الجراثيم الانتهازية.. الوجه الخفي للحرب
22 أبريل 2026
22 أبريل 2026
سعد صبار السامرائي -
لا أدري كيف خطر لي، وأنا أتابع أخبار الحرب في الأيام الماضية، أن أتخيّل انقراض جنسنا البشري (الإنسان العاقل) من هذا الكوكب. والغريب أن هذا الخيال حملني على استرجاع بعض ما كُتب في أدب الكوارث: رواية الطاعون (1947) لألبير كامو، ورواية الطاعون القرمزي (1912) لجاك لندن، وقصة قناع الموت الأحمر (1842) لإدغار آلان بو، ورواية الإنسان الأخير (1826) لماري شيلي. والأغرب أن العامل المشترك بين هذه الأعمال جميعا هو الطاعون.
وتُعدّ رواية الإنسان الأخير من أسبق النصوص التي مزجت بين الوباء الشامل، والاضطراب السياسي، والحرب، وانهيار العالم. وتحكي شيلي عن وباء سيضرب الإمبراطورية البريطانية. تبدأ أحداث الرواية سنة 2073 وتنتهي سنة 2100. ويحلّ الوباء سنة 2092، فيجتاح تركيا أولا. ومع تعاقب الأعوام، يخبو الطاعون في كل شتاء، ثم لا يلبث أن يعود في الربيع أشدَّ فتكا وأوسع انتشارا، ممتدّا من ضفاف النيل إلى شواطئ بحر قزوين، ومن مضيق الدردنيل حتى بحر عُمان.
بيد أن هذا الخيال لا يلبث أن يردّنا إلى واقعٍ أقلّ مجازا وأكثر قسوة: واقع الحروب حين تفتح المجال للعدوى وانتشار الأوبئة والانهيار الصحي.
كان جيش نابليون يتضور جوعا ويقاسي البرد القارس وهو ينسحب من غزوه الفاشل لروسيا عام 1812. بيد أنّ الجوع والصقيع لم يكونا وحدهما من حصد أرواح الجنود؛ فقد كانت تلاحقهم يدٌ أخرى خفية: العدوى البكتيرية.
وحين شرعت مجموعة من الباحثين الفرنسيين في محاولة الإجابة عن سؤال مفاده: أيُّ الأمراض المعدية أسهمت في القضاء على أولئك الجنود؟ لم يكن بين أيديهم إلا القليل. لم يملكوا سوى ثلاثة عشر سنّا لرجال دُفنوا في مقبرة جماعية في فيلنيوس، عاصمة ليتوانيا. وكان أصحاب هذه الأسنان من جنود ذلك الجيش المنكوب الذي أرسله الإمبراطور الفرنسي، وكان عدد أفراده في البداية يقارب نصف مليون.
ومن المعلوم أن في داخل كل سنٍّ قدرا ضئيلا من النسيج والدم، يحتفظ بشذرات صغيرة من الحمض النووي الميكروبي. وباستخدام تقنيات حديثة متقدمة، عثر الباحثون على دلائل تشير إلى نوعين من البكتيريا لم يكن قد اشتُبه من قبل في انتشارهما بين أفراد ذلك الجيش.
لقد فتكت بالجنود عدوى بكتيرية انتهزت الجوع والبرد والانهيار الجسدي. ثم تفشت بينهم أمراض مثل التيفوس والزحار والكوليرا، وأظهرت دراسات لاحقة آثار بكتيريا التيفوس وحمّى الخنادق في رفات بعضهم. وهكذا أدّت البكتيريا دورًا حاسمًا في إفناء الجنود المنهكين بعد أن هيّأت لهم ظروف الانسحاب القاسي أجسادًا واهنة لا تقوى على المقاومة.
