facebook twitter instagram youtube whatsapp
أفكار وآراء

مصالح الإنسان والمقاصد التشريعية

21 أبريل 2021

عبدالله العليان -

تعتبر المقاصد التشريعية في الفكر الإسلامي، من أعظم الأهداف الفكرية والمنهجية التي استنبطت أو استخرجت بطريق التعليل، أو التأويل من القرآن الكريم أو السنة النبوية، والتي تستهدف مصلحة الإنسان في المقام الأول في حياته ومعيشته وفي علاقته بالآخرين، من خلال التعامل والتعاون، وكمقصد من مقاصده هذا الدين القويم في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة، من خلال البحث الدقيق والتعليل الرشيد لمصالح الإنسان الأخرى الكثيرة في هذه الحياة ، وهي مبثوثة في الكثير من الآيات وفي السنة النبوية، ولذلك فإن معنى المقاصد في عمومها، هي الغايات التشريعية ، فيما يتم إظهارها من مضامين في الكتاب الكريم ، والتي تحقق معها المصلحة العامة للفرد والمجتمع والإنسانية جمعاء، من خلال الاستقراء والتعليل والاستنباط ، لكل المعاني الظاهرة أو المجملة التي يمكن أخذها بالتعليل كما أشرنا في سياقها العام أو الخاص، أو غيرها من الوسائل التي تستجلي النصوص، لفهمها الفهم الصحيح التي يتم إعادة فهمها من النص التشريعي القطعي أو الظني.

والميزة التشريعية في هذا النصوص من خلال المقاصد الشرعية، أنها ليست محصورة في قضايا محدودة ، أو أنها تتعلق بالعبادات أو المعاملات، أو الأحكام الجزئية، بل هي تمتد إلى أبعد من ذلك، مثل حاجيات الإنسان ومتطلباته وضروراته والتي قسمها بعض العلماء إلى «ضرورات وحاجيات وتحسينات» وفق تقسيم الأصوليين القديم ، وما تفرع عنها من جزيئات في مجالات الحقوق ، والحرية ، والعدالة، وإنصاف المظلوم، وحقه في التعبير ، والتفكير وغيرها، كما حقه في العبادة وفي غيرها من المجالات التي تندرج في مسائل وقضايا في المقاصد الكلية أو الجزية أو الخاصة كما جاءت في الشريعة، ومن الآراء القيمة التي اهتمت بمسألة ما قاله العلامة ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين): «إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، مصالح كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث. فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله في عباده، ورحمته بين خلقه».

صحيح أن الفكر المقاصدي، برز أكثر توسعا واهتماما في العصور الإسلامية المتأخرة عند البعض العلماء، حيث لم تتبلور الفكرة المقاصدية بصورة أكبر في القرون السابقة، إلا من خلال بعض الاجتهادات الأصولية والفقهية، قياسا لاجتهادات بعض الصحابة رضوان الله عليهم، خاصة اجتهاد الخليفة عمر ابن الخطاب ، كرؤية اجتهادية مقصدية، أو تحقيق للمصلحة المعتبرة، مثل: وقف إعطاء سهم المؤلفة قلوبهم، أو ترك قسمة الأرض المفتوحة على الفاتحين، من أجل الأجيال المقبلة، أو إيقاف عقوبة السرقة في عام المجاعة أو الرمادة.. لكنها بلا شك فتحت الباب لهذا الاجتهاد كمقصد مهم لتحقيق المصالح التي هي كامنة في الشرع الحكيم، لكن لم يتم الاعتناء بها إلا بعد عدة قرون، من خلال من بعض العلماء المتأخرين بصورة أوسع.

وبرز في هذا الجانب من المقاصد المستنبطة ، مع العلامة ابن خلدون، والعلامة أبي إسحاق الشاطبي، والعلامة عثمان بن أبي عبدالله العزري العماني، ومن تلاهم من كل العلماء من كل المدارس الفقهية، حيث برزت العديد من القضايا والمستجدات التي طرأت على أحوال الأمة ومتغيراتها وتحولاتها ، وفق ظروف كل عصر من العصور، لكن هذه المقاصد ، لم تنل الكثير من الاهتمام ، مع البدايات الحركة الاجتهادية ، من بعض العلماء المسلمين المتقدمين، مثل الإمام الجويني، والإمام الغزالي، وابن القيم، والعز بن عبد السلام وغيرهم من العلماء، لكن بلا شك كان لها السبق في هذه النظرة الثاقبة لهذه الغاية من التعليلات والاستنباطات، فتم التأصيل في هذا الجانب، وأخذت حيزا مهما من الاهتمام بعد ذلك ، من بعض العلماء المتأخرين، الذين أضافوا لمن سبقهم من حيث التفصيل والتقسيم والتوسع ، لأثر المقاصد وأهميتها وضرورتها التشريعية، سواء من خلال الوعي العام المتعلق بالمقاصد ، أو الفهم المستنبط من القرآن الكريم أو السنة النبوية.

