أفكار وآراء

صاحب عمان.. الذي أهدى للكعبة

21 فبراير 2021
21 فبراير 2021

خميس بن راشد العدوي -

المقال.. يحاول أن يجيب عن سؤال توجه به الأعزة القائمون على حساب «تاريخ عمان» بتويتر، أداءً لحق صلة الرحم في العلم، ورجاءً بأن يفتح أفقًا للحوار، يكشف عن خبايا نجهلها من تاريخنا العماني، وما أكثرها، السؤال: (يقول أبو عبيد البكري في كتابه «المسالك والممالك»: وقد أهدى صاحب عمان إلى الكعبة بعد العشرين وأربعمائة محاريب منبت زنة المحراب أزيد من القنطار، وقناديل منبت في نهاية الإحكام، وسمّرت المحاريب في جوف الكعبة ممّا يقابل بابها، وذلك إثر أخذ أمير مكة أبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسني بحلي الكعبة من المحاريب وغيرها. فمن صاحب عمان؟)، وجاء في «الروض المعطار» للحميري.. فضة بدلًا من «منبت»، وما يهمنا هنا هو من المقصود بصاحب عمان؟.

فأقول بعد الشكر لهم: إن من الصعوبة في ظل المعطيات التاريخية المتوفرة تحديد المقصود بصاحب عمان بدقة، بيد أن بسط النقاش حوله قد يكون سبيلًا إلى المعرفة التاريخية، ولرُبَّ فرضٍ أوصل لنتيجة.

بعد سقوط الدولة المركزية بعمان إثر فتنة الإمام الصلت بن مالك (ت:273هـ)، دخلت البلاد في صراع قبلي ممزِق، ثم انقسم الفكر الإباضي إلى مدرستين: نزوانية ورستاقية، ووصل الصراع أحيانًا إلى تنصيب إمامين، رستاقي ونزواني متزامنين، كما لحقت عمان تدخلات أجنبية استمرت حوالي قرنين ونصف: بنو سامة (282-317هـ)، والقرامطة (289-375هـ)، وبنو وجيه (317-355هـ)، والبويهيون (355-403هـ)، وبنو مكرم (390-433هـ)، والسلاجقة (447-548هـ)، التواريخ تقريبية.

مع مفتتح القرن الخامس الهجري بدأت الدولة العمانية تقوى بتنصيب الإمام الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك الخروصي البَهلوي (حكم:407-425هـ)، واستمرت حتى حوالي عام 579هـ، وانتخب خلالها أحد عشر إمامًا تقريبًا، وتقع «حادثة صاحب عمان» مع بدء هذه الدولة، التي صاحبها ضعف في نفوذ القوى الخارجية، والإمام الخليل بن شاذان ليس حفيدًا للإمام الصلت بن مالك الخروصي، فبينهما حوالي القرن والنصف، كما أن الصلت ستالي، بينما الخليل بَهلوي، ولم يذكر التأريخ أن أحدًا من أبناء الإمام الصلت انتقل إلى بَهلا.

يذهب كثير من المؤرخين؛ ومنهم السالمي «التحفة،1 /295-303» إلى أن الخليل بن شاذان نصّب للإمامة حوالي عام 407هـ، وتوفي عام 425هـ، وتبعه على ذلك سعيد الهاشمي «الدراسات،147» فترجم له بحسب هذا التاريخ، رغم أنه أبدى الملاحظات التي أبداها سيف البطاشي «الإتحاف،1 /556» وهي وجود وثيقة لكاتب مجهول -«وعند البطاشي.. هو عمرو بن علي المعقدي الرستاقي»- (تحث الإمام الخليل بالاقتداء بسيرة الإمام راشد بن سعيد «حكم:425 -445هـ»، كما أنه استشهد باستعانة إمام حضرموت إبراهيم بن قيس الحضرمي «ت:475هـ»، الذي طلب الاستعانة بالإمامين راشد بن سعيد والخليل بن شاذان في صراعه مع الصليحي الداعي للمستنصر الفاطمي في اليمن عام 453هـ)، كما يذهب أحمد السيابي إلى أن الخليل بن شاذان نصّب للإمامة عام 425هـ وانتهت إمامته في أواخر العقد السادس من القرن الخامس الهجري، وذلك لما ذُكِر من استنجاد الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي به، ولكن هذا الإشكال قد حُلَّ، بأن الاستنجاد واقع زمن الخليل بن شاذان الحفيد (حكم: 445-460هـ).

جاءت إمامة الخليل بن شاذان الجد وعمان تعيش تحت وطأة التدخل الأجنبي، وعند بدء حكمه وعلى الرغم من صعود مكانة بني مكرم في عمان إلا أنه استطاع أن يصدهم عن داخل عمان، وبقوا على الساحل متخذين من صحار مركزًا لهم، لكن استمرت هجماتهم على الداخل مما أسفر عن أسر الإمام نفسه، والمأسور هو الجد وليس الحفيد، حيث كان بنو مكرم في أول سيطرتهم على عمان عمالًا لبني بويه، وكانت الإمامة في بدئها، لم يشتد عودها بعد، كما أنه لا يمكن أن نتصور بأن المأسور هو الإمام الحفيد الذي بلغت به القوة أن يناصر أبا إسحاق الحضرمي إمام حضرموت.

