الحق في التداوي
22 أبريل 2026
22 أبريل 2026
عمرو أحمد -
يذهب عبدالجواد للصيدلية الحكومية ليستلم جرعته الجديدة من علاج مرض الكبد الوبائي سي، لن يدفع عبدالجواد مليمًا لأن العلاج مدعوم بالكامل من الحكومة المصرية، لكن بشروط: يجب عليه أن يُحضر الزجاجة التي استلمها في الجرعة الفائتة، وبعد أن يستلم الجرعة الجديدة، يجب أن يقف أمام الصيدلاني ويفتح زجاجة الدواء ثم يأخذ أول قُرص أمامه. الشروط التي اعتبرت «مهينة» للمريض، وأثارت جدلًا حتى في مسألة كونها عمليّة، كما علّق رئيس إحدى شركات الأدوية المصرية: «لو كنت مُتعبًا وذهبت زوجتك بدلًا عنك لتستلم الدواء، أتأخذ هي أول قرص بدلًا منك؟».
كانت هذه الشروط نتيجة لمفاوضات بين الحكومة المصرية والشركة صاحبة الدواء وهي شركة جِلعاد الأمريكية التي كانت تبيع الدواء منذ عامٍ فقط، خلال هذا العام رَبحت الشركة ما يقارب 10 مليارات دولار من مبيعات الدواء. لم يكن الدواء الذي تبيعه جِلعاد كأي دواء؛ الأقراص المُسماة سوفالدي Sovaldi كانت طَفرة في علاج مرض الكبد الوبائي سي. يمنع سوفالدي الفيروس من التكاثر داخل خلايا الكبد ويقضي عليها بنسب أعلى من العلاج القديم وهو الانترفيرون، ليس هذا فحسب، ولكن يُمكن تناول سوفالدي في صورة أقراص على العكس من الانترفيرون الذي لم يكن متاحًا سوى حُقن، وفوق ذلك، كانت أعراض سوفالدي أخف بكثير بجانب الأعراض المشابهة للإنفلونزا والتي تُصاحب الإنترفيرون. كان سوفالدي استثنائيًا في كل شيء، وكانت تكلفته: 84 ألف دولار وصلت أحيانًا إلى 168 ألف دولار.
لهذا دخلت الحكومة المصرية في مفاوضات مع جِلعاد كي توفره بسعرٍ أرخص، وهو ما حدث في النهاية، حيث اتفقت الحكومة مع جِلعاد على ثمن 900 دولار فقط ستقوم الحكومة بدعمه وتقديم الدواء للمريض مجّانًا. لكن جِلعاد اشترطت على الحكومة المصرية أن يُسلم الدواء كما ذُكر بالأعلى، أرادت جِلعاد أن تمنع بيع الدواء للسوق السوداء وهو ما يحدث عندما يفتح المريض العُلبة في الصيدلية. فوق اشتراطات جِلعاد، أرادت الشركة الأمريكية أن تُسجل الحقوق الفكرية للدواء كي تمنع تصنيع بدائل أرخص وأكثر توافرًا، لكن مكتب براءات الاختراع المصري رفض طلب الشركة. وهو ما اضطر جِلعاد في النهاية إلى أن تتعاون مع شركات مصرية لتصنع نُسخًا من سوفالدي مع نسبة 7% على مبيعات الدواء.
تُعرف هذه النسخ البديلة بالأدوية عديمة الاسم التجاري (من الإنجليزية: Generic drugs) لأنها عكس الدواء الأصلي لا تحمل اسم الشركة، مثل جراتيسوفير الذي تُصنعه شركة فاركو المصرية. بالرغم من أن هذه النُسخ تحتوي على ذات المادة الفعّالة الموجودة في سوفالدي وهي مادة السوفوسبوفير، فهي تُباع بتكلفة أرخص بكثير من السوفالدي؛ تُكلف عبوة سوفالدي ما يُقارب 4 آلاف جنيه في حين أن جراتيسوفير يُكلف 900 جنيه فقط. تكرر الأمر في دولة الهند، حيث وُجه طلب جِلعاد بتسجيل براءة الاختراع بالرفض أيضًا، وبناءً عليه تعاونت جِلعاد مع سبع شركات هندية لتصنع البديل الأرخص وتحفظ حقوقها بشكلٍ جزئي.
