عمان اليوم

رمضان.. منهج حياة يعيد تشكيل الذات ويهذب الأخلاق

24 فبراير 2026
24 فبراير 2026

العُمانية : يعد شهر رمضان المبارك نموذجًا للحياة في ظلال القيم والأخلاق والإنسانية والعدالة والنظام، وممارسة مؤطرة بقواعد ونظم ومبادئ والتزام، كونه يتيح إعادة صياغة علاقة الشباب بالزمن، ويحوّل الحياة اليومية إلى ممارسة متكاملة للتغيير الذاتي والارتقاء الأخلاقي، ويجعل كل فعل وقرار يرتبط بالقيم العليا والغايات الإنسانية، مما يمنح الشباب القدرة على مواجهة التحديات الحديثة، ويحميهم من الانغماس في ضغوط الاستهلاك العشوائي، ويعزز لديهم الشعور بالمسؤولية تجاه الذات والمجتمع، ويعد شهر رمضان منهج حياة، يربط بين الزمن والمعنى، والقيم والروح، والإنسانية والمشتركات، مدخلاً لصناعة إنسان قادر على إدارة ذاته، وحماية وعيه وبناء توازن يحصّنه أمام إغراءات الاستهلاك وضغوط الحياة، ويصنع منه إنسانًا قادرًا على مواجهة التحديات المعاصرة بكل وعي وثبات وسكينة.

وقال الدكتور رجب بن علي العويسي خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية بمجلس الدولة عن تسارع إيقاع الحياة الحديثة: إن هناك جملة من الموجهات والدلالات العميقة التي يحملها شهر رمضان المبارك؛ فهو الإنسانية في أسمى تجلياتها، والروحانية في أرفع صورها، كونه مرحلة زمنية مميزة، تختلف عن باقي أيام السنة في طبيعتها وأثرها النفسي والروحي والاجتماعي، وبخاصة على الشباب الذين يعيشون في ظل حياة متسارعة، تتلاحق فيها الأحداث وتتقاطع المتطلبات، فيصبح الزمن لديهم عنصراً ضاغطاً، يستنزف طاقتهم ويربك إدراكهم لأهدافهم وقيمهم. فشهر رمضان محطة تحوّل ومنهج تغيير في إعادة برمجة الفكر والقناعات، وتوجيهها نحو بناء آمال متجددة لمستقبل أفضل، فهو زمن مختلف، يُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والوقت، ويحوّل اللحظات العابرة إلى فرص للنمو والوعي، واستثمار النفس في تحقيق المعاني السامية.

وأضاف: يبرز شهر رمضان المبارك كمدخل لإعادة النظر في العلاقة بالزمن، إذ يجعل كل لحظة فرصة للمُحاسبة، والاستثمار للوقت فيما يعزز تقوى النفس ويرتقي بها نحو الأهداف العليا. فالصوم ممارسة واعية تتطلب الصبر، وتنمية الإرادة، وضبط الجوارح، ما يمنح الإنسان القدرة على إدارة ذاته ووقته بوعي ومسؤولية. فإن تنظيم أوقات الصلاة والعبادة والراحة والطعام والقراءة والعمل يجعل من الزمن في رمضان تجربة مضبوطة وهادفة، بحيث تتحول كل دقيقة وجليلة إلى فرصة لتعميق العلاقة مع الله، ومع النفس، ومع الآخرين، فتتجلى قيمة الزمن ليس كمورد مادي مستهلك، بل كمساحة للمعنى والارتقاء الروحي.

وأوضح أن أثر شهر رمضان المبارك يمتد ليشمل بناء الصحة النفسية والفكرية للشباب، إذ يعزز التوازن الداخلي ويقلل من التشتت الناتج عن الانغماس في متطلبات الحياة العاجلة. فالممارسة الواعية للعبادة والذكر والتأمل، توفر للنفس مساحة سكون وطمأنينة، فتشعر بالسلام الداخلي والرضا، ويزداد شعوره بالقوة على مواجهة ضغوط الحياة اليومية. كما يؤصل الشعور بالانتماء الاجتماعي والترابط المجتمعي والتواصل الإنساني، من خلال أعمال البر والصدقة والتطوع، ما يعزز الشعور بالقيمة الذاتية والمسؤولية تجاه الآخرين، ويجعل الشباب أكثر قدرة على مواجهة التحديات النفسية والاجتماعية بروح متوازنة وحس مسؤول.

