No Image
الاقتصادية

أثر العقوبات الجديدة على اقتصاد روسيا

04 مارس 2022
04 مارس 2022

الإيكونومست - ترجمة قاسم مكي

منذ استيلاء روسيا على القِرْم في عام 2014 فشلت العقوبات الغربية في إلحاق الأذى بموسكو أو تشكيل رادع يتسم بالصدقية. لكن ذلك تغير مع الإجراءات الجديدة التي أعلنتها أمريكا وبلدان الاتحاد الأوروبي والحلفاء الآخرون في 26 فبراير ضد النظام المالي لروسيا.

جاءت هذه الإجراءات متأخرة عن أوانها وبعد غزو أوكرانيا. لكنها قادرة على إثارة فوضى مالية في روسيا لأنها تستهدف البنك المركزي الروسي. وقد تقود إلى تجميد احتياطياته من النقد الأجنبي المقدرة بحوالي 630 بليون دولار.

وقد يطلق هذا الاستهداف بدوره تهافتا على سحب الودائع من البنوك ومن العملة الروسية ويحدث هزات في الأسواق العالمية ويتسبب في قفزة أخرى لأسعار الطاقة. كما قد يقود إلى رد انتقامي من جانب روسيا.

في 27 فبراير ذكرت روسيا أن العقوبات «غير شرعية». وأشارت إلى أن قواتها النووية وضعت على أهبة الاستعداد ردا على ذلك.

كما سيُنظر إلى استخدام الغرب لهذا السلاح الاقتصادي بتوجس بالغ في الصين التي لديها احتياطيات تبلغ حوالي 3.4 تريليون دولار. وستفكر بيجينج الآن مجددا في كيفية مقاومة الضغوط الغربية في حال اندلاع حربٍ حول تايوان.

في الماضي وحتى الآن ظلت العقوبات الغربية «ضجيجا» دعائيا بسحق روسيا ولكن «دون طحن». مثلا العقوبات على أوليجارش (أثرياء) روسيا وثرواتهم في الخارج قادت بعضهم إلى الدعوة لوقف سفك الدماء. لكنها لم تغير طريقة اتخاذ القرار في الكرملين.

في الأثناء ستستغرق القيود المفروضة على صادرات الغرب التقنية والصناعية إلى روسيا شهورا أو سنوات كي تحدِث أثرا. بل حتى العقوبات الأمريكية التي أعلنت في 24 فبراير ضد بنكين روسيين لا تشكل ضربة قاضية، رغم خطورتها، خصوصا بالنظر إلى استثناء معاملات تجارة الطاقة. (البنكان هما سبيربانك ومصرف في تي بي ويحتفظان فيما بينهما بحوالي 75% من أصول القطاع المصرفي في روسيا).

وبدا أن النظام المالي «المُحصَّن» لروسيا قادر على الصمود في وجه الأسلحة الاقتصادية التي تجرأ الغرب على استخدامها.

لكن عاصفة عقوبات 26 فبراير تذهب إلى أبعد من ذلك. لقد ركزت العديد من عناوين الأخبار في أمريكا وأوربا على قرار فصل بعض البنوك الروسية، وربما مصرفي في تي بي وسبيربانك، من خدمة النظام الدولي لمراسلات المدفوعات عبر الحدود (سويفت).

في الحقيقة قرار سويفت تدريجي وليس فوري الأثر ومغيرا للعبة. وهو يجعل كل الأطراف المقابلة (في معاملات المدفوعات المالية) وليس الغربية فقط مترددة في التعامل مع الجهات المصرفية الروسية. وإذا اختارت أن تفعل ذلك سيلزمها اللجوء إلى البريد الإلكتروني والهاتف للتراسل مما سيضيف المزيد إلى أعبائها.

لكن الخطوة الكبيرة حقا هي استهداف المؤسسة المالية التي تتموضع في قلب اقتصاد روسيا والمتمثلة في البنك المركزي.

يحتفظ البنك بحوالي 630 بليون دولار من الاحتياطيات الأجنبية. وهي تكافئ 38% من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا في عام 2021. (قد تشمل العقوبات أيضا أموالا أخرى تديرها الحكومة). ويقول المسؤولون في إدارة بايدن أنهم سيعملون مع أوروبا للحيلولة دون استخدام هذه الاحتياطيات من جانب البنك المركزي لتقويض أثر العقوبات.

قلصت روسيا، كجزء من استراتيجية تحويل اقتصادها إلى «قلعة» محصنة، نسبةَ الدولار في تركيبة احتياطياتها. فبداية من يونيو 2021 أبقت على 16% فقط من الاحتياطيات المقومة بالعملة الأمريكية مقابل 32% باليورو و22% بالذهب و13% باليوان الصيني.

لكن من المرجح أن معظم موجوداتها من الأوراق المالية والودائع المصرفية والأدوات المالية الأخرى، بصرف النظر عن العملات المقومة بها، توجد في حسابات بمؤسسات مالية أو في بلدان ستطبق العقوبات الغربية. ذلك يعني إمكانية تجميد بعض أو حتى كل أموال الطوارئ القومية لروسيا.

