facebook twitter instagram youtube whatsapp
أفكار وآراء

اللغة العربية في مجتمعنا المعرفي

17 أبريل 2021

د. عائشة الدرمكية -

في تقريرها (بناء مجتمعات المعرفة في المنطقة العربية. اللغة العربية بوابة للمعرفة) تقدم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) العلاقة بين اللغة ومجتمع المعرفة من منظور تنموي، فالمجتمعات اليوم في سعيها إلى التمكين المعرفي، والتحول الرقمي، والاقتصادات الإبداعية، تتأسس على مجموعة من الاستثمارات التي تتعدى القطاعات الصناعية والزراعية إلى مفهوم أكثر اتساعا، لتشمل -بحسب التقرير- «مجمل المخزون المعرفي والثقافي من منظور كون المعرفة ناظمًا رئيسيًا لمجمل النشاطات الإنسانية التنموية».

إن المعرفة وفقًا لهذا المنظور، تنطلق من الكوادر الإنسانية والمخزون المعرفي والقدرات البحثية والتطويرية، إلى الإبداع والابتكار والتواصل التقني. ولأنها تمر بمراحل أساسية في الانتقال والتطور بدءًا من الاكتساب ثم التوطين ثم الإنتاج إلى التوظيف، فإنها لا تتحقق إلا عبر (حاضنة الثقافة والعلوم والمعارف في أي من المجتمعات) وهي اللغة الوطنية، التي تأخذ مكانها في مجتمع المعرفة، ذلك لأنها المسؤولة عن تسهيل مهام الانتقال والتطور في دوائر المعرفة، وكلما كانت اللغة الوطنية للمجتمع أكثر حضورًا في هذه الدوائر استطاع المجتمع الولوج إلى عالم المعرفة وتأسيس نظامه الخاص القادر على الإنتاج والتمكين، وكلما استخدم لغة غير لغته ظل خارج دوائر الإنتاج المعرفي وبالتالي خارج أفق مجتمع المعرفة، لأنه في هذه الحالة سيكون ضمن دوائر مجتمع معرفي لمجتمعات أكثر قدرة وهيمنة معرفية.

ولأن سعينا إلى (مجتمع معرفي ممكَّن) يقتضي استخدام لغة قوية قادرة على أن تكون لغة التعليم والبحث العلمي والابتكار، فإن أمامنا خيارين أحدهما استخدام اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة قوية وذات سلطة نافذة في العالم، أو استخدام اللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية للدولة، وفي كلا الخيارين تحديات تواجه قدرتنا على تحقيق التمكين المعرفي وبالتالي اقتصاد المعرفة، ففي استخدام اللغة الإنجليزية في إنتاج المعرفة وتوطينها ونشرها وإبداعها وابتكارها (إعادة استخدامها)، فإننا سنكون دومًا خارج دائرة التمكين المعرفي لأن السلطة اللغوية مهيمنة على الإنتاج المعرفي وبالتالي سنبقى ضمن الدول المستهلكة للإنتاج المعرفي والمتلقية له لا المنتجة. أما خيار استخدام اللغة العربية باعتبارها لغة وطنية فإنه يستوجب تطوير قدرة هذه اللغة على التغير والانفتاح والتجديد وفق علاقتها بعوالم المعرفة، وذلك لن يتأتى سوى بتعزيز التكوين التربوي ومنتجات البحث العلمي والابتكار وتطويرها. وعلى الرغم من أن اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية للدولة، إلا أن الاهتمام بها باعتبارها قوة داعمة لمجتمع المعرفة وممكنة لدوائره ظل قاصرًا، فهي ثقافيًا غير مطروحة للنقاش على مستوى الإبداع والابتكار، الأمر الذي يكشف عدم وجود رؤية واضحة لمهمة اللغة العربية في مجتمع المعرفة المأمول، والحال نفسه على مستوى البحث العلمي والابتكار، ولعل اعتمادنا على اللغة الإنجليزية في إنتاج المعرفة ونشرها حال بيننا وبين توطين هذه المعرفة وإعادة استخدامها على المستوى الوطني.

إن استخدام اللغات الأخرى في إنتاج المعرفة ونشرها مهم على المستوى المعرفي العالمي، إلا أن هذا لا يعني الاعتماد عليها في تأسيس مجتمع المعرفة، لأن ذلك سيجعل اللغة العربية الوطنية خارج دوائر المعرفة وبالتالي سنكون خارج مجتمع المعرفة المنتج المبدع المبتكر. ولعل السؤال الذي يتبادر في أذهاننا ونحن نناقش هذا الموضوع هو إلى أي مدى يمكن استخدام اللغة العربية في مجتمع المعرفة الذي يتأسس في الأصل على الانتشار التقني وشبكات الإنترنت، والذي يُعد في الأصل منتجا عالميا؟ يبدأ تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) المعنون بـ(المحتوى الرقمي العربي. تحفيز الابتكار وريادة الأعمال في المنطقة العربية) بالسؤال (أين المحتوى الرقمي العربي اليوم؟) انطلاقا من تأكيد القمة العالمية لمجتمع المعلومات على أهمية تطوير المحتوى الرقمي المحلي، وإعداد السياسات الداعمة (لتحفيز التنوع الثقافي واللغوي على الإنترنت)، فالمحتوى الرقمي المحلي يدعم تطوير مجتمع المعلومات من ناحية والانتقال إلى اقتصاد المعرفة من ناحية أخرى، الأمر الذي يعني ضرورة تعزيز هذا المحتوى باعتباره قوة داعمة للتحول الرقمي، وبالتالي تأسيس مجتمع المعلومات الذي سيكون قاعدة لمجتمع المعرفة.