تُعتبر تكلفة سوفالدي التي وصفها الدكتور جنيفر من منظمة أطباء بلا حدود بأنها تعكس «طمع الشركات»، تُعتبر تلك التكلفة بالإضافة إلى صراعات جِلعاد مع دول العالم الثالث نموذجًا لمشكلة الوصول للدواء، يُعد سوفالدي طفرة حقيقية في علاج المرض الذي كانت الدول الفقيرة موبوءة به حد أن منظمة الصحّة العالمية وضعته في قائمة الأدوية الأساسية، ومع ذلك فإنه عندما أرادت دولة الجزائر أن تُوفر الدواء، انتظر المرضى الجزائريون حتى اتفقت جِلعاد مع الشركات الهندية لتصدر بدائل سوفالدي للجزائر.
ينص القانون العالمي على حق الرعاية الصحّية بما يتضمنه من الوصول للعلاج، وقائمة الأدوية الأساسية التي تُعدها منظمة الصحة العالمية مثال على هذا الحق. بالرغم من ذلك، فإن هذا الوصول يتعارض مع الطبيعة التسليعية للخدمات الصحيّة، وحقيقة أن الشركات الدوائية هي شركات تُجارية، هدفها الرئيسي هو زيادة الأرباح وليس أن تقوم بوظيفة الجمعية الخيرية، مثلما لم تتوان جِلعاد عن التربح لأقصى درجة من سوفالدي، رغم أن تكلفة صناعته وفقًا لبعض الأبحاث قُدرت بـ304 دولارات فقط. بررت جِلعاد ذلك بأن البديل السابق لعلاج الكبد الوبائي وهو حُقن الانترفيرون كان أغلى كثيرًا وأقل فعالية.
قد لا تكون جِلعاد بحاجة إلى أي تبرير، فهي الوحيدة المالكة لبراءة اختراع سوفالدي، وهي الوحيدة التي لها الكلمة فيمن له حق الوصول لسوفالدي (وسوفوسبوفير). بكلمات أخرى، تحتكر جِلعاد فعليًا سوفالدي نتيجة لبراءة الاختراع، كما يُعلق أحد الباحثين بالمكتب الأمريكي للأبحاث الاقتصادية على الرعاية الصحيّة إذ يقول: «براءات الاختراع موجودة [..] لتُمارس الشركات احتكارًا مؤقتًا على المنتجات. [..] هذا ما تفعله جِلعاد – تضع ثمنا احتكاريا بناءً على ما تعتقد أن الناس ستقبل أن تدفعه من أجل منتجهم». ليست جِلعاد مثالًا منفردًا، شركة فيرتكس على سبيل المثال تحتكر أدوية التليف الرئوي، وتبيع علاجاتها بتكلفة تصل إلى 326 ألف دولار سنويًا. وليست براءات الاختراع وعلاقتها بالاحتكار بالأمر الجديد، غير أنها في القطاع الطبي تُؤدي إلى احتكار من نوع استثنائي، احتكار حياة البشر وأرواحهم.
تخضع براءات اختراع الأدوية وحقوق ملكيتها إلى التشريع الذي يُعرف باسم اتفاقية حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية، أو TRIPS اختصارًا بالإنجليزية. تريبس جزء من تشريعات منظمة التجارة العالمية التي تُغطي 98% من دول العالم، ويُعطي التشريع مدة 20 سنة تحتفظ فيها الشركة بالملكية الفكرية للدواء. خلال هذه الفترة، تُعتبر الأدوية فعليًا في حالة من الاحتكار، وتضطر الدول إلى الرضوخ لشروط الشركة سواءً بشرائه بسعره الأصلي أو التفاوض مع الشركة التي تطلب نسبة في تصنيع الدواء وتتحكم في شروط بيعه. رغم الفترة الضخمة التي تحتفظ بها الشركات بحق براءة الاختراع، فإن الشركات لا تكتفي بهذه الفترة وتمد فترة ملكيتها للدواء عن طريق تسجيل تعديلات بسيطة على دواء موجود باعتبارها براءة اختراع جديدة، تُسمى هذه التصرفات في الإنجليزيــــة بالـevergreening وهـــو
مصطلح مُستعار من النباتات التي تحتفظ بأوراق خضراء طول العام، كما تقوم الشركات بمد براءات الاختراع لفترات طويلة.
