الترميم يعيد سوق بهلا إلى مكانته كمعلم تراثي ومركز تجاري فاعل
يعود تشييده إلى الربع الثاني من القرن الـ19 الميلادي -
نزوى- سيف بن زاهر العبري -

يعد مشروع ترميم سوق بهلا في ولاية بهلا بمحافظة الداخلية جزءا من منظومة متكاملة تقوم على الاهتمام بالإرث التاريخي العريق للولايات العمانية، كما يأتي ترميم السوق ضمن الاهتمام المتواصل الذي توليه وزارة التراث والثقافة للمحافظة على الموروث الثقافي الإنساني، من منطلق الأهمية الكبرى التي يشكلها هذا التراث والتي تتمثل في تحقيق مجموعة من الأهداف المهمة: فهو عنصر أساسي في تقوية الإحساس بالانتماء والتشبث بالهوية. كما أن التراث هو لسان التاريخ الذي ينطق بالوقائع والأحداث من خلال ما تبقى من مظاهره وشواهده، كذلك يعتبر الأرضية التي من خلالها تنطلق وتدعم برامج التطوير والتنمية.
ويعد سوق بهلا من المعالم المهمة التي تندرج ضمن مفردات محمية واحة بهلا، التي اعتمدتها منظمة «اليونيسكو» كمحمية ثقافية بتاريخ 9 ديسمبر 1987م بدورتها الثانية عشر بالبرازيل، حيث تضم المحمية واحة بهلا بأسواقها التقليدية، وحاراتها القديمة، ومساجدها الأثرية، ودورها الأصيلة، وسورها الذي يبلغ طوله ما يقارب 13 كم ويعود تاريخ بنائه إلى فترة ما قبل الإسلام. ويعود بناء السوق إلى الربع الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي حسب ما أفادت به الأسبار التي أجريت فيه عام 2013م، وقدمت معطيات أثرية متمثلة في كسور فخارية ونقود تعود إلى تلك الفترة، وتحد السوق أربعة شوارع شرقا وغربا وجنوبا وشمالا. ويمتد على مساحة مستطيلة الشكل تقدر بـ 4270 متر مربع طولها 80 مترا وعرضها 65 مترا.
معلم تاريخي وإرث حضاري
من هنا يندرج سوق بهلا ضمن أحد أهم مكونات المحمية الثقافية، فيتوسط السوق حارتي السفالة والعلاية وهما الحارتان المكونة لمدينة بهلا، ويفصله عن الهضبة التي شيدت فوقها القلعة مجرى مياه يسمى شرجه عند الأهالي والشارع المعبد الذي تم إنشاؤه عام 1997م. وقد سعت وزارة التراث والثقافة ممثلة في الجهات المختصة لديها بما في ذلك دائرة التراث والثقافة بمحافظة الداخلية الى تنفيذ مشروع ترميم سوق بهلا ليكون معلما تاريخيا وإرثا حضاريا وموروثا ثقافيا، فقد أصبح التراث الثقافي اليوم قد أصبح من المرتكزات الاقتصادية المهمة في العديد من الدول التي انخرطت في تجربة تأهيل تراثها واستغلاله لتحسين اقتصاداتها والرفع من مداخيلها وتنشيط سياحتها، مثلما هو الحال في بعض التجارب العالمية التي اعتمدت مثل هذا المنهج فجعلت من تراثها الثقافي أساسا قويا لبناء اقتصاد متميز أوجد رواجا تجاريا بداخلها، نذكر منها فرنسا إسبانيا إيطاليا. هذه النماذج تمثل لنا خير دليل على أن التراث الثقافي لا يمكن أن يختزل في بعده الجمالي أو الرمزي أو يقتصر على أعمال المحافظة والصيانة، وإنما له أيضا بعد اقتصادي مهم يستند إلى الإمكانيات الكامنة والأجواء المتميزة فيه ليكون أحد أهم محركات التنمية. وبالتالي فإن الواقع التراثي لولاية بهلا استدعي العمل ضمن هذا التوجه بدمج التراث بكل مكوناته في صلب المخططات الاقتصادية والتنموية دون إغفال مقتضيات الصيانة والمحافظة، إلى أن أصبح السوق بحلته الجديدة جزءا مهما من محمية بهلا، بما يسهم في تحقيق الأهداف المنشودة في تعزيز برامج التوظيف التنموي للتراث الثقافي بها.
