أفكار وآراء

موسم الحج .. «ليس من رأى كمن سمع»

25 أغسطس 2019
25 أغسطس 2019

أحمد بن سالم الفلاحي -

shialoom@gmail.com -

في أغلب الأحيان؛ يعود الحجاج بعد أداء مناسك الحج؛ ليتحدثوا عن قضايا كثيرة، وأغلب هذا الحديث يذهب مذهب النقد المباشر لجهات مختلفة، ولأن الوضع لا يحتمل النقد وتوجيه اللوم، لحالة الاستنفار الغالبة على المشهد، وهي حالة يعيشها كل حاج، وليس فقط الجهات المنظمة لهذه الشعيرة التعبدية المباركة

وهي حالة أيضا يزيد توهجها كل عام، نظرا للأعداد المتزايدة من حجاج بيت الله الحرام الذي «يباهي» الله بهم ملائكته في يوم عرفة: «انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا» فهذه الشعيرة التعبدية لها خصوصيتها الدينية، وخصوصيتها المكانية، وخصوصيتها الإنسانية، فإذا كانت الصلاة؛ وهي الركن الثاني في الإسلام؛ من حيث تسلسل الأهمية فهي تحمل خصوصيتها الفردية بفردية المسلم المؤدي لفرضيتها الواجبة اللازمة؛ تحت أي ظرف، لأنها مرتبطة بالفرد المسلم كفرد؛ قبل كل شيء، ومن ثم تأخذ أهميتها كشعيرة تعبدية مرتبطة بالجماعة أيضا، بعكس شعيرة الحج التعبدية التي ترتبط بالجمع من حيث الأداء قبل كل شيء، ومن ثم تعود للفرد من حيث الواجب «الفرض» أو «التطوع» أو بالإنابة عن، أو بأدائها كوصية، ولأنها كذلك فهي يقينا سوف تعيش إرهاصات مجموعة من الممارسات الخاطئة من قبل هذا الجمع غير العادي المكون من الملايين من البشر في بقعة محدودة، وزمن محدود، ووسط ثقافات متعددة، واجتهادات مختلفة، وأمان، وطموحات، تختلط بالكثير من المعرفة والجهل في آن واحد، وبالتالي فليس من الغريب أبدا، أن تتكرر الأخطاء، وربما الصدامات القاسية بين أفراد ومجاميع هذه الأمواج البشرية من الناس، لأن الغالبية العظمى من هذه الحشود المتوثبة، والمتهيئة، والمجتهدة، ربما تأتي للمرة الأولى والأخيرة، وليس متاحا لها أن تكرر التجربة مرة أخرى لتكسب خبرة كحال كثيرا من الدول الإسلامية على وجه الخصوص، فقد نشرت صحيفة «ذا جاكرتا بوست» الإندونيسية تقريرا لها على لسان المدير العام لإدارة الحج بوزارة الشؤون الدينية الإندونيسية أوضح من خلالها أن الفرد المسلم في إندونيسيا عليه أن ينتظر نحو (17) عاما في المتوسط لأداء فريضة الحج، وأن هناك جهودا تبذل لتقليص هذه الفترة إلى (14) عاما فقط، وذلك من خلال الحصة الإضافية التي حصلت عليها إندونيسيا من قبل المملكة العربية السعودية، وذكرت الصحيفة: أن إندونيسيا ربما تكون واحدة من أكثر البلدان التي لديها أطول قائمة انتظار للحجاج؛ نظرا لتعداد سكانها كأكبر دولة في العالم ذات أغلبية مسلمة، وفي بعض أقاليمها يحتاج المرء الانتظار (39) عاماً حتى أداء الفريضة «يذكر أن حصة إندونيسيا عادت مجدداً العام الجاري لطبيعتها والتي تسمح بأداء 211 ألف حاج إندونيسي سنوياً للفريضة، كما منحت المملكة جاكرتا 10 آلاف فرصة إضافية ليرتفع العدد إلى 221 ألف حاج» – انتهى النص-.

فسنوات الانتظار هذه ليست يسيرة، على مثل هذه الشعوب، وبالتالي متى أتيحت الفرصة لها لأداء مناسك الحج، فإن هناك من حالة من الاجتهاد تكون تقرأها على الوجوه، والسلوك والانفعالات، ربما لا تلمحها بتلك الصورة المغرقة في الأداء في وجوه أخرى، خاصة لدى الشعوب التي تعيش فعاليات الحج كل عام، حيث تصبح الممارسة عادية جدا، وإلى درجة كبيرة من قلة الدهشة، والانفعال، ولذا ربما يعيب هؤلاء «العاديون» على هؤلاء «المجتهدين» من حيث تأصيل الممارسة إلى حد التجاوز المخل بأداء لبعض جوانب الشعيرة، وقد انتشرت كثيرا من الممارسات الـ «شاذة» وفق التقييم، عبر مقاطع الفيديو التي تناقلتها وسائل التوصل الاجتماعي، حتى وصل البعض منها إلى حالات من التندر، التي تثير الشفقة، والضحك، في آن واحد، و «شر البلية ما يضحك» كما يقال.