على سبيل المثال في عام 2013 تقدمت الشركة السويسرية نوفارتس بطلب تمديد براءة اختراع لدواء جليفيك، وهو علاج لبعض أنواع سرطانات الدم. كان الطلب مبنيا على أساس تغير في الشكل الميكروسكوبي للدواء، وبررته نوفارتس بأنه يزيد من فعالية الدواء رغم أن المادة الفعّالة لم تتغير. لكن المحكمة العليا الهندية بعد أن نظرت في طلب التمديد رأت أن السبب ليس كافيا، لأن زيادة فعالية الدواء كانت زيادة في نسبة وجوده بالدم وليس زيادة تأثيره الدوائي –أي زيادة في قدرته على قتل الخلايا السرطانية– وهذا التغيير في الأساس راجع إلى طبيعة الشكل الميكروسكوبي، وليس خاصية مميزة أو جديدة. بناء عليه؛ فإن المحكمة العليا الهندية أبقت على الحقوق الملكية كما هي، ورفضت محاولة نوفارتس لمدّها.
خلال الفترة الطويلة التي تحتكر فيها الشركات الدواء، لا تتحكم في تسعيره وحسب، بل في حركته بين البلاد، بحيث إنها تتحكم في توريد البدائل الرخيصة من البلاد الأخرى وتُحددها وفقا لرغبتها. لم تَسمح جِلعاد للهند أن تُصدر البدائل الرخيصة لبلدان مثل أمريكا أو بريطانيا لتُحافظ على أرباحها العالية هناك، في المقابل، سَمحت بتصديره للدول الأخرى التي صنفتها متوسطة الدخل مثل الجزائر والصين. يترتب على حركة الدواء المُختنقة هذه حدوث سياحة علاجية غرضها السفر للبلاد الأخرى التي يُباع فيها الدواء بسعر أرخص، مثل الحملة التي أطلقتها الحكومة المصرية بنفسها لتروج للسياحة العلاجية لمرض الكبد الوبائي سي، الحملة المُسماة بـ«Tour n’ Cure» والتي تُكلف 7 آلاف دولار مُقابل التكلفة الضخمة للعلاج في أمريكا. تُمثل هذه الحركة هجرة عكسية، فالدواء الذي هاجر في البداية من أمريكا لكل بلاد العالم، الآن يهاجر الأمريكيون من أجله لبلاد العالم.
يميز هذا النمط من حركة الدواء الواقع الطبي المعاصر، حيث تُطور الأدوية الجديدة في مجموعة بلاد بعينها مثل أمريكا وسويسرا وألمانيا، ولأمريكا وحدها ما يصل إلى نصف مبيعات الدواء عالميا، ثم تنتقل هذه الأدوية لباقي دول العالم شيئا فشيء، وفي الأخير دول العالم الثالث التي تُعاني اقتصاديا. يرجع ازدهار الصناعة الدوائية في هذه البلاد بعينها إلى الطبيعة المُكلفة لاكتشاف وبيع دواء جديد، حيث يمر الدواء بمراحل كثيرة بداية من اكتشافه، ومرورا بالأبحاث العلمية المطلوبة للتأكد من سلامته وفعاليته، حتى تُرخصه مُنظمة الغذاء والدواء الأمريكية –المعروفة اختصارا بـFDA– يُكلف كل هذا في المتوسط 1.3 مليار دولار!
وحدها الشركات الصيدلانية الضخمة، أمثال فايزر وجونسن آند جونسن، القادرة على تحمل تكاليف ضخمة مثل هذه. وقد تُساهم قدرة الشركة المادية من غير الإنفاق المُباشر على البحث وتطوير أدوية جديدة من الصفر، فالشركات الكبيرة قادرة على أن تشتري وتستحوذ على الشركات الأصغر التي قد تكتشف دواءا واعدا كما في حالة السوفالدي؛ لم تكتشف جِلعاد الدواء الناجح وإنما شركة فارماسيست، التي استحوذت عليها جِلعاد فيما بعد وانتقلت حقوق ملكية الدواء لها.