مخطط موقعي للسوق
القديم والحديث
أظهرت جهود ترميم سوق بهلا وضع مخطط موقعي للسوق القديم والسوق الحديث حيث يشق السوق ممر رئيسي ذو اتجاه شرقي- غربي يصل بين بابين وتنطلق منه خمسة ممرات مرتبطة عبر أبواب بالشارع الذي يحد السوق جنوباً. وشكلت شبكة الممرات سبع كتل مختلفة المساحات بنيت بها دكاكين عديدة اختصت بالتجارة ما عدا الغربية التي احتوت على محلات لبيع اللحوم والأسماك والصناعات التقليدية. وقد بني السوق في الأصل بتقنيات متعارف عليها بالعمارة العمانية التقليدية حيث بنيت جدرانه من قوالب الطابوق الطيني، واعتمد في تسقيف محلاته على جذوع النخيل والدعون وخشب الكندل، وجاءت أبواب دكاكينه الخشبية في زخارف أصيلة أحدث خصوصية فريدة كونت احد أهم خصوصيات السوق.
بناء محلات السوق بمواد حديثة
بدت أغلب المحلات الواقعة في حدود العملية النموذجية من السوق منهارة ومتداعية أو مهجورة قبل البدء في أعمال الترميم والصيانة، كما تمت إعادة بناء بعض محلات السوق بمواد حديثة غير تقليدية، الأمر الذي شوه جزءا مهما منه وافقده خصوصياته وأصالته التي كانت تبوأه مكانة مهمة كمرجع أصيل ينبع حيوية ونشاط ليقدم لوحات بديعة من الحياة الاجتماعية العمانية والعمارة التقليدية. وقد تخلى عنها أصحابها بعد أن غابت الظروف الملائمة لمزاولة نشاطهم الحرفي والتجاري وظل قسم أخر من المحلات مغلقاً أو موظفاً كمخازن يزود أصحاب المحلات الواقعة خارج الســــــوق (السوق الحديث) بالسلع والبضائع، حيث عمد التجار ودون أن ينتبهوا إلى نقل الحركة التجارية النشطة التي كانت قائمة داخل السوق القديم إلى محيطه الخارجي. كما كانت المحلات الواقعة في حدود العملية النموذجية وقبل مباشرة أعمال الترميم والصيانة في وضع حرج، حيث بدت في حالة من التصدع والإهمال حلت بها على إثر فيضانات وأمطار أتت على هذا الجزء من السوق فخربته وهدمت قسماً كبيراً منه فانهارت الجدران وعدد من الأسقف وتركت في وضع حرج يستدعي التدخل العاجل والمعالجة الفورية حتى يعود إلى سابق نشاطه وحيويته.
الدراسة الأنثروبولوجية والتراثية
بالرجوع إلى الدراسة الانثروبولوجية والتراثية الخاصة بسوق بهلا التي أعدتها وزارة التراث والثقافة توصلت إلى ما يفيد بأن 78.70% من محلات السوق القديم لا تؤدي حالياً وظيفتها التجارية، فهي إما حولت إلى مخازن أو إلى مكاتب لأغراض وظيفية أو هي بصدد الترميم. لقد تسببت هذه الوضعية في تدهور حالة السوق وركوده مما يستوجب إيجاد الطريقة المثلى لضبط اشتراطات مسبقة تكون مضمنة بكراس شروط ملزمة تسمح بمراقبة عملية الإيجار وتحديد المهنة والحرفة التي سيتم مزاولتها، كما يجب النظر في حل مشكلة المخازن والمحلات الوظيفية . وقد ظل سوق بهلا الذي يقع في قلب الحركة