أفكار وآراء

المشهد الأمريكي .. دراما ما بعد الانتخابات

08 ديسمبر 2020
08 ديسمبر 2020

عوض بن سعيد باقوير - صحفي ومحلل سياسي -

إن المشهد الأمريكي المثير يتواصل وقد يكتمل ذلك المشهد بغياب الرئيس ترامب عن حفل التنصيب أمام البيت الأبيض، وهنا سوف تكتمل الدراما الأمريكية وكأنها أحد مشاهد أفلام هوليوود الصاخبة ولعل المستفيد الأكبر من كل تلك الدراما السياسية هي بالتأكيد وسائل الإعلام الأمريكية ذات السطوة والتأثير الكثيرين في الساحة الأمريكية والعالمية.

في تاريخ الانتخابات الأمريكية قبل أكثر من قرنين تشهد الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من أغرب المشاهد الانتخابية في تاريخها، سواء فيما يخص المحصلة الأخيرة للنتائج أو رفع عدد كبير من القضايا في محاكم الولايات من قبل حملة ترامب الذي تنتهي ولايته في البيت الأبيض يوم 30 من يناير القادم.

وعلى ضوء ذلك كان ذلك المشهد الدراماتيكي مادة دسمة للإعلام والصحافة الأمريكية خاصة البرامج الحوارية وقد اكتمل المشهد برواية ترامب الذي لا يزال يرددها وهي أن الانتخابات سرقت منه وأن هناك تزويرًا واسع النطاق قد حدث خاصة في الولايات المتأرجحة وهي ولايات بنسلفانيا ووس كونسون وفلوريدا وأوهايو وجورجيا وأريزونا وهي الولايات التي حسمت السباق الانتخابي لصالح القادم الجديد للبيت الأبيض للأربع سنوات القادمة الديمقراطي جو بايدن.

وعلى ضوء ذلك المشهد الأمريكي المثير للجدل يشهد الأسبوع القادم المرحلة الأخيرة من ذلك الجدل من قبل إدارة ترامب، حيث يصادق أعضاء المجمع الانتخابي يوم الرابع عشر من الشهر الجاري على النتيجة من خلال الإدلاء بأصواتهم في ولاياتهم، حيث حصل بايدن علي 306 من أصوات المجمع الانتخابي والتي تعد كافية للظفر بالفوز بالبيت الأبيض متخطية حاجز 270 صوتًا اللازمة للفوز، كما أن هذا الأسبوع سوف يشهد تصديق ما تبقى من الولايات على مجمل النتائج مما يعني أن المعركة الانتخابية انتهت وعلى ترامب أن يقر بالهزيمة.

رقم قياسي لبايدن

في مجمل الأصوات الشعبية حصل جو بايدن على أكثر من 81 مليون صوت، وهو رقم قياسي لم يحصل عليه أي مرشح رئاسي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية كما أن ترامب حصل على أكثر من 74 مليون صوت وهو ثاني رقم قياسي يحصل عليه أي مرشح رئاسي.

ومن هنا فإن هناك 8 ملايين صوت تفرق بين جو بايدن وترامب وهي ظاهرة انتخابية تستحق التأمل والدراسة علي ضوء ما شهدته الساحة الداخلية من قضايا، لعل في مقدمتها جائحة كورونا والتي اعتبرت من أكثر الموضوعات التي أدت إلى هزيمة ترامب القاسية علاوة على التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية على المواطن الأمريكي، كما أن عددًا من القضايا الخارجية كان لها دور محدود لعل في مقدمتها الانسحابات الأمريكية المتكررة من المنظمات الدولية وعزلة واشنطن من خلال الشعار الذي رفعه ترامب وهو «أمريكا أولا».

لقد أوجد ترامب أجواء غير متوقعة داخل الساحة الأمريكية لم تشهدها من قبل، حيث خسرت حملته أكثر من 50 قضية قانونية في محاكم الولايات الابتدائية منها والعليا وحتى الاستئناف كما أن مبالغ كبيرة صرفت على تلك الدعاوى القضائية، ولعل المثير في المشهد أن عددًا من حكام الولايات الجمهوريين رفضوا ادعاءات ترامب خاصة في جورجيا.

ومن هنا فإن ترامب أشاع نوعًا من الشك والريبة في أوساط الرأي العام الأمريكي وجعل من نفسه ضحية لمؤامرة وهمية، حيث تلقى ترامب صدمات حتى من عدد من أعضاء إدارته ومنهم وليم بار وزير العدل الذي قال: إن الانتخابات الأمريكية لم تشهد تزويرا على ضوء المتابعة والتدقيق ويبدو أن أيام وليم بار في وزارة العدل قد تكون معدودة على ضوء ما حدث لعدد من المسؤولين الأمريكيين وفي مقدمتهم المشرف على العملية الانتخابية في مجالها التقني.

إن حالة الإنكار لدى ترامب تأتي من خلال شعور ما قبل الانتخابات بأن الفوز سوف يكون كاسحًا لصالحه، انطلاقًا من كتلة انتخابية كبيرة ومن خلال تقليد يشير إلى أن الرئيس في البيت الأبيض عادة ما يعاد انتخابه كما حدث مع الديمقراطي بيل كلينتون والجمهوري جورج بوش الابن والديمقراطي باراك أوباما مع وجود استثناءات محدوده في تاريخ الانتخابات الأمريكية، ومن هنا جاءت صدمة ترامب والتي انعكست على سلوكه السياسي وحالة الإنكار التي سوف تتواصل حتى آخر يوم له في البيت الأبيض ظهر يوم العشرين من يناير.