في النهاية، عندما تكون ريادة الصناعة الصيدلانية في دول العالم المتطور، تصير الدول الأخرى في حالة من التبعية والاعتمادية، مثل الدول النامية ممن لا تمتلك القدرة على اكتشاف وبيع أدوية جديدة. يصير احتكار الدواء مُضاعفا.
احتكار تجاري يُتيح للشركة أن تبيع الأدوية بأسعار باهظة الثمن، واحتكار عالمي يجعل الدول النامية في حاجة للدول المتطورة وغير قادرة على الاستقلال بصناعتها الدوائية. عند مرحلةٍ ما، تنعكس العلاقة جزئيًا، حيث يُهاجر الناس للدول النامية ليشتروا الدواء الأرخص من هناك، لكن هذا التحول البسيط لا يُغير العلاقة الأكبر.
تُعد الهند حالة استثنائية في هذه العلاقة، فهي الدولة التي تمكنت من أن تستغل القدرة على بيع البدائل الرخيصة، واكتسبت شُهرة بتصديرها لهذه البدائل بالذات لدول العالم النامي التي لا تمتلك قطاعًا صيدلانيًا متطورًا، وهو ما أكسبها لقب «صيدلية العالم النامي». لهذا اللقب بُعد تاريخي، فقبل عام 2005، لم تكن قوانين الملكية الفكرية مُنطبقة على الدواء نفسه، وإنما على طريقة تصنيعه. أي لم تشمل براءة الاختراع سوى طريقة التصنيع الأصلية فقط، وهو ما أتاح لشركات الدواء الهندية أن تصنع بدائل بلا اسم تجاري طالما أن طريقة التصنيع مُختلفة عن الطريقة الأصلية. كان لهذا أثر ضخم بالتحديد فيما يخص علاجات مرض نقص المناعة المكتسب (HIV)، حيث تمكنت الهند من تصنيع علاجات بديلة بتكلفة 350 دولار مُقابل 10 آلاف دولار تكلفة العلاج في البلاد المُصنعة.
في أواخر التسعينيات، كانت دولة جنوب إفريقيا تمر بجائحة من مرض نقص المناعة المكتسب، ونتيجة لضغط التكلفة المرتفعة للدواء الأصلي، مررت الحكومة قرارًا يسمح باستيراد البدائل الرخيصة وكان في مقدمتها الهند. لكن مجموعة من 39 شركة صيدلانية بالتحالف مع رابطة الصناعة الدوائية في جنوب إفريقيا رفعت قضية على هذا القرار، واعترضت على مُحاولة جنوب إفريقيا الالتفات حول الحقوق الفكرية للدواء. استمرت القضية فترة جلبت خلالها ضغطًا ضخمًا من منظمات حقوقية مثل أطباء بلا حدود، وقد أثرت هذه الحملات على الصورة الإعلامية للشركات. في عام 2001 تخلّت المجموعة عن القضية بعد أن تسببت فيما وصفته جريدة الجارديان بـ«واحدة من أسوأ الكوارث الإعلامية تاريخيًا».
في الواقع، حالة جنوب إفريقيا الاستثنائية التي دفعتها للاعتماد على دول مثل الهند قد تكون منطقية، وغيرها من دول العالم الثالث التي لا تمتلك قطاعًا دوائيًا متطورًا، إذا أُخذ في الاعتبار أن دولة مثل الولايات المتحدة تعتمد بدورها فيما يصل إلى 40% من بدائل علاج مرض نقص المناعة البشري. حتى الدولة الرائدة في مجال الصناعة الدوائية عالميًا تُعاني من أثر تحكم الشركات في الوصول للدواء.
لا تقتصر الهند على ريادة صناعة أدوية مرض نقص المناعة المكتسب الهند، فهي الدولة الرائدة في تصنيع اللقاحات الرخيصة، حيث تصل نسبة ما تُصدره إلى ما يُقارب من نصف اللقاحات عالميًا. إذا كانت الهند تُمثل نموذجًا قادرًا على توفير الوصول للدواء بشكلٍ ناجح تُجاريًا، وفي الوقت ذاته قادر على مُلائمة الحدود المادية للدول المحتاجة، فهل ما يحتاجه العالم هو صلاحيات أكثر للشركات، أم تبادل تُجاري يسمح في الوقت ذاته بأن تكون الصحّة حقًا للجميع بلا أي تمييز؟
عمرو أحمد كاتب وصيدالني