في مطلع عام 2026 وجّهت سؤالًا مفتوحًا إلى طلبة الأحياء: ما التحدي الصحي الأشد إلحاحًا هذا العام؟ وكانت الإجابات تتوزع بين مشاكل المناخ والسرطان والأوبئة. غير أن ما يفرض نفسه اليوم في تقديري هو أثر الحروب في صحة البشر وقدرة الأنظمة الصحية على البقاء. فقد بلغ عبء النزاع المسلح والعنف مستوى استثنائيًا، ولم تعد آثاره محصورة في جبهات القتال؛ إذ صار الأذى في مناطق الحرب وفي البيئات المدنية مشهدًا متكررًا ومألوفًا على نحو مقلق. وكثيرًا ما يُنظر إلى النزاع على أنه عامل خارجي عن الصحة مع أنه في الحقيقة يتداخل مع كل أجندة صحية كبرى، ويعيد تشكيل المخاطر والاستجابات وفرص التقدم ذاتها.
ووفق أحدث البيانات المعلنة من برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات المسلحة UCDP؛ سُجِّل في عام 2024 وجود 61 نزاعًا قائمًا، وهو أعلى عدد يُرصد منذ عام 1946. وقد استمر كثير من هذه النزاعات خلال عام 2025، وامتد بعضها إلى عام 2026. فلا تزال الحرب في أوكرانيا والسودان وغزة تفرض أثمانًا إنسانية وصحية باهظة في حين تدفع أزمات ممتدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومنطقة الساحل وهايتي وميانمار إلى مزيد من النزوح وانعدام الأمن الغذائي وانهيار الخدمات الأساسية. كما يشهد المشهد الدولي تصعيدًا في مناطق أخرى، منها التوتر العسكري بين باكستان وأفغانستان، والتصعيد الأوسع لحرب الأسابيع الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وكثير من هذه النزاعات طويل الأمد، متشظٍّ عابر للحدود في آثاره المباشرة وغير المباشرة تغذّيه حالة من الانسداد السياسي، ويواجه بعضه خطر التصعيد في أي لحظة.
نُشرت في مجلة لانسيت دراسة بعنوان «غزة وانهيار الصحة العامة: نداء للتحرك» بتاريخ 20 سبتمبر 2025 جاء فيها أن عدد الذين قُتلوا بلغ أكثر من 63 ألف فلسطيني، وأُصيب أكثر من 161 ألفًا. وتشير المراسلة إلى أن قتل المدنيين الساعين إلى الحصول على المساعدات الإنسانية لا يزال مستمرًا، وأن العاملين في الرعاية الصحية، والمستشفيات، وسيارات الإسعاف، وشبكات المياه، تعرّضوا مرارًا للاستهداف. وتضيف أن النظام الصحي في غزة غدا شبه مشلول، وأن المجاعة أُعلنت رسميًا في أزمة يندى لها جبين الإنسانية.
ولا يقتصر التحدي الصحي في عام 2026 على استمرار الحروب القائمة، وإنما يشمل أيضًا تنامي خطر التصعيد والامتداد. فعدم الاستقرار السياسي والضغوط الاقتصادية يتقاطعان اليوم على نحو يرفع احتمالات اندلاع نزاعات جديدة أو اشتداد النزاعات القائمة. كذلك يتداخل تغيّر المناخ، وشحّ المياه، وانعدام الأمن الغذائي مع العنف على نحو متزايد، فيضاعف النزوح، ويعطّل التعافي، ويضيف أعباء جديدة إلى نظم صحية هشة أصلًا. وهذه الضغوط لا تبقى حبيسة بيئات النزاع؛ إذ إن اضطراب سلاسل الإمداد، وحركة السكان، وانعدام الأمن الإقليمي تعني جميعها ألّا يظلّ أيُّ نظامٍ صحيٍّ بمنأى عن آثار العنف في مكان آخر.
وتتمثل أبرز الأمراض المعدية في زمن الحرب في الأمراض الإسهالية البكتيرية والفيروسية، والاضطرابات التنفسية شديدة العدوى، مثل الحصبة التي ترتفع معدلات الوفاة الناجمة عنها بين الأطفال غير المطعّمين.