وتذهب بعض المراجع التاريخية إلى أن الإمام الخليل بن شاذان أسر من قِبَل «الترك»، وبالتحقيق.. أسر زمن أبي محمد الحسين بن مكرم عامل البويهيين في عمان خلال الفترة (390-415هـ)، وقد حصل خلط بين السلاجقة «الترك» وبين البويهيين «الفرس»، وذلك لاضطراب الروايات وتداخلها، وهذا كثير الحصول في تأريخنا العماني، فمَن أسر الإمام الخليل هم البويهيون من فرس الديلم، والدليل أنه سُكتْ عملة في عمان عام 421هـ، باسم عاملهم أبي القاسم ابن مكرم، «جمال الكندي، تويتر»، وأما السلاجقة فقد قدموا إلى عمان حوالي عام 447هـ، وحلوا محل البويهيين على سواحل شمال الباطنة، وسيطروا على صحار، وسكّوا عملتهم في عمان عام 450هـ.

الذي يجعلني أقول إن الإمام الخليل أسر قبل عام 415هـ هو أن هذا العام هو التاريخ المفترض لإطلاق سراحه، فقد أعدم فيه أبو محمد الحسين بن مكرم، كما حصل اضطراب في السلطنة البويهية في شيراز، ففي (عام 415 توفي سلطان الدولة في شيراز، ونشب نزاع بين أخيه أبي الفوارس قوام الدولة حاكم كرمان وابنه أبي الكاليجار عماد الدولة الذي كان يقيم في الأهواز، فاستدعى حاكم عمان أبو محمد الحسين بن مكرم عماد الدولة للحضور إلى شيراز، لتسلّم منصب والده، غير أن عماد الدولة لم يكن مستعدًا لذلك، وكان عمّه أبو الفوارس قوام الدولة حاكم كرمان على استعداد لتولي المنصب، وعلى الفور زحف إلى شيراز واحتلها، وتولى مقاليد السلطة بها، وقد قبض على أبي محمد الحسين بن مكرم وأعدمه) «الهاشمي، الدراسات،130»، في هذه الظروف المضطربة في سلطنة بني بويه بفارس وعمالهم بصحار؛ يبدو أنه أطلق سراح الإمام الخليل بن شاذان.

لم يفتّ أسر الإمام في عضد العمانيين، فسارعوا إلى تنصيب محمد بن علي إمامًا لهم، واستمروا يتحينون الفرص ويواصلون الضغط على بني مكرم، ومع الظروف السيئة التي عصفت بهم وبسادتهم البويهيين، فُك أسره عام 415هـ، ثم أعيد تنصيبه إمامًا، وهذا لا يعني أن نفوذ بني مكرم زال عن صحار، بل استمر إلى حوالي عام 442هـ، ولكنهم خلال تلك الفترة كانوا ضعفاء، وحكمهم هامشي. بعد عودة الإمام الخليل للإمامة واستقرار الحكم له وبدء صعود القوة العمانية، فمن المحتمل أنه أرسل الهدايا المذكورة إلى الكعبة المشرفة، أولًا شكرًا لله على نجاته وعودة الإمامة واستقرار الحكم في عمان، ثم توطيدًا للعلاقات الإسلامية، حيث سيترك فعله هذا أثرًا جميلًا في نفوس المسلمين، لاسيما مع الأوضاع المضطربة التي يمر بها العالم الإسلامي حينذاك، كما أن من عادة العمانيين الوصية والإهداء للبيت الحرام؛ خاصة أهل بَهلا -والإمام الخليل بَهلوي- فقد أوقف يزيد بن عزيز بن راشد بساتين في بَهلا للحرم، بل أوصوا بإطعام حمامه.

ويبُعد لدي.. بأن يكون المقصود عامل البويهيين الذين كانوا يعانون حينذاك صراعًا عنيفًا فيما بينهم، وفيما بينهم وبين خصومهم السلاجقة -وغيرهم- على مستوى الخلافة العباسية، بالإضافة إلى أن أبا الفتوح أمير مكة الذي حصل الإهداء في زمنه كان له موقف سلبي من الشيعة «أخبار مكة، السنجاري،1/221»، والبويهيون شيعة، مما يبُعد قَبوله لهداياهم أو هدايا عمالهم، لاسيما أن تلك الفترة كانت تشهد صراعًا مذهبيًا.

بينما العمانيون قد استردوا عافيتهم، واستقر لهم الوضع على بلادهم باستثناء بعض مناطق الساحل، أضف إلى ذلك أن اسم عمان بالأساس يطلق على الداخل، خاصةً.. إذا كان الساحل محتلًا، بل حتى عندما كانت عمان تنقسم محليًا يظل اسم عمان يطلق على الداخل، بينما تحمل المناطق الأخرى مسمياتها، وآخرها ظهورًا اسم «سلطنة مسقط وعمان»، و«الساحل المتصالح»، وهذا يقوّي الرأي بأن صاحب عمان الذي أهدى الكعبة هو الإمام الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك الخروصي البَهلوي.