وأضاف أنه من الناحية الاستهلاكية، يقدم شهر رمضان فرصة نوعية لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والمادة والرغبات، فهو يعيد للإنسان طبيعته في مواجهة إغراءات السوق والمروجين لثقافة الاستهلاك. فالصوم يُدرّب النفس على ضبط الرغبات، وتحويل الصدقة والإنفاق من استهلاك فردي لحظي إلى عطاء جماعي مستدام، ما يعزز القناعة ويقلل من النزعة المادية، ويغرس في النفس القدرة على التمييز بين ما هو ضروري وما هو تسويقي، وبهذا المعنى يشكل شهر رمضان مدرسة متكاملة لإدارة الذات والوقت، سواء كان شعيرة أو عمل خير أو تعليما أو نشاطا اجتماعيا فهو عبادة ترتبط بهدف سامٍ، بما يجعل الشباب يعيشون الحياة بوعي، ويجعلهم قادرين على توجيه طاقتهم نحو ما ينفعهم وينفع مجتمعهم.

من جهتها أكدت الدكتورة طاهرة بنت عبدالخالق اللواتي استشارية نفسية وتربوية أنه يمكن للشباب استثمار ضبط الوقت الذي يأتي به شهر رمضان المبارك ليتحول إلى نمط مستدام يعزز الإنتاجية والتوازن النفسي بعد انقضاء الشهر المبارك، فإعادة ضبط الأوقات يساعده على كسر الروتين بخاصة إذا كانت هناك عادات خاطئة لدينا في إدارة الوقت، حيث إن شهر رمضان يعمل على إدارة الوقت بطريقة صحيحة.

وقالت: يعد إدارة الوقت أحد المفاهيم الحديثة التي تؤثر على استثمار الوقت بطريقة صحيحة، وهو إحدى ثمرات شهر رمضان، فنلاحظ الكثير ينجح في إدارة الوقت في شهر رمضان المبارك وآخرون يفشلون بسبب عدم القدرة على الإدارة الصحيحة للوقت، واعتبار الشهر الفضيل شهرًا طارئًا للسهر في الليل والخمول في النهار.

وأوضحت أن إدارة الوقت الخاطئة كالسهر إلى ما بعد الساعة الـ12 ليلاً للعب كرة القدم إلى ما قبيل الفجر، أو غيرها من المناشط الرياضية أو مشاهدة الأفلام والتسلية طوال الليل، يقوض استمرارية النشاط النهاري، ويتحول النهار إلى وقت للخمول للتعويض عن نقص النوم الليلي. مؤكدة أن الإنتاجية في شهر رمضان المبارك تكون أفضل بكثير لأن الإنسان يستطيع العمل طوال النهار، فلا يقطعه بوجبة الغداء، فمن الصباح إلى وقت الإفطار يستطيع العمل والإنتاج الفكري والذهني ويشعر بنفسه خفيفًا وقادرًا على العطاء ولا يحتاج إلى قيلولة، مما يمد نشاطه الذهني فيعطيه ساعات إضافية للإنتاج والعطاء وصفاء الذهن وتوقده، وإذا رجعنا إلى تاريخنا نقرأ أن معركة بدر العظيمة التي حصلت في شهر رمضان وغيرها من المعارك الخالدة في تاريخنا، فلم يكن النهار لدى أسلافنا وقتًا للخمول أو الشعور بالتعب أو الاهتمام بالطعام ساعات طويلة.

وأكدت الدكتورة طاهرة اللواتي أن إطالة السهر وتحويل الليل إلى نهار وتحويل النهار إلى وقت للنوم يعرض الإنسان إلى تغيرات في الساعة البيولوجية وعمل الغدد في جسمه، فهناك غدد لا تعمل إلا وقت النوم وفي الظلام، أو تفقد قدرتها على العمل، فتحدث الاختلالات الجسمية، مما يؤثر بالتالي على صحة الإنسان ونفسيته أيضًا.

بدوره قال عبدالله بن محمد العبري باحث في الاقتصاد السلوكي وعضو اللجنة الاقتصادية العُمانية: في سلطنة عُمان، لا يأتي شهر رمضان كتغيير في مواعيد الطعام والنوم فقط، بل يأتي كتغيير في “شكل اليوم” كاملًا البيت والمدرسة ومكان العمل يتبدّل إيقاعه، والمجالس تتغيّر مواعيدها، والناس ترتبط أكثر بالمسجد، والوقت يصبح واضحًا كأنه مقسّم أمامنا بمحطات ثابتة سحور، فجر، دراسة/عمل، عصر، إفطار، تراويح وهنا بالضبط تكمن قوة رمضان هو موسم جاهز لتغيير السلوك؛ لأن الإنسان حين يتغيّر يومه، تضعف عادات “الوضع التلقائي”، وتظهر مساحة لإعادة ترتيب العادات من جديد، لكنّ التغيير لا يحدث تلقائيًا لمجرد أننا صائمون، البعض يخرج من شهر رمضان أكثر هدوءًا وانضباطًا، والبعض يخرج متعبًا، كثير السهر، شديد التوتر، وأكثر تعلقًا بالهاتف والمسلسلات والتلفزيون الفرق ليس في النية، بل في طريقة إدارة السلوك وعلم السلوك يقولها ببساطة لا تراهن على قوة الإرادة وحدها، بل اجعل السلوك الجيد سهلًا وصغيرًا ومربوطًا بوقت ثابت.