ويشير التقرير إلى أن نسبة المحتوى الرقمي العربي تبلغ 2 إلى 3% تقريبا من محتوى الإنترنت، وأن اللغة العربية تأتي في المرتبة الرابعة بين اللغات «الأكثر استخداما على الإنترنت وأكثرها استقطابًا للمستخدمين»، وعلى الرغم من أن قياس تلك التقديرات ليس بالدقة المأمولة بسبب محدودية الآليات والطرق القادرة على قياسها من ناحية واتساع ذلك المحتوى وتشتته في شبكات الإنترنت، إلا أنه قياسا على المتوفر من هذه التقديرات تُصرِّح الإسكوا بأنه «في الفترة من عام 2000 إلى عام 2013، ازداد استخدام اللغة العربية على الإنترنت أكثر من استخدام اللغات الأخرى، فقد تجاوزت نسبة نمو استخدام هذه اللغة 200.5%، مقابل 468% للغة الإنجليزية، و910.1% للغة الصينية».

إن انتشار المحتوى العربي الرقمي وتناميه في وسائط الإنترنت المختلفة يُعد من أهم المؤشرات على قدرة هذه اللغة على التنامي والانفتاح وفق معطيات مجتمعات المعرفة، إذا ما استطعنا تأسيس رؤية منهجية واضحة لتعزيز دورها في إنتاج المعرفة وتوطينها ونشرها وبالتالي إعادة استخدامها، غير أن ذلك سيقتضي منا مجموعة من الإجراءات التي تسهم في امتلاك اللغة العربية القدرة على مواكبة متغيرات عالم التكنولوجيا المتسارع من ناحية، والانتشار العالمي من ناحية أخرى، فلن نستطيع ذلك سوى بالتمكين التربوي للغة العربية، وتأسيس آفاق واضحة للترجمة.

ولأن التمكين التربوي للغة العربية يمكن أن يكون من أسهل وسائل التمكين المعرفي، لما تتميز به السلطنة من قوة ثقافية وحضارة عربية أصيلة، إضافة إلى تلك الجهود التي تقوم بها الدولة في تعليم اللغة العربية وتعلمها، إلا أن ذلك لا نجده على مستوى الترجمة وتمكين البحث العلمي والابتكار باللغة العربية، وإذا كان السبب في الثاني متعلقًا بإرادة النشر الخارجي والذي يُعد من الأسباب الوجيهة من الناحية الموضوعية، إلا أن سبب قلة الاهتمام بالترجمة أو عدمه لا يُبرَّر، ذلك لأنه بحسب تقرير (مؤشرات التنمية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية 2021) الصادر عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي يُظهر أن (مجموعة الترجمة في جامعة السلطان قابوس)، هي أبرز المؤسسات والتجارب في مجال الترجمة حتى سبتمبر 2020 في السلطنة، وهي مجموعة طلابية تقوم بجهود مشكورة في تأصيل هذا المجال، في حين أن باقي الدول تعتمد في الترجمة على مشروعات وطنية أو معاهد أو مراكز أو مؤسسات ذات رؤى واضحة ومؤصَّلة، جعلت من الدور الذي تقوم به السلطنة متواضعًا أو أقل من ذلك.

وبعيدًا عن دقة رصد هذه الإحصائيات، إذا ما علمنا أن هناك جهودا متفرقة تقوم بها بعض المؤسسات الثقافية المختلفة في السلطنة، إلا أن الأمر يحتاج إلى إعادة نظر وإلى تمكين الترجمة والتعريب باعتبارهما ركيزة أساسية في تحقيق (مجتمع المعرفة) الذي ننشده، ولعل اعتماد العاصمة مسقط مقرًا لـ(مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغة العربية) الذي أقرته الأمانة العامة لدول مجلس التعاون في عام 2019، فرصة سانحة ومهمة في تعزيز هذا الدور للغة العربية وقدرتها وانفتاحها لتقوم بدورها في دعم الأهداف المعرفية التي تسعى إليها السلطنة ودول المجلس جميعا، وتمكين دورها على المستوى الثقافي خاصة والتربوي والأكاديمي عموما.

أعمدة
WhatsApp Image 2021-04-15 at 12.10.58 PM (1)
هوامش.. ومتون: خيبات أمل ثقافيّة!
عبدالرزّاق الربيعي -بقلب تعصره المرارة، كتب د.عبدالعزيز المقالح «خاب ظنّي مع كثير ممن تحمّست لبداياتهم الأولى، وظننت أنّهم سيواصلون العدّ التصاعدي في الإبداع من الرقم واحد إلى ما لانهاية» ويستدرك الشاعر اليمني الكبير، المعروف بدعم الأدباء الشباب، والأخذ بأيديهم «لكنّهم- أو أغلبهم - لم يواصلوا المغامرة، ووقفوا عند بداية الأرقام...