التجارية للمدينة منذ أمد طويل عرضة للعديد من التدخلات أملتها الحاجة إلى تطوير وظائفه واستعمالاته حتى تتلاءم مع تطور الحاجيات ذلك ما أحدث شرخا في نسق ونظام عمارته وأصابت جوانب منه بالإهمال فصارت أقسام منه منهارة ومتصدعة. ولمعالجة هذه الوضعية الحرجة التي بدا عليها السوق، قامت وزارة التراث والثقافة بالتعاون مع فريق تونسي مختص في ترميم المعالم التاريخية والأثرية ببرنامج الترميم والصيانة من أجل إنقاذ هذا المعلم المهم من حالة الإهمال والتلف ودمجه من جديد ضمن الحركة الاقتصادية التي تزخر بها مدينة بهلا. مع مراعاة كل المبادئ التوجيهية والتوصيات الصادرة عن الجهات المختصة والمؤسسات العالمية التي تنصح بالتدخل الحذر مع المحافظة على أصالة المعلم والعمل على استعادة خصوصياته المعمارية التقليدية بما يضمن حماية القيمة الثقافية الاستثنائية العالمية لموقع بهلا المدرج على قائمة التراث العالمي. وقد اعتمد في صيانة وترميم وتهذيب سوق بهلا القديم نهجا وتصورا شاملا ودقيقا يسمح لكل المختصين وكل الجهات ذات الصلة من العمل سويا لتحقيق برنامج تحترم فيها مفاهيم المحافظة وإعادة تأصيل المكان، وهو المبدأ الأول الذي يعتمد لصياغة التصاميم والمقترحات وإنجاز التدخلات قصد ترميم السوق وصيانته والحفاظ عليه وإنقاذه من حالة التردي والإهمال.
فترة ازدهار السوق قديما
كشفت أعمال التنقيب الأثري والدراسات التاريخية المنجزة داخل وحول سوق بهلا من خلال فريق تونسي مختص عن نتائج هامة حيث تم العثور في الوحدات التراسبية الأخيرة الموجودة تحت أرضية الدكاكين والساحتين على عدد كبير من النقود التي ضرب أقدمها في الهند البريطانية سنة 1830، 1833م، 1835م، 1857م، 1862م. وتدل الحالة الحسنة لبعض هذه النقود على كونها غمرت في التراب بعد فترة قصيرة من تداولها مما يرجح أن السوق كان نشطا في منتصف القرن التاسع عشر وهو تاريخ بنائه. أما النقود الأكثر عددا فقد ضربت في عهد السلطان فيصل بن تركي سنة 1315 هـ الموافق لسنة 1898 م وهذا يدل على أن السوق عرف فترة ازدهار في بداية القرن 14 هـ والموافق لأواخر القرن 19 م. أما تدهور أنشطة السوق تعود إلى توجه أنشطة تجارية إلى خارجه، الأمر الذي أدى إلى تقلص عدد الممارسين لمهنة التجارة فيه وانخفاض حركته والى نقص موارد أصحابه فأجبر العديد منهم على غلق محلاتهم. كما أن اكتشاف أسس بناءات سبقت السوق بالأسبار المنجزة داخل السوق تبين وجود بقايا جدران لبناية قديمة سبقت بناء السوق يعود تأريخها بين القرن الثاني عشر والسادس عشر الميلادي الموافق إلى أوائل القرن الخامس وبداية القرن العاشر هجري حسب فخار بهلا الذي عثر عليه في مواقع أخرى في سلطنة عمان والمعروف بالفخار ذو اللون العسلي.