وأضاف: أن كثيرًا من سلوكياتنا اليومية ليست قرارًا نتخذه كل مرة، بل هي عادات تعمل وحدها بشكل تلقائي نمسك الهاتف بلا وعي، نسهر لأن الوقت يطير، نتوتر في الزحمة، نرفع الصوت ثم نندم، نأكل زيادة لأن السفرة بها أكثر من الحاجة، وننام على مسلسلات التلفزيون، فهنا شهر رمضان يمنحنا فرصة نادرة لأن اليوم فيه “محطات” واضحة، وهذه المحطات تساعدنا أن نضع قواعد بسيطة بدلًا أن نترك اليوم يمضي بلا قيادة. وأوضح أن تغيير سلوكياتنا عمليًا في شهر رمضان من خلال "تغيير عادة الهاتف" و "تغيير عادة السهر"، فالحل الواقعي لا تمنع السهر نهائيًا، لكن إعادة ضبطه اجتماعيًّا.

من ناحيته قال الدكتور صالح بن سعيد الحوسني خبير شؤون الحج بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية: يمثل الوقت رأسمال الإنسان في هذه الحياة، فالإنسان عبارة عن أيام مجموعة، ولذا كانت أهمية الوقت في الإسلام كبيرة جدًا، فقد أقسم الله بأجزاء من الوقت ليشعر المسلمون بالقيمة العظيمة لأجزاء اليوم، بجانب ما جاء في السنة النبوية بشقيها القولي والعملي، والتي نجد فيها جملة من الأحاديث النبوية الشريفة تدعو إلى العناية بالوقت.

وأضاف: نجد أثر الصلاة واضحًا في تنظيم يوم المسلم، فالصلوات لها ميقات زماني محدد، وهذا يسري على فريضة الصيام التي تبدأ بميقات دقيق، وهذا يرسخ مفهوم استشعار أهمية الوقت، وسرعة انقضائه، وضرورة العناية به بما يتناسب مع حسن الانتفاع به.

وأوضح أن مع تغير أنماط الحياة المعاصرة وانتشار عادة السهر بين الناس وما تبع ذلك من تبعات وسلبيات كثيرة منها إضاعة الوقت في غير النافع والمفيد، لهو هدر كبير لطاقات الناس عمومًا والشباب خصوصًا، ينبغي العناية بمراجعته والتغلب عليه وإعادة التوازن ليوم المسلم، بما يحقق المقاصد الشرعية وخاصة في الشهر الفضيل.

وقال: حتى نعيد التوازن ليوم المسلم، ينبغي مراعاة استقرار التوجيهات الشرعية لتكون من المسلمات في الحياة اليومية في الشهر الفضيل، فوقت صلاة الجماعة مقدس لا ينبغي التهاون فيه، وكذا الشعائر التعبدية. مؤكدًا أنه لضمان هذه الأعمال الديمومة والاستمرار، فلابد من بناء شخصية واعية قادرة على ضبط النفس، تتحلى بجانب كبير من الهمة والعزيمة، وإدارة الذات تستطيع المواظبة على فعل النافع باستمرار، وهذا يحتاج منا إلى التقليل أو الامتناع عن المشتتات الرقمية التي تستنزف أوقاتًا كثيرة من ساعات الليل والنهار وعلى حساب الأعمال المطلوبة في الشهر المبارك.

وأكد أنه بجانب ذلك، فإن التخطيط الواعي لمقدار المنجز من الأعمال يعين على تقليل الهدر الواقع في الأوقات، وذلك بجعل خطة دقيقة لما ينبغي فعله في الصباح والمساء، ومحاسبة دقيقة للنفس، وترتيب للأعمال الأهم منها ثم المهم، والمشاركة الجماعية لبعض الأعمال كالصلاة في جماعة وقراءة للقرآن، والأعمال الخيرية المختلفة وسائل مفيدة لضبط هذه الموضوعات وجعل ذلك عادة راسخة تصحبنا طيلة الحياة وليس في أيام الشهر المبارك.