تثار وفق هذا الواقع اليوم، مسألة أو مفهوم «الانتقال بحالة الحج من المهم إلى الأهم» وهو واقع تزايد عدد الحجاج كل عام، وحرص الدول على أن تحظى بحصص أكثر نتيجة للضغوط التي تواجهها من الداخل، من الراغبين في أداء مناسك الحج، وفق فئاته المختلفة: الفرض، الوصايا، التطوع، فكل هذه الفئات، أو الأقسام تبحث لها عن موطئ قدم للذهاب إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، وكما للجهات المعنية أسبابها ومعطياتها في عدم جعل الباب مفتوحا لكل راغب لأداء مناسك الحج، فإن للراغب ذاته أسباب ومعطيات يود تحقيقها أو في هذا الموسم قبل الموسم القادم، وهي أسباب تحددها مبررات مهمة، يأتي في مقدمتها: العمر، والصحة، والحالة المادية، وهي محددات ليست بيده لكي يطوعها في الوقت الذي يريد، وفي العمر الذي يكون عليه، وعندما نتحدث عن حالتنا العمانية، فإننا نقف حسب المعلومات التي تفصح عنها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في السلطنة عبر موقعها الإلكتروني، فإننا نقف مع الحقائق التالية: بلغ العدد الإجمالي للحجاج العمانيين (14000) حاج وحاجة، يمثل الفرض منهم (12230) حاجا وحاجة، والتطوع (1407) حجاج وحاجات، جلهن من المحارم، كما أتوقع، وتنفيذ وصية (249) حاجا وحاجة، ومثل «إنابة عن عاجز (114) حاج وحاجة، كان حظ الذكور (7047) مثلوا نسبة (50.3%) والإناث (6953) مثلن ما نسبته (49.7%) مشيرة المعلومات نفسها إلى أن متوسط تكلفة الحاج بالجو (1820) ريالا عمانيا، ومتوسط تكلفة الحاج بالبر (1146) ريالا عمانيا، بينما بلغت عدد شركات الحج (85) شركة حج، بما فيها شركات الحج العمانية الخاصة بنقل الحجاج العرب، وشركات الحج العمانية الخاصة بنقل الحجاج غير العرب، وتجدر الإشارة هنا إلى أن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في السلطنة، قد أوجدت لحجاج هذا العام (1440 هجرية) نافذة جديدة وهي المعنية بـ «الإنابة عن عاجز» وهي تلك الخاصة بالراغبين في الحج من ذوي الظروف الصحية التي تحول دون أدائهم لفريضة الحج؛ على وجه الخصوص؛ وهذه خدمة جليلة تستحق الإشادة والثناء للمعنيين في الوزارة على حرصهم وجهدهم في أن تتاح الفرص العديدة للراغبين في الحج من ذوي الفروض.

تثار بين الفينة والأخرى؛ خاصة؛ في بداية الاستعدادات لموسم الحج، المسألة النسبية لعدد الحجاج في كل دولة، حيث ينظر البعض إلى هذه النسب على أنها دون الطموح، ولذلك تحدث بعض التجاوزات من بعض الراغبين في الحج من غير ذوي «الفروض» في كثير من الدول، وقد أشارت بعض التقارير الصحفية التي نشرت متزامنة مع فعاليات موسم الحج – حسب ما نشرته جريدة عكاظ السعودية - إلى أنه تم «ضبط (288) مكتباً وهمياً للحج، وإعادة (40352) شخصاً لا يحملون تصاريح حج رسمية، و(244485) مركبة لمخالفتها الأنظمة، والشروع في اتخاذ الإجراءات النظامية بحق (7027) مقيما تم أخذ بصماتهم تمهيداً لتطبيق أنظمة مخالفة الحج، وتطبيق النظام على (130) ناقلا قاموا بنقل الحجاج بطريقة غير رسمية، فيما تمت إعادة (533006) محرمين من داخل العاصمة المقدسة» – انتهى النص -.

فاستحداث الأنظمة والقوانين المنظمة لتهيئة المناسك لأدائها في يسر، ودون الإضرار بالآخرين، هو واجب شرعي ملزم به ولي الأمر، وبالتالي؛ ووفق هذا الفهم؛ فالذين يغالطون هذا الفهم بتجاوزاتهم المختلفة يقعون في دائرة المحظور، وعليهم تحمل التبعات الشرعية والقانونية المترتبة على هذا التجاوز، مع الإيمان بأن مسوغ تكلفة الحج لتبرير هذه التجاوز، منفي وجوده هنا، لأن الحج «لمن استطاع إليه سبيلا» وفق النص، وبالتالي فما هي مبررات من يجازفون بكثير من المخاطر، ومخالفة القوانين والأنظمة؟ سؤال يبقى حائرا!

أختم هنا بلطيفة تتعلق بمصير ملايين الجمرات التي يلقيها الحجاج كل عام أثناء موسم الحج، وهذه تبقى دائما مطرح سؤال من قبل كثير من الحجاج، وغير الحجاج عن مصير هذه الحصوات، ولذا فقد كشف مسؤولو هيئة تطوير منطقة مكة المكرمة، عبر موقع «مزمز» السعودي: «أنه يتم تجميع الجمرات في حوض كبير يعمل بشكل آلي في قبو المنشأة، وترفع بعدها الحصوات عبر 6 سيور آلية تنتهي ببوابات إلكترونية، وتقوم هذه البوابات بدورها برفع الجمرات إلى أعلى، ليتم نقلها في شاحنات إلى أودية بين مشعري مزدلفة وعرفات بعد انقضاء موسم الحج، وتقدر كمية الحصوات المنقولة في مواسم الحج الماضية بنحو ألف طن».