No Image
الاقتصادية

أسرار قوة الدولار

16 سبتمبر 2022
16 سبتمبر 2022

في عام 1971 قال جون كونالي وزير الخزانة في إدارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مخاطبا نظرائه من بلدان الاقتصادات الكبرى الأخرى «الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم».

السياق الذي ذكر فيه كونالي ذلك صار تاريخا الآن، إنه الاحتضار البطيء لنظام اتفاقية بريتون وودز، (ربط هذا النظام الذي أُستحدِث في عام 1944 قيمة عملات البلدان بالدولار والدولار بالذهب وحولته بذلك من عملة محلية خاصة بالولايات المتحدة إلى عملة احتياطيات دولية-المترجم.)

لكن ما قاله كونالي، وهذا لافت، لا يزال صحيحا بعد كل هذه السنوات.

أقول لافتا لأن أمريكا لم تعد تسيطر على اقتصاد العالم على نحو ما كانت تفعل في وقت ما، في عام 1960 كانت الولايات المتحدة تسهم بحوالي 40% من إجمالي الناتج المحلي العالمي أما الآن فنصيبها أقل من الربع (25%)، إلى ذلك هنالك الآن عملتان أُخرَيان غير الدولار هما اليورو واليوان تخدمان اقتصادات تساوي في حجمها اقتصادنا (الأمريكي) تقريبا.

مع ذلك لا يزال الدولار مهيمنا في أسواق المال العالمية، على سبيل المثال حتى الآن عندما تقترض الأسواق الصاعدة من الخارج تُقَوَّم ديونُها وعلى نحو طاغٍ بالدولار الأمريكي.

الهيمنة الاقتصادية للدولار كما يبدو تُضفِي على سعر صرف عملة الولايات المتحدة (قيمة الدولار مقومة أو محسوبة بالعملات الأخرى) أهمية فائقة في اقتصاد العالم.

تحاجج ورقة جديدة أعدها الاقتصاديان موريس أوبسفيلد وهاونان تشو بوجود " دورة عالمية للدولار". فعندما يكون الدولار قويا، بحسب الباحثَين، يُوجِد توترا ماليا واقتصاديا حول العالم، والدولار صار قويا جدا مؤخرا.

في اعتقادي، هنالك ثلاثة أسرار كبرى بشأن قوة الدولار، أولها وأسهلها لماذا يظل الدولار مهيمنا حتى عندما لا يكون اقتصاد الولايات المتحدة كذلك؟ وثانيها سؤال أشد مدعاة للحيرة وهو لماذا لتقلُّبات الدولار مثل هذه التأثيرات العالمية القوية؟ ثالثا وأخيرا هنالك السؤال التالي: لماذا ارتفعت قيمة الدولار بهذا القدر الكبير مؤخرا؟

بالنسبة للسؤال الأول جزء من الإجابة يتمثل في دور التاريخ، فعندما تؤسس عملةُ بلدٍ ما لنفسها هيمنة دولية تتجه تلك الهيمنة إلى تخليد (تأبيد) نفسها.

إجراء المعاملات بالدولار أكثر سهولة وأرخص لأن أعدادا كبيرة من الناس تستخدم الدولار، والاقتراض بالدولار يكون أرخص لأن «فوترة» الكثير من التجارة العالمية تتمُّ بالدولار، والتكلفة المنخفضة للتمويل تشجع على الفوترة بالدولار.

أيضا استخدام عملة من العملات عالميا أيسر وأكثر أمانا إذا كانت مدعومة بسوق مالية وطنية تتيح شراء وبيع الأصول بسهولة.

الأسواق المالية لبلدان منطقة اليورو ضخمة في مجموعها. لكنها متشظية نوعا ما، مثلا السندات الإيطالية تباع بخصم مقارنة بالسندات الألمانية، إلى ذلك، من الصعب الشعور بالأمان في الاعتماد على أسواق الصين حين تفرض قيودا على دخول وخروج الأموال، هذا فضلا عن عدم انتظام سياساتها النقدية.

لكن حتى إذا كانت هنالك أسباب وجيهة لهيمنة الدولار ما هو السبب وراء ضخامة آثار التقلبات في قيمة الدولار؟

بحسب موريس أوبسفيلد وهاونان تشو، ارتفاع سعر الدولار يوجد مشاكل للموازنات حول العالم لأن الكثير من ديون العالم مقومة بالدولار.

هذا تفسير معقول. لكني رغم ذلك أجد الحجم الواضح لهذه التأثيرات مدهشا وغير عادي إلى حد بعيد، أنا محتار خصوصا من متانة العلاقة بين الدولار وأسعار السلع العالمية كالنفط والقمح.

لنطرح المسألة على النحو التالي، قد تعتقدون، أو قد أعتقد أنا على أي حال، أنه عندما يرتفع سعر الدولار مقابل اليورو فإن سعر النفط على سبيل المثال سيهبط بالدولار، لكنه سيرتفع باليورو، غير أن هذا ليس ما وجده موريس أوبسفيلد وهاونان تشو في بحثهما، وهما بذلك يؤكدان نتيجة لاحظتُها عدة مرات.