ردا على الإجراءات الجديدة ذكر البنك المركزي في 27 فبراير أنه لديه الآن كل الموارد والأدوات المالية الضرورية للحفاظ على الاستقرار المالي. لكن مقتضيات ذلك مضنية. فإذا لم تتوافر للبنك المركزي إمكانية الحصول الفوري على الاحتياطيات سيكون من الصعب عليه التدخل في سوق العملات باستخدام الأموال النقدية لدعم تراجع الروبل، على نحو ما حدث في الأيام القليلة السابقة. وقد لا يكون بمقدور البنك المركزي تقديم السيولة بالعملة الأجنبية للبنوك الخاضعة للعقوبات مما يزيد من احتمال عجزها عن الوفاء بالتزاماتها بالعملة الأجنبية للأطراف المقابلة. ولن يكون البنك قادرا على العمل كوسيط لمثل هذه البنوك بتحويل أو استقبال المدفوعات الأجنبية مع الأطراف المقابلة الأجنبية بالنيابة عنها . وهذه هي إحدى الوسائل النظرية لتجنب العقوبات.

كل ذلك يشير إلى رعبٍ متعاظم في نظام روسيا المالي. حتى الآن (27 فبراير) يمكن تحمل الخسائر الناجمة عن الحرب رغم قسوتها. فالعملة الروسية هبطت بنسبة 10% منذ بداية العام وحتى الآن وسوق الأوراق المالية بحوالي 35% وأسعار أسهم أكبر البنوك بما يزيد عن 50%. وحتى تاريخ 25 فبراير، كانت تكلفة التأمين ضد عجز الحكومة الروسية عن سداد الديون مماثلة لتركيا. والآن من المرجح أن تتعاظم الضغوطات. وقد يفقد الروس العاديون الثقة في النظام المصرفي على الرغم من أن سحوباتهم مقومة بالروبل ويستطيع البنك المركزي أن يعوض عن ذلك بتقديم قروض بالروبل للبنوك. تستطيع روسيا بفضل إيراداتها النفطية تحقيق فائض في حسابها الجاري والحصول من الخارج بأكثر مما تشتري منه. لكن إذا كانت هنالك نوبة رعب وهروب لرؤوس الأموال بدون القدرة على استخدام احتياطياتها قد تضطر إلى فرض ضوابط متشددة على رأس المال لمنع انهيار عملتها. وقد تختار أيضا إغلاقا مؤقتا لأسواقها المالية (سبق لها حظر بيع الأسهم على المكشوف). إلى هذه اللحظة، ورغم وجود بعض المؤشرات بأن البنوك الصينية تنأى بنفسها عن المعاملات المقومة بالدولار مع الشركات الروسية، ليس هنالك ما يشير إلى أن الصين أو بلدان آسيوية عديدة أخرى تنوي تطبيق العقوبات الغربية.

لكن الآن مع ارتفاع مخاطر عجز البنوك والشركات والحكومة الروسية عن سداد التزاماتها بالعملة الأجنبية ستكون كل الأطراف المقابلة وليس الغربية فقط أكثر حذرا (في التعامل معها). الإجراءات العقابية الجديدة قاسية إلى درجة أن روسيا قد تعتبرها أقرب إلى أعمال الحرب وتدفعها إلى رد انتقامي. ففي27 فبراير ذكرت روسيا أنها وضعت قواتها النووية على أهبة الاستعداد (القتالي). اتخذت موسكو هذه الخطوة للإشارة إلى أن الكرملين لا يعتقد بوجود فاصل واضح بين الحرب الاقتصادية والتقليدية. وقد يلزم الغربَ الآن تعديلُ موقفِه النووي ردا على ذلك. هنالك طرق أخرى لروسيا للرد على العقوبات. إحداها تكثيف الهجمات السيبرانية (الإلكترونية) على المؤسسات الغربية. طريقة أخرى وهي الحد من الإمدادات النفطية إلى أوروبا. كانت روسيا حتى يوم 25 فبراير قد أعادت إمدادات الغاز من شركة جازبروم عبر أوكرانيا إلى مستوياتها المعتادة، بحسب بلومبيرج. لكنها ربما تقلل هذه الإمدادات الآن. ولن يكون الأثر المالي على روسيا كبيرا جدا. فصادراتها النفطية أهم كثيرا لاقتصادها. لكن من شأن هذا الخفض أن يقود إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتضخم فاتورة المستهلكين في أوروبا. في هذا السيناريو ستظل لدى الغرب أسلحة اقتصادية أخرى يمكنه أن يصعِّد بها المواجهة. من بينها حظر خدمات الإنترنت الاستهلاكية أو فرض عقوبات على النفط الروسي. هل تفلح هذه العزيمة «المستجدَّة» للغرب في توجيه ضربة ماحقة لاقتصاد روسيا قبل أن توجه روسيا ضربة عسكرية ساحقة لأوكرانيا؟ لم تتضح الإجابة على هذا السؤال بعد. لكن الإجراءات الجديدة ستلحق ضررا بالغا بروسيا. كما تمثل أيضا قرارا لا سبيل إلى الرجوع عنه ومن شأنه أن يغير بشكل جذري كيفية عمل العقوبات والاقتصاد الدولي. ذلك لأن الكثير من البلدان الأخرى التي تتَّبع سياسات خارجية لا توافق عليها أمريكا لديها مبالغ كبيرة من الاحتياطيات. أكبر هذه البلدان الصين ومعظم احتياطياتها عبارة عن مدخرات ضخمة تحتفظ بها إما في أدوات مالية غربية أو من خلال شركات غربية.

ستعكف الصين على مراقبة الضغوطات المالية على روسيا والتعلم منها ومن كيفية ردِّ روسيا عليها وستحاول تقييم الكيفية التي يمكن أن تتجنب بها سحقها بكماشة عقوبات الغرب.