أفكار وآراء

الأمم المتحدة... الإصلاح مسؤولية من ؟

26 أكتوبر 2018
26 أكتوبر 2018

إميل أمين/ كاتب مصري -

emileamen@gmail.com -

بهدوء شديد وبدون إعلانات صاخبة يمضي الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيرش في طريق جاد لإصلاح أحوال الأمم المتحدة، ذلك المشروع الذي نادى به الكثيرون منذ نحو عقدين من الزمن سيما خلال فترة الراحل كوفي عنان، ومن بعده بان كي مون، وصولا إلى الأمين العام الحالي .

يمضي غوتيرش في إطار تجديد بنية المؤسسة الأممية عبر إعادة هيكلة بنيوية كاملة وشاملة، بهدف أن تكون أكثر فاعلية في القرن الحادي والعشرين كما تتمنى معظم شعوب العالم. عدة أسئلة تثور ومنها هل مازال للأمم المتحدة أهمية استراتيجية في حاضرات أيامنا ؟ وهل هناك اتفاق أممي على ملامح ومعالم ذلك الإصلاح ؟ ثم وقد يكون هذا هو السؤال الأهم : من يقف عقبة في طريق إصلاح الأمم المتحدة وتفعيل دورها على الصعيد العالمي؟.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت الأمم المتحدة بشكلها الحالي على سطح الأحداث، غير أن بعض القصور قد شاب تشكيلها بمعنى انه لم تعد الدول الأعضاء على مستوى واحد، إذ أراد المنتصرون أن يحتفظوا لأنفسهم بميزة بعينها تمكنهم من الريادة على بقية الدول الأعضاء، الأمر الذي تجلى في حق النقض أو الفيتو للخمسة الكبار في الأمم المتحدة، وهم الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفييتي، وبريطانيا، وفرنسا، والصين.

يمكن القول إن خللا بنيويا ما قد جرت به المقادير على صعيد تلك المنظمة، غير أنها لعبت في كل الأحوال أدوارا أممية قد ينظر البعض لها بعين التقدير والبعض الآخر يرى أنها لم يقدر لها أن تكون صاحبة قرار في لحظات حاسمة بعينها .

على أن الرؤية التحليلية للأمم المتحدة توضح لنا أنها مرتبطة ارتباطا جذريا بالتوازنات الدولية، بمعنى ان وزنها الدولي الاستراتيجي في زمن الحرب الباردة، كان أكبر وأكثر بكثير منه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي .

في تلك العقود الأربعة تقريبا كانت الأمم المتحدة رمانة الميزان بين دول العالم كافة، وبين القطبين الكبيرين بنوع خاص، ولا نغالي إن قلنا أنها عملت كحائط صد ضد مواجهات عالمية، ومهدت الطريق لاحقا لتسويات بين دول متصارعة عدة حول الكرة الأرضية، وقد كانت قراراتها واضحة أحيانا وملتبسة أحيانا أخرى، كما الحال بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي والصيغة اللغوية الشهيرة للقرار 242 وهل على إسرائيل أن تنسحب من الأراضي العربية التي احتلتها ؟ أم تنسحب من أراض عربية احتلتها ؟

تغير الوزن الاستراتيجي الدولي للأمم المتحدة في أعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي والانفراد الأمريكي بالمشهد الدولي، الأمر الذي بان جليا في بدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أي بعد الهجوم الإرهابي على نيويورك وواشنطن، إذ لم يقدر للأمم المتحدة سوى أن تصدر قرارات الشجب والإدانة، لكنها لم يقدر لها أن تقوم بمنع الولايات المتحدة الأمريكية من شن هجومها الكاسح على أفغانستان عام 2001 ، ولم يقدر لأعضائها أن يثنوا الأمريكيين أو يمنعوهم من احتلال العراق عام 2003 ، ما أعطى صورة للأمم المتحدة بأنها باتت عديمة الفائدة .