ومن العوامل التي تسهم في ازدياد الأمراض المعدية تضرر المرافق الصحية، وإصابة العاملين الصحيين أو مقتلهم، وضعف أجهزة الصحة العامة (كما حدث في غزة) مع محدودية الموارد المخصصة للتحصين وتقصي الفاشيات والسيطرة عليها. ويضاف إلى ذلك ازدياد مقاومة مضادات الميكروبات. فعلى سبيل المثال؛ يرتفع معدل السل المتعدد المقاومة للأدوية أثناء الحرب. وقد أظهر مسح وطني أُجري في الصومال عام 2011 بعد عقدين من الحرب الأهلية أن هذا النوع من السل كان موجودًا لدى المرضى الذين شُخِّصوا حديثًا بالسل، ولدى 40% من المرضى الذين سبق أن تلقوا علاجًا منه، وهي من أعلى مستويات مقاومة الأدوية التي سُجِّلت يومًا في إفريقيا والشرق الأوسط.
تُعدّ مقاومة مضادات الميكروبات واحدة من أشد مشكلات الصحة العامة العالمية إلحاحًا، كما أكدت ذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية. وقد انصبت السرديات الغالبة المطروحة لمواجهة هذه المشكلة على برامج ترشيد استخدام مضادات الميكروبات، إلى جانب ترتيبات الحوكمة العالمية المتعلقة بصحة الإنسان والحيوان وإنتاج الغذاء والزراعة. ومع أن التقدم في هذه المجالات سيسهم، دون شك، في الحد من مقاومة مضادات الميكروبات في بعض المناطق التي تنعم بحوكمة مستقرة، فإن هذه المقاربات تغفل التحديات الكامنة في مناطق الحروب.
لقد تغيّرت طبيعة الأمراض المعدية ومداها العالمي تغيرًا جذريًا بفعل النزاعات المسلحة الممتدة، التي باتت تستهدف المدنيين على نحو متزايد في البيئات الحضرية المكتظة، وتفضي إلى موجات واسعة من تهجير السكان. وعلى الرغم من أن النزاعات المسلحة تُقرن عادة بالأوبئة السريعة، فإن دورها في تغذية الأخطار البطيئة والخفية، مثل مقاومة مضادات الميكروبات، ما يزال مهمَلًا. وإذا كان التفشي المستمر للإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية يبيّن الصعوبات الجسيمة في تدبير الأمراض المعدية الخطيرة داخل مناطق النزاع، فإن التركيز على هذه الأخطار البيولوجية السريعة الإيقاع وعالية الظهور قد يأتي على حساب مقاومة مضادات الميكروبات، وهي أزمة في الصحة العامة العالمية أعمق أثرًا وأبعد مدى على المدى الطويل.
وفي مراجعة منهجية نُشرت في مجلة Clinical Microbiology and Infection عام 2024 بعنوان: «أثر النزاع المسلح في تطور مقاومة المضادات الحيوية وانتشارها عالميًا»، خلص غيدو غراناتا وزملاؤه إلى أن الحروب تُنتج خزّانًا واسعًا من العدوى متعددة المقاومة، وتفتح المجال لانتشارها على نطاق أوسع. وأظهرت الدراسة أن الحرب تهيّئ بيئة مواتية لظهور البكتيريا متعددة المقاومة وتفشيها. وقد شملت المراجعة 34 دراسة نُشرت بين عامي 2004 و2023، وكشفت عن معدلات مرتفعة من العدوى والاستعمار الجرثومي بسلالات مقاومة لعدة مضادات، ولا سيما في مناطق النزاع. كما بيّنت بعض الدراسات، ومنها ما تناول النزاع في شرق أوكرانيا، ارتفاع معدلات السلالات المنتجة لإنزيمات شديدة الخطورة، مثل إنزيم New Delhi metallo-β-lactamase. وتوضح هذه المعطيات أن الحرب لا تزيد عبء العدوى وحده، وإنما توسّع أيضًا مخزون البكتيريا المقاومة القابلة للانتشار، وهو ما يجعل ضبط العدوى داخل المرافق الصحية في مناطق النزاع، وترشيد استخدام المضادات الحيوية، ضرورة علمية وصحية عاجلة.
كما تتأثر إتاحة المضادات الحيوية وجودتها بسبب اضطراب سلاسل الإمداد والعقوبات أثناء النزاعات وبعدها، كما حدث في العراق في تسعينيات القرن الماضي، فضلًا على استهداف مصانع الأدوية. ويهيئ ذلك لانