مختصون يؤكدون ضرورة الوعي البيئي ونشر ثقافة الاستدامة
رغم الجهود المتواصلة لتعزيز الوعي البيئي، لا تزال بعض مواقع التجمعات والمناسبات الاجتماعية تشهد مشاهد متكررة من المخلفات المتناثرة بعد انتهاء الفعاليات، في سلوك يترك آثارًا تتجاوز تشويه المشهد العام إلى الإضرار بالبيئة والصحة العامة.
وللوقوف على أسباب هذه الممارسات وآثارها، واستعراض السبل الكفيلة بالحد منها، أجرت "عُمان" استطلاعًا لآراء عدد من المختصين في الشأنين البيئي والاجتماعي.
وحول هذه الظاهرة، أكد الدكتور سلطان بن محمد القاسمي المختص في مجال التواصل والإعلام، أن وعي المجتمع لا يقاس بما يتركه في موقع المناسبة من فرح وذكريات جميلة فحسب، بل يقاس أيضًا بما يتركه من أثر بعد انصراف الحضور، فالمكان الذي احتضن لقاءنا وفرحتنا يستحق أن نغادره كما وجدناه أو أجمل مما كان؛ لأن المحافظة عليه ليست مسؤولية جهة معينة، وإنما مسؤولية أخلاقية ومجتمعية يتشارك فيها الجميع.
وأضاف القاسمي: عندما نتحدث عن الاستدامة والمسؤولية البيئية، فإننا لا نتحدث عن مفهوم حديث أو ثقافة مستوردة، بل عن قيم أصيلة عرفها المجتمع العماني منذ القدم؛ حيث كان الإنسان العماني يحافظ على موارد بيئته ويحسن التعامل معها، إدراكًا منه أن ما بين يديه أمانة يجب أن تبقى للأجيال القادمة. ولذلك فإن المحافظة على النظافة العامة وعدم ترك المخلفات في مواقع التجمعات ليست مجرد سلوك حضاري، بل امتداد لقيم تربينا عليها وتعلمناها في بيوتنا ومجالسنا ومدارسنا.
وأعرب القاسمي عن أسفه لانتشار هذه الظاهرة في المجتمع، وقال: لا تزال بعض المظاهر السلبية تتكرر في عدد من المناسبات الاجتماعية والفعاليات العامة؛ حيث تتحول بعض المواقع بعد انتهاء التجمعات إلى أماكن تعج بالمخلفات وبقايا الأطعمة والعبوات المختلفة. وقد يظن البعض أن الأمر بسيط أو أن هناك من سيأتي لاحقًا لتنظيف المكان، إلا أن هذا التفكير يتنافى مع مفهوم المسؤولية المجتمعية التي تقوم على أن يكون كل فرد جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة.
وأكد أن الأثر البيئي لهذه السلوكيات يتجاوز المشهد غير الحضاري الذي نراه بأعيننا، فبعض المخلفات تبقى في البيئة لفترات طويلة، وتؤثر في التربة والكائنات الحية، وتشوه المواقع الطبيعية التي يقصدها الناس للراحة والاستمتاع. كما أن استمرار هذه الممارسات يرسخ لدى الأجيال الجديدة سلوكًا خاطئًا يجعلهم يتعاملون مع الأماكن العامة باعتبارها مسؤولية الآخرين وليست مسؤوليتهم الشخصية.
تعزيز ثقافة الاستدامة
ويرى القاسمي أن نشر ثقافة الاستدامة يبدأ ببناء القناعة قبل فرض التعليمات؛ فالإنسان عندما يقتنع بأن المحافظة على البيئة جزء من أخلاقه وقيمه، فإنه سيمارس هذا السلوك تلقائيًا دون حاجة إلى رقابة أو متابعة. وتبقى الأسرة المحطة الأولى في هذا الجانب، فهي التي تغرس في الأبناء احترام المكان والمحافظة على الممتلكات العامة والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع.