غير أن تطورات المشهد الدولي وصعود أوزان استراتيجية لدول أخرى حول العالم خلال العقدين السابقين بدأ يطرح أسئلة عديدة حول مستقبل الأمم المتحدة، إذ لم يعد من المقبول أن تظل الأمم المتحدة برمتها رهينة للتوجهات الأمريكية، فتمضي معها يمينا أن وافق هواها هوى القرارات الأمريكية، أو يسارا إن اختلفت.

كان صعود الصين بنوع خاص يلقي بظلال على الواقع الدولي، وبجانب الصين عاد القطب الروسي ليلعب دورا اكثر من قبل، بمعنى انه لم يعد يشارك في رسم خيوط وخطوط العالم استراتيجيا، بل تجاوزها إلى بلورة الرؤى الدولية، وبات يملأ فراغات الأخطاء الأمريكية، والنفوذ المتآكل للعم سام حول العالم . بجانب الصين وروسيا ظهرت في الأفق أقطاب أخرى صاعدة قد لا تكون في الوزن الاستراتيجي الأممي لروسيا أو الصين، لكنها باتت مؤثرة في مواقعها ومواضعها الجغرافية وعبر إعدادها وأوزانها الديموغرافية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر البرازيل تلك القوة الصاعدة بقوة اقتصاديا في أمريكا اللاتينية، وهناك جنوب إفريقيا والتي تمثل أهمية متزايدة في القارة الإفريقية، وبجانب هؤلاء وقبلهم هناك الهند الحالمة بالوصول إلى المريخ خلال أعوام قليلة.

والشاهد أن كافة القوى الصاعدة حول العالم تحلم بالفعل بتصحيح أوضاع ومسار الأمم المتحدة لتكون شريكا فاعلا في الأمن والسلم الدوليين، وجميعها تتطلع لأن تحقق الأمم المتحدة حلم التنمية المستدامة حول العالم، وجميعها تريد حضورا قويا يمنع الحرب ويفشي السلام، غير أن الإشكالية الحقيقية اليوم تتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية ونظرتها للأمم المتحدة وعلاقتها معها، وهي قضية على درجة كبرى من الأهمية تستحق مراجعة محققة ومدققة لنفهم مستقبل هذا البيت الزجاجي كما وصفه الأمين العالم الأسبق الراحل الدكتور بطرس غالي . هل من رؤية موجزة للإشكالية التي نحن بصددها ؟

باختصار غير مخل هناك تناقض كبير في الرؤى بين الأمم المتحدة وأهدافها حول العالم، وبين ما تبغيه الولايات المتحدة التي تمضي على درب رؤية القرن للمحافظين الجدد .

في سنوات إدارة الرئيس بوش الابن ظهر على سطح الأحداث أحد صقور المحافظين الجدد، جون بولتون، الرجل الذي عاد لاحقا إلى إدارة دونالد ترامب ليشغل منصب مستشار الأمن القومي، وهو المشهور بعدائه الشديد للأمم المتحدة، ويذكر الجميع له قوله :(انك لو هدمت عشرة طوابق من هذا المبنى فإن شيئا لن يتغير)، ما يعني أنها مؤسسة عديمة القيمة ولا تعدل أو تبدل من الشأن الأممي الشيء الكبير أو الخطير .

هل يمكن القول إن تلك الرؤية منسحبة على إدارة الرئيس ترامب ؟

بلاشك الأمر كذلك وربما اكثر واخطر، بمعنى أن ساكن البيت الأبيض اليوم رجل يؤمن بـ (أمريكا أولا) فقط لا غير ، وإنه لكي تكون أمريكا عظيمة جدا ، فإنه ليس من شأنها أن تصبح شرطي العالم ، وإنه ليس عليها أن تتدخل فيما لا يعنيها إلا إذا اتفق مع أهدافها الاستراتيجية، كما أن وجود الأمم المتحدة على الأراضي الأمريكية أمر بات بدوره مرفوضا من اليمين الأمريكي المتشدد، وبكل تأكيد رفض دفع مبالغ كبرى لتمويلها، وكذا عملياتها المختلفة حول العالم .

هل ستكون إدارة ترامب عقبة في طريق إصلاح الأمم المتحدة ؟

افضل من قدم جوابا على السؤال المتقدم الكاتب والدبلوماسي السنغافوري ( كيشور محبوباني ) في كتابه القيم جدا :(هل يستطيع الآسيويون أن يفكروا)، وعنده انه ينبغي أن يتكلم العالم مع الأمريكيين بشأن الأمم المتحدة باللغة التي يفهمونها جيدا ، أي لغة المصالح والبراجماتية الأممية، وربما تساعدنا استعارة بسيطة أخرى على أن نفسر للأمريكيين السبب الذي يجعل الإصلاح للأمم المتحدة أمرا جيدا بالنسبة لمصالح الأمريكيين انفسهم ، ذلك أن الأمريكيين كالشعوب الأخرى يفهمون الحاجة إلى أنظمة المرور، وفي غياب هذه الأنظمة لن تؤدي الطرق السريعة والتقاطعات وظائفها، فلن تتحرك السيارات بصورة سهلة إن كنا نقود سياراتنا على جانبي الطريق كليهما، وهناك طرق جديدة تفتتح يوميا حرفيا ومجازيا، بسبب العولمة، وستتزايد حركة البشر والمال والأفكار والبضائع حول العالم بسرعات متضاعفة.

ربما يتوجب على العالم أن يضع إدارة ترامب أمام استحقاقات تساؤلات من عينة : ما الذي سيحدث إن نحن دمرنا أو اضعفنا المنظمة الوحيدة التي تستطيع توفير الوضع الضروري الملائم لصياغة قواعد عولمية اكبر ؟

في كل الأحوال يمكن القطع بأن هناك قلة من الأمريكيين تفكر بشكل عقلاني اليوم عن اثر الاعتماد المتبادل في مجالات قليلة، فهي تفهم الآن انه يمكن لفيروس جديد في قارة إفريقيا أن يصل إلى الشواطئ الأمريكية في لحظات، فيروسات لا تحتاج إلى جوازات سفر ، ولا تحترم الحدود، ويصدق هذا على الكوارث البيئية، ولم يمر الأمريكيون بكارثة نووية تشبه كارثة تشرنوبيل ، لكنهم بدأوا يفهمون انه يمكن للتغير المناخي أن يؤثر عليهم .

وفي مجال الاستثمار حيث يبدو أن الولايات المتحدة تتمتع الآن بالقوة المالية، فإن الأزمات الآسيوية في التسعينيات، وكذا أزمة البنوك الأمريكية في 2007 و 2008 أثبتت أن أمريكا تتأثر بشكل كبير بما يجري خارجها .

خذ إليك أيضا الحاجة الماسة إلى وجود مؤسسة أممية يقف عليها عقلاء العالم ، كي يمنعوا الصدام الذي يمكن أن ينشأ بين عشية وضحاها بين واشنطن التي تريد الانسحاب من الاتفاقيات النووية مع روسيا ، وموسكو التي تسارع الخطى لعسكرة الفضاء ما يجعل الكرة الأرضية جحيما مقيما .

هناك إشكاليات عريضة أخرى تؤثر على الأمن القومي العالمي كالصدام المتوقع بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية من جراء جزر بحر الصين، وكيف يمكن أن يكون المشهد العالمي اقتصاديا وعسكريا إذا انفلتت الرؤوس الساخنة بين الطرفين .

ربما يتوجب على إدارة الرئيس ترامب الاقتناع الكامل بأن إصلاح الأمم المتحدة أمر مهم للغاية للأمريكيين بنفس القدر الذي هو مهم بالنسبة لدول العالم .. هل من يخبر العم ترامب ؟