أما الدكتور جهاد بن جميل حمد أستاذ علم الاجتماع المشارك في قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السُّلطان قابوس فقد أكد أن شهر رمضان يأتي بـ"صدمة زمنية إيجابية" تُعيد تعريف معنى الوقت. فاليوم لا يُقاس بمواعيد العمل أو المدرسة فقط، بل يُقاس بمواعيد روحانية من بينها الإمساك، والإفطار، والتراويح، والسحور، والدعاء في الثلث الأخير من الليل، وكما نعلم جميعًا بأن الحياة المعاصرة، خاصة للشباب، غالباً ما تُختَزَل في زمن "إنتاجي -استهلاكي -ترفيهي" متسارع ومكرر. فإن شهر رمضان يوجد حالة من الخلخلة والاهتزاز في الرتابة ويحقق إحساساً بأن اليوم أصبح "ملكاً" للفرد يتصرف فيه وفق أولويات مختلفة، وليس خاضعاً بالكامل لروتين خارجي.

وأضاف: يعمل شهر رمضان على تحويل الزمن من منظور كمي إلى نوعي فخارج شهر رمضان، قد يشعر الشباب بأن الوقت "يهرب" منهم. ولكن في رمضان، يصبح الوقت مُتَاحاً لـ"فعل شيء مختلف" له معان ودلالات.

فالوقت الذي كان يُستهلك في أمور روتينية أو ترفيهية عابرة، يُعاد توجيهه -حتى لو جزئياً- نحو العبادة والتواصل الأسري والمجتمعي والتأمل. هذا التحول يُعيد للشباب إحساس "السيطرة النسبية" على وقتهم، وهو أمر بالغ الأهمية نفسياً في مواجهة شعور العجز أمام تسارع الحياة، كما أن تحقيق إيقاع زمني جماعي منضبط ـ وأوضح: الصوم يحقق إيقاعًا زمنيًّا مجتمعيًّا منظمًا وموحدًا. حيث وقت الإفطار، صلاة التراويح، السحور، وغيره من الممارسات الجماعية، التي بدورها توجد زمنًا جماعيًّا مقدسًا يتشاركه الملايين. وللشاب الذي قد يعيش في فقاعة رقمية فردية، هذا الإحساس بالانتماء إلى إيقاع جماعي منضبط ومشترك يعطيه إحساساً بالانتماء والتماسك، ويُضعف من سلطة "الزمن الفردي" المشتت الذي تفرضه وسائل التواصل والتكنولوجيا، وعمل ديناميكي نشط من خلال تدريب الذات على إعادة الأولويات وتقبل التغيير- وهذا من خلال الامتناع عن المفطرات الحسية (الطعام، الشراب...) في جوهره تمرين على إعادة ضبط نظام الذات الداخلي. والشباب يمارسون، عبر الصيام، قدرة الإرادة على تغيير العادات الراسخة. هذه الممارسة الشهرية تبين لهم -عمليًّا- أنهم قادرون على تغيير أنماط سلوكياتهم وطريقة حياتهم. لذلك، يصبح شهر رمضان مختبرًا نفسيًّا واجتماعيًّا يسهم في تهيئة القابلية الذهنية والنفسية لتقبل التغيير الإيجابي بعده، لأنه يثبت أن "التغيير ممكن".

وأكد أن شهر رمضان المبارك ينجح في كسر الرتابة علمياً وسوسيولوجيا، الا إنه يفترض في تحقيق الآتي: لأن البنية الاجتماعية والروحية لشهر رمضان توجد "الفرصة الموضوعية" للتغيير، فهي توفر إطارًا زمنيًّا مغايرًا، وشرعية دينية، ودعماً مجتمعيًا (الجميع يفعل ذلك)، مما يقلل من التكلفة النفسية والاجتماعية للتغيير. إلا أن مدى استثمار هذه الفرصة وتحويل هذا الأثر إلى تحول دائم يظل مرهوناً بوعي الفرد وإرادته وقدراته المتنوعة وهناك من يعيش رمضان كاستثناء مؤقت، ثم يعود بالكامل إلى النمط السابق، وكأنه ضغط زر "إعادة الضبط". وهناك من يستخدمه كمحطة انطلاق، أما العامل الحاسم فهو القدرة على تحويل "زمن رمضان الاستثنائي"

إلى "مكاسب زمنية دائمة".