كما أشار إلى أن للمؤسسات التعليمية والإعلامية دورًا مهمًا في تعزيز هذا الوعي، ليس فقط عبر الرسائل التوعوية التقليدية، وإنما من خلال المبادرات العملية والقصص الملهمة والنماذج الإيجابية التي تجعل الاستدامة سلوكًا يوميًا يعيشه الناس في واقعهم. فالكلمات مهما كانت جميلة لا توازي أثر القدوة الحسنة والممارسة العملية.
واقترح القاسمي استثمار المناسبات الاجتماعية في نشر ثقافة الاستدامة، بحيث تتحول هذه المناسبات إلى منصات عملية لترسيخ السلوكيات الإيجابية. وعندها يصبح من الطبيعي أن يحرص المشاركون على تنظيف المكان بعد انتهاء المناسبة، وأن يشعر الجميع بأن المحافظة على البيئة جزء من نجاح الفعالية وليست أمرًا ثانويًا يأتي بعدها.
وختم القاسمي حديثه بالتأكيد على أن المجتمع الذي يحافظ على بيئته هو مجتمع يحافظ على صورته وقيمه ومستقبله في آن واحد. فالاستدامة ليست مجرد شعار يرفع في المناسبات، بل وعي يتجسد في السلوك ومسؤولية تبدأ من الفرد وتمتد إلى الأسرة والمؤسسة والمجتمع بأكمله. وعندما نغرس هذا المفهوم في نفوس الأجيال القادمة، فإننا لا نحافظ على نظافة المكان فحسب، بل نرسخ ثقافة وطنية قائمة على المسؤولية والاحترام وحب الوطن.
الأثر البيئي للظاهرة
قال يوسف بن علي النوفلي مختص بيئي: إن أبرز التحديات البيئية الناتجة عن رمي المخلفات بعد المناسبات والحفلات هي عدم قدرة الجهات المعنية على استيعاب تنظيف الأماكن العامة بسبب اتساع رقعتها والتوسع في إنشاء الحدائق والمتنزهات، مع صعوبة توفير الأيدي العاملة الكافية، وزيادة تكلفة المعدات، وذلك بسبب ازدياد ظاهرة رمي المخلفات بشكل مفرط.
وأكد النوفلي أن تراكم النفايات يؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة؛ حيث قال: إن انتشار بعوضة الزاعجة المصرية التي تسبب الحمى قد نتج بسبب تجمعات المياه التي تخرج من المنازل والمزارع وتراكم النفايات في بعض الأماكن، مما أدى إلى تكاثرها وبذل الجهات المختصة جهودًا كبيرة وعبئًا إضافيًا في التخلص منها.
وذكر النوفلي أن بقايا الطعام وأعواد المشاكيك هي أكثر المخلفات انتشارًا في الأماكن العامة والشواطئ بعد التجمعات وإقامة المناسبات، وتسهم الرياح في نشرها على مساحة أكبر، مما يتطلب جهودًا مضاعفة في عملية التنظيف.
وأشار إلى أن الممارسات السلبية في رمي النفايات من أولياء الأمور أمام أبنائهم، تخلق جيلًا غير مهتم بالنظافة في الأماكن العامة، وتزداد الظاهرة في إجازات نهاية الأسبوع في فصل الشتاء وأيام الإجازات الرسمية.
ونبه النوفلي إلى أن مخلفات الشواطئ البلاستيكية تعتبر خطيرة ومصنفة دوليًا كضرر شديد الخطورة على البيئة البحرية، وتم سن عدة قوانين للحفاظ على البيئة البحرية. مضيفًا إن أغلب المبادرات تعتبر اجتماعية من مكاتب الولاة في المحافظات بمشاركة المجتمع، إضافة إلى مساهمات فرق الغواصين المتطوعين في تنظيف المرجان في قاع البحار والشواطئ.
وبين النوفلي أن عملية إعادة تدوير النفايات لها أثر إيجابي في الاستدامة البيئية، فهي تعتبر مهمة جدًا في تقليل عمليات التخلص من النفايات، وذلك عبر نقلها إلى جهات مختصة تهتم بعملية التدوير وتوفر موارد مالية عالية للدولة.