مرحلة تنطوي

رغم تلك الزوبعة في المشهد الأمريكي فأن المؤكد أن جو بايدن سيكون يوم 20 يناير هو القادم الجديد للبيت الأبيض لأربع سنوات، كما أن الصراع على مقعدي مجلس الشيوخ في ولاية جورجيا سوف يكون صراعًا انتخابيًا كبيرًا حيث يسعى الجمهوريون للفوز بهما حتى يضمنون الأغلبية في مجلس الشيوخ ذي الصلاحيات الواسعة وكذلك الحزب الديمقراطي الذي يبحث عن الفوز حتى بمقعد واحد بحيث يتساوى الحزبان وتكون الغلبة في التصويت لكمالا هاريس نائبة الريس بايدن لترجيح الكفة.

إن شهر يناير سوف يشهد المزيد من الإثارة في المشهد الأمريكي الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة تشهد انتهاء عهد ترامب بكل ما فيه من تحولات داخلية وسياسة خارجية ومن خلال مواجهات تجارية مع الصين وتوتر مع طهران، وهناك اتفاق بأن مرحلة بايدن سوف تكون مختلفة على الصعيدين الداخلي والخارجي، خاصة أن بايدن عاصر مرحلة أوباما لثماني سنوات ومع ذلك فإن التحديات التي سوف تواجه الإدارة الجديدة هي تحديات حقيقية، كما أشار بايدن نفسه وفي مقدمتها جائحة كورونا التي عصفت بالملايين من الشعب الأمريكي وحيث يقترب المصابون من 15 مليون مصاب وهناك 290 ألف وفاة، كما أن التحدي الآخر هو الوضع الاقتصادي والانكماش وإفلاس عدد كبير من الشركات خاصة المتوسطة والصغيرة، مما جعل بايدن يحث الكونجرس على تمرير حزمة مساعدات ماليه تتجاوز تريلوني دولار لتحريك الأسواق وتوفير الوظائف ومن التحديات الأخرى هي رسم صورة مختلفة للولايات المتحدة على الصعيد الدولي من خلال العودة إلى عضوية عدد من المنظمات والاتفاقيات ومنها منظمة الصحة العالمية واتفاق باريس للمناخ علاوة على تخفيف التوتر في الحرب التجارية مع الصين وعودة الشراكة مع الناتو.

المشهد في الشرق الأوسط

البرنامج الانتخابي لبايدن تحدث عن أهمية حل الدولتين على صعيد الصراع العربي-الإسرائيلي ومن هنا فإن تركة ترامب السلبية سوف تتلاشى من خلال مقاربة سياسية جديدة، خاصة إذا اختفى نتانياهو من المشهد الإسرائيلي إذا حدثت انتخابات قادمة، كما يبدو من خلال الصراع السياسي الداخلي بين حزبي الليكود وحزب أزرق أبيض، ومن هنا فإن العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب ستظل ثابتة باعتبارها عنصرًا وجزءًا من السياسة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حيث يناقش الموضوع الإسرائيلي في واشنطن كموضوع محلي ومع ذلك فإن إسرائيل وسياستها الاستيطانية وتصرفاتها غير القانونية ضد الشعب الفلسطيني أصبحت سياسة غير مقبولة ولا تحقق السلام الشامل والعادل في منطقة الشرق الأوسط، كما أن حدوث أي تطبيع بين عدد من الدول العربية والكيان الإسرائيلي لن يحقق السلام المنشود والمتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو 1967 ورجوع ملايين اللاجئين الفلسطينيين ديارهم، ومن هنا فإن أمام إدارة بايدن القادمة كمًّا من المشكلات والتحديات التي أوجدتها إدارة ترامب التي تستعد للرحيل بعد أن أضرت كثيرًا بالقضية الفلسطينية وحاولت جاهزة لتصفيتها من خلال صفقة القرن التي لم يعد لها مكان، كما أن هناك ملفات تنتظر إدارة بايدن فهناك الحرب في اليمن والتوتر مع إيران والعودة المحتملة للاتفاق النووي الإيراني مع بعض التعديلات من خلال المفاوضات مع رفع العقوبات عن إيران، وهناك ملفات شائكة مثل الوضع في سوريا والعراق وأفغانستان وحتى ليبيا وكل تلك الملفات تحتاج إلى مقاربات سياسية تختلف عن مقاربات إدارة ترامب، وعلى ضوء ذلك فإن العالم ينتظر يوم 20 يناير كمرحلة جديده لإدارة جديدة سوف يكون لها نظام سياسية خارجية مختلفة، كما أن وضع مجلس الشيوخ سوف يكون له دور في تنفيذ أجندة بايدن فالحزب الديمقراطي يتطلع إلى السيطرة على الكونجرس بغرفتيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ؛ لأن ذلك يعطي مرونة كبيرة لإدارة بايدن لتنفيذ الأجندة بشكل مريح والعكس أيضًا صحيح، حيث إن سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ سوف يوجد متاعب كثيرة لإدارة بايدن وهو الأمر الذي يحبذه الرأي العام الأمريكي من خلال ما يسمى بالتوازن في السلطات خاصة السلطتين التنفيذية والتشريعية.

إن المشهد الأمريكي المثير يتواصل وقد يكتمل ذلك المشهد بغياب الرئيس ترامب عن حفل التنصيب أمام البيت الأبيض، وهنا سوف تكتمل الدراما الأمريكية وكأنها أحد مشاهد أفلام هوليوود الصاخبة ولعل المستفيد الأكبر من كل تلك الدراما السياسية هي بالتأكيد وسائل الإعلام الأمريكية ذات السطوة والتأثير الكثيرين في الساحة الأمريكية والعالمية.