ويرى الإمام محمد الطاهر بن عاشور في مؤلفه المعروف (مقاصد الشريعة الإسلامية) : «أن المقصد العام من التشريع.... هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان. ويشمل صلاحه صلاح عقله، وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه))». ويرى ابن عاشور أيضا: «أن أهم مقصد للشريعة من التشريع: انتظام أمر الأمة وجلب الصالح إليها ودفع الضر والفساد عنها، وقد استشعر الفقهاء في الدين كلهم هذا المعنى في خصوص صلاح الأفراد، ولم يتطرقوا إلى بيانه وإثباته في صلاح المجموع العام. ولكنهم لا ينكر أحد منهم أنه إذا كان صلاح حال الأفراد وانتظام أمورهم مقصد الشريعة، فإن صلاح المجموع وانتظام أمر الجامعة أسمى وأعظم...».

ومن الكتب المهمة التي سعى كاتبها إلى ضبط واستجلاء وتحديد المصالح فيما يتعلق بالإنسان ومصالحه وضروراته، الباحث المغربي عبد النور بزاء ، في كتابه القيم (مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية)، حيث عالج قضايا مهمة وثاقبة تتعلق بالمصالح الضرورية في مسائل عديدة من حيث التكاليف والمسؤوليات التي تعد من أولويات مصالح الإنسان، التي حددها في الكثير من المسائل، خاصة في قضايا الأمة في حاضرها ومستقبلها. ويرى الباحث عبد النور في هذه الأطروحة المهمة ، أن مصالح الإنسان واحتياجاته أصبحت :»من أكثر القضايا تداولًا في المحافل الدولية، وهيئات المجتمع السياسي، ومنظمات المجتمع الأهلي المدني، ووسائل التواصل والاتصال المباشرة وغير المباشرة، وأوساط الرأي العام... وما الحديث المتنامي عن حقوق الإنسان، وتزايد المناداة بحمايتها، ووقف الانتهاكات الواقعة بشأنها عبر العالم ؛ إلا وجهًا من أوجه الاهتمام بهذه القضية؛ بل هناك من وجد في هذه القضية بالذات؛ السند الكافي - في السنوات الأخيرة - لتحقيق طموحاته التوسعية، وتسويغ احتلاله للشعوب، ونهب خيراتها، وطمس هوياتها، وتغيير أنماطها الثقافية». ولذلك من المهم التركيز على المصلحة العمومية، للغالبية العظمى من الأفراد في المجتمع، بحيث إيجاد المقصد العام للمصلحة بما يحقق أكبر قدر من المنافع.

ومن هنا كما يقول الكاتب عبد النور أنه: «لا سبيل إلى اقتحام مواطن التأثير في النفس البشرية، وإقامة الحجة البالغة على أكبر عدد ممكن من الناس، وإقناع الرأي العام، إلا بالاستناد إلى منطق النفع العام، والتركيز على جلب أعظم المصالح الإنسانية، ودفع أكبر المفاسد البشرية، والعمل على تحقيق ما أمكن من المصالح الشاملة، وإبعاد ما تيسر من المفاسد العامة عن الخاص والعام، إلى أن يشيع هذا النوع من التواصل، ويصبح متداولًا بشكل تلقائي بين جميع الأفراد، وفي مختلف المؤسسات الخاصة والعامة؛ في عالم يطبعه منطق المصالح ويحركه أكثر من أي شيء آخر». ويصيف الباحث عبد النور بزاء، في دراسته القيمة عن المقاربة المقاصدية، واهتمامها بمصالح الإنسان: «لا بد من التأكيد باستمرار، في مخاطبة الناس، على أن ما بثه الله تعالى في خلفه وما قصده في شرعه من عناية بمصالح عباده، كافٍ ومستوعب لكل ما من شأنه أن يندرج في إطار المصالح الإنسانية المعتبرة بإطلاق، بحيث لا يمكن أن تتوقف حياة البشر يومًا ما على مصلحة ما من مصالحهم الضرورية، أو على ما تدعو إليه حاجياتهم الأساسية، أو على ما يقتضيه تجميل حياتهم، أو على ما تستلزمه رفاهيتهم، ولا يكون الشارع الحكيم الرحيم قد خلق ما يتحقق به في كونه، أو أنزل ما يحفظه في شرعه، وأمر به وجوبًا أو ندبًا أو إباحة، متى كانت مصلحته أو مصالحه خالصة أو غالبة، خاصة أو عامة، مادية أو معنوية، دنيوية أو أخروية، أو هما معًا». إذن أصبحت المقاصد في التشريع الإسلامي، تحتل الجانب الأهم، في التعليل والاستنباط ، لما هو أصلح للتثبيت والتقنين ، ليكون هناك رؤية مقاصدية، للعناية بمسائل الحرية ، والعدل والإخاء ، والتكافل، والكرامة الإنسانية وما يتفرع عنها من مقاصد ضرورية.

أعمدة
WhatsApp Image 2021-04-15 at 12.10.58 PM (1)
هوامش.. ومتون: خيبات أمل ثقافيّة!
عبدالرزّاق الربيعي -بقلب تعصره المرارة، كتب د.عبدالعزيز المقالح «خاب ظنّي مع كثير ممن تحمّست لبداياتهم الأولى، وظننت أنّهم سيواصلون العدّ التصاعدي في الإبداع من الرقم واحد إلى ما لانهاية» ويستدرك الشاعر اليمني الكبير، المعروف بدعم الأدباء الشباب، والأخذ بأيديهم «لكنّهم- أو أغلبهم - لم يواصلوا المغامرة، ووقفوا عند بداية الأرقام...