن أن يؤذيك، وفي مقدور اختبار التحمل خصوصا عندما يترافق مع معايير بيانات وهياكل أكثر بساطة تحقيق الكثير فيما يتعلق بتقليل الأشياء المجهولة.

المعلومات التي تتصف بالصدقية هي بالضبط ما يحتاجه شركاء السوق في المصارف وغيرها للمحافظة على رباطة الجأش والتصرف في هدوء وبطريقة مرتبة حين تقع الأحداث السيئة.

البنوك أبعد جدا من أن تكون نماذج مثالية للمرونة وقليلة هي القطاعات التي يجب تنظيمها بنفس درجة تنظيم القطاع المالي، لكن لا يلزم أن تكون المماثلات مثالية لكي تقدِّم معارف قيمة.

شهد القطاع المالي العديد من التصحيحات ليس بسبب توجيهات حكومية ولكن لأن الأزمة زودت البنوك برؤية جديدة عن أخطار التعقيد الزائد عن الحد وقيمة التخطيط المبكر للكوارث.

مع أوضاع النقص في الإمدادات البالغة الأهمية من الأصباغ الطبية إلى تركيبة غذاء الأطفال قد يكون لدى السلطات التنظيمية دور متعاظم لضمان المرونة في ميادين تتجاوز القطاع المصرفي.

تحسنت كثيرا عافية البنوك والنظام المصرفي عموما منذ سنوات الأزمة المالية العالمية 2007-2009. واليوم تشير مشاكل سلسلة التوريد وعواقبها إلى أن الوقت قد حان للشركات والجهات التنظيمية للشروع في اللحاق بالبنوك وبنظامها.

الكاتبة أستاذة القانون بمدرسة كولومبيا للقانون وخبيرة في النظامين المصرفي والمالي ومؤلفة كتاب حديث بعنوان "التبادل المباشر: ظهور اقتصاد الوسطاء وقوة الذهاب إلى المصدر"