السلوك الجمعي وعلاقته بانتشار الظاهرة
وقالت فاطمة بنت صالح الغافري أخصائية اجتماعية: إن حرص بعض الأفراد على نظافة منازلهم وإهمالهم الأماكن العامة يرجع إلى ضعف الوعي بالمسؤولية الجماعية وغياب الشعور بالانتماء إلى المكان العام، إضافة إلى الاعتماد على الخدمات البلدية بعد انتهاء الفعاليات.
وأشارت إلى أن العادات الاجتماعية تؤثر بشكل مباشر في تشكيل السلوك البيئي؛ إذ يعد السلوك الجمعي معيارًا ضاغطًا يحدد مستوى الالتزام أو الإهمال، ويعد ضعف الإحساس بالمسؤولية الجماعية من العوامل المحورية في تزايد المخلفات في المناسبات؛ حيث يؤدي غياب الشعور بالملكية المشتركة إلى ضعف الالتزام بسلوكيات النظافة.
وأكدت الغافري أن الأسرة تؤدي دورًا تأسيسيًا عبر القدوة والتنشئة المبكرة، بينما يعزز المحيط الاجتماعي ترسيخ هذه القيم أو إضعافها بحسب السلوك السائد.
وأوضحت أن انتشار ظاهرة التفاخر في المناسبات وزيادة الاستهلاك المفرط للطعام وغيره، قد عزز أنماطًا استهلاكية غير رشيدة أدت إلى فائض في المشتريات وزيادة النفايات ذات الاستخدام الواحد، مشيرة إلى أن المشاهد السلبية للمخلفات تؤثر على الانطباع الحضاري العام، وتعكس ضعفًا في الوعي البيئي والتنظيم المجتمعي.
وبينت الغافري أن هناك علاقة طردية بين الوعي البيئي ومستوى التحضر الاجتماعي؛ فارتفاع الوعي البيئي يعد مؤشرًا على تطور السلوك الحضاري للمجتمع، وقالت: إن التوعية الميدانية وتوفير بنية تحتية واضحة لفرز النفايات وإعادة التدوير أثناء المناسبات تسهم في تعزيز ثقافة النظافة، وتزيد المسؤولية المجتمعية لدى أفراد المجتمع.
الأسرة والوعي البيئي
وشاركت هند بنت سالم الحضرمي رأيها حول نسبة الوعي البيئي للأطفال داخل الأسر، وقالت: لا أرى أن هناك قدرًا كافيًا من الوعي البيئي للأطفال، ربما هناك وعي بسيط، ولكن الأطفال يحتاجون إلى تذكير به بين الحين والآخر، ولاحظت في بعض المناسبات رمي علب الماء والعصائر على الأرض، ورمي بعض الأدوات المستخدمة في الاحتفالات على الأرض.
وأكدت الحضرمي أن وضع قوانين حازمة للطفل داخل البيت، وكذلك تحفيزه بالمسابقات التي تشجعه على نظافة البيئة، يغرس في داخله المحافظة على النظافة ويعزز شعوره بالمسؤولية تجاه نظافة أي مكان يحضر فيه.
كما حرصت الحضرمي على ضرورة إشراك الأطفال منذ نعومة أظافرهم في المشاركة في حملات التنظيف والمبادرات البيئية، مشيرة إلى أنها تشجع أطفالها على المشاركة أيضًا، لخلق جيل مسؤول وواعٍ تجاه وطنه.
ووجهت الحضرمي رسالتها للأسر والمربين بضرورة إدراكهم أنهم جزء مهم في تعزيز الوعي البيئي، فقد يكون التغيير المطلوب نابعًا من الأسرة باعتبارها المؤسسة المجتمعية الأولى التي تغرس القيم والمبادئ التي يحتاجها المجتمع.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الجهود الرامية إلى تعزيز الوعي البيئي وترسيخ مفاهيم الاستدامة، تبقى الممارسات اليومية للأفراد هي المعيار الحقيقي لنجاح هذه الجهود. فالمحافظة على نظافة مواقع التجمعات والمناسبات ليست مجرد سلوك حضاري عابر، بل تعبير عن وعي مجتمعي يعكس احترام الإنسان لبيئته وحرصه على أن تبقى الأماكن العامة نظيفة وآمنة وجميلة للجميع.