لقد وجدا أن "ارتفاعا في قيمة الدولار بنسبة 1% يرتبط أيضا بهبوطٍ بنسبة مئوية أعلى كثيرا في متوسط أسعار السلع العالمية."

فعندما يرتفع سعر الدولار مقابل اليورو لا يهبط سعر النفط بالدولار فقط ولكنه يفعل ذلك باليورو أيضا.

وهكذا يساعد ارتفاع الدولار على توضيح سبب بقاء أسعار النفط العالمية الآن عند حوالي نفس مستواها قبل غزو روسيا لأوكرانيا.

كما يفسر أيضا تراجع حتى سعر القمح عن "معظم" ولكن ليس "كل" الارتفاع الذي حَفَزَت عليه الحرب.

لكن لماذا ارتفع سعر الدولار إلى هذا الحد؟ للوهلة الأولى تبدو الإجابة واضحة.

فالمسألة تتعلق كلها ببنك الاحتياط الفدرالي، لقد ظل البنك يرفع أسعار الفائدة بهدف خفض التضخم.

هذا التشدد في السياسة النقدية، بافتراض ثبات العوامل الأخرى، هو الذي يجعل شراء الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية وبالتالي يزيد من قيمته.

لكن بنك الاحتياطي الفدرالي ليس هو البنك المركزي الوحيد الذي يرفع أسعار الفائدة. في العادة يعتقد خبراء الاقتصاد الدولي أن أسعار الصرف تحركها أسعار الفائدة في الأجل الطويل وليس أسعارها في الأجل القصير. وأسعار الفائدة في الأجل الطويل تعتمد ليس فقط على ما سبق أن فعله البنك المركزي ولكن على ما يتوقع المستثمرون أن يفعله في المستقبل.

وهاهنا الشيء الغريب والعجيب. فأسعار الفائدة في الأجل الطويل ارتفعت في أوروبا بنفس مستوى ارتفاعها في الولايات المتحدة.

في ديسمبر 2021 كان سعر الفائدة (العائد) على السندات الأمريكية لمدة 10 سنوات 1,47%. وكان سعر الفائدة المقابل له في ألمانيا ناقص 0.38%، عاكسا بذلك اعتقاد المستثمرين بأن الاقتصاد الأوروبي يواجه سنوات عديدة من النمو الضعيف. وحتى تاريخ نشر هذا المقال (9 سبتمبر) كان سعر الفائدة عند 3.26% مرتفعا بذلك 1.79 نقطة منذ ديسمبر الماضي. وارتفع سعر الفائدة في ألمانيا 2.05 نقطة إلى 1.76% خلال الفترة نفسها. وهكذا يبدو أن لسياسة أوروبا النقدية نفس فعالية السياسة النقدية الأمريكية أو أكثر، فلماذا إذن تهاوى اليورو؟

ليس من الصعب التوصل إلى بعض الأسباب المحتملة خصوصا حقيقة أن مقاطعة روسيا النفطية الفعلية تؤذي أوروبا بشدة.

على أي حال قوة الدولار لا تتعلق فقط، كما يبدو، بحرب بنك الاحتياط ضد التضخم.

لكن مهما كان السبب من الواضح أن الدولار القوي يلحق ضررا فادحا بالاقتصادات حول العالم، ومرة أخرى الدولار عملتنا (نحن الأمريكيين) لكنه مشكلتهم، هل ينبغي أن يؤثر هذا على السياسة النقدية؟

كلوديا سام الاقتصادية السابقة ببنك الاحتياط الفدرالي (ومخترعة مؤشر الانكماش الشهير المعروف بقاعدة سام) ظلت تنتقد بشدة الخط المتشدد الذي يتبعه بنك الاحتياط تجاه الانكماش، ومؤخرا حاججت في حماس أن البنك مسؤول عن النظر في الضرر الذي تسببت فيه سياساته لباقي العالم. حجة كلوديا وجيهة.

لسوء الحظ لا أعتقد أن بنك الاحتياط سينصت،على الأقل حتى الآن. فلا يزال مسئولو البنك يشعرون يقلق بالغ من احتمال رسوخ التضخم المرتفع في اقتصاد الولايات المتحدة. وستطغى هذه الخشية على كل شيء آخر إلى أن تظهر مؤشرات واضحة على هبوط التضخم الأساسي.

لكن حين يشعر البنك بفسحة من الوقت لالتقاط الأنفاس سيلزمه الشروع في الاهتمام بالتداعيات الدولية (لسياسته النقدية المتشددة).

ربما الدولار«مشكلة» البلدان الأخرى، لكن أمريكا، حتى حين تُقصِر اهتمامَها على مصلحتها فقط، ستحتاج إلى العيش في عالم تُعِينُ سياساتنا على تشكيله.

الكاتب حائز على جائزة نوبل للاقتصاد في عام 2008.