الأبواب والنوافذ على الطراز التقليدي
أنجزت خطة عمل أعمال الترميم والصيانة في مرحلة أولى عند حدود ما اصطلح على تسميته بالعملية النموذجية التي جمعت خمس وستون محلا. فبعد الاطلاع على وضعية الأسس عند إجراء التنقيبات والحفريات الاستكشافية، تم مباشرة أعمال التنظيف برفع الأنقاض المتراكمة والمتكدسة داخل المحلات المتداعية والمنهارة وعند الممرات المسدودة والتي عطلت الحركة داخل هذا القسم من السوق. اثر ذلك انطلقت أعمال حفر أسس الدكاكين المتداعية وتدعيمها وبداية بناء جدران المحلات من الطابوق الطيني تعويضا لما تم إحداثه سالفا من جدران مبنية بالطابوق الإسمنتي وتضافرت الجهود من اجل تصنيع الأبواب والنوافذ على الطراز التقليدي حتى يتم تعويض الأبواب الحديدية الحديثة التي تشوه المنظر العام للسوق. كما شملت أعمال التسقيف على الطريقة التقليدية بخشب الكندل وجذوع النخيل حتى يستعيد السوق ما فقده من خصوصياته وأصالته ليتصالح مع الأجواء التراثية التقليدية. وأسهم التفاعل الإيجابي والاستحسان الكبير من طرف أصحاب المحلات ومرتادي السوق، مما شجع المالكين والمستأجرين للمحلات للتعاون ودعم أعمال الترميم والصيانة حتى أن بعضهم بادر بطلب من الجهات الراعية للمشروع للتدخل بمحلاتهم، ففتحت الأبواب المغلقة وذللت العقبات وانطلقت الأعمال الضرورية والهامة لتغطي كل الأقسام التي تمت برمجتها في هذه المرحلة وفي حدود العملية النموذجية.
توظيف السوق كمركز تجاري فاعل
لقد تضافرت الجهود من أجل تضليل العقبات، فاجتمعت كل الجهات ذات العلاقة من مجتمع محلي وسلطة جهوية وأصحاب محلات من أجل العمل الجماعي المتواصل والدؤوب حتى تحقيق هذا الهدف السامي وهو الحفاظ على السوق في شكله التقليدي وإعادة إحيائه كأحد أهم معالم محمية بهلا المرسم على قائمة التراث العالمي. وحتى تتحقق الأهداف المنشودة فإن التدخل قصد صيانة وترميم سوق بهلا القديم قد اعتمدت نهجا وتصورا شاملا ودقيقا يسمح لكل المختصين وكل الجهات ذات الصلة من العمل سويا لتحقيق برنامج تحترم فيها مفاهيم المحافظة وإعادة تأصيل المكان. إن هذا المبدأ هو الذي رسمت من خلاله مناهج التدخل والمعالجة وهو الذي اعتمد لصياغة التصاميم الهندسية. إن أحد المعوقات الكبرى التي يستوجب النظر فيها بصفة عاجلة ودون تأخير تخص موضوع الحسم في طريقة إدارة السوق وتسليم المحلات المرممة إلى أصحابها وضرورة التأكد من طبيعة ونوعية الاستعمالات، وذلك حتى نتفادى التفريط في محلات كلفت الوزارة مبالغ مهمة وهُيئت حتى تستوعب نشاط تجاري ومهني تراثي يعيد الاعتبار للسوق ويسمح بتفادي الاستعمالات العشوائية التي تتعارض مع التوظيف السليم للمحلات. وحتى نتمكن من إعادة توظيف السوق ليستعيد مكانته كمركز تجاري فاعل ومعبرا عن القيمة التراثية التي يتمتع بها، فإنه من الأجدى أن تباشر الجهات المعنية النظر في الإمكانيات المتاحة للإعادة توظيف المحلات داخل العملية النموذجية وقطع الطريق أمام الاستعمالات الغير مجدية للمحلات والتي لا تتوافق مع الأهداف المرسومة لإعادة تنشيط الحركة التجارية بالسوق القديم.
قيمة أثرية ومعمارية
وهكذا أصبح سوق بهلا معلما بارزا بأصالته التراثية والتاريخية العريقة، إن أصالة المعلم التاريخي تعتبر المؤشر الأول والمحدد الأساسي لقيمته التراثية والتاريخية، فهي الشغل الشاغل للأثريين والمعماريين والعاملين في حقل التراث، حتى يظل الأثر محافظا على قيمة التراثية والتاريخية وهو المعطى الأساسي الذي نبين من خلاله قدرة المعلم التاريخي الفائقة على الصمود عبر العصور كقيمة أثرية ومعمارية ثابتة دون أن يلحقها أي أذى أو خلل يخدش أصالته وخصوصيته ويبدل مظهره العام وشكل صياغتها الأولى الأصيلة. وكلمة شكر نسجلها لدائرة التراث والثقافة بمحافظة الداخلية على تعاونها في الحصول على معلومات وافية عن مشروع ترميم سوق بهلا كأحد أهم الأسواق القديمة بمحافظة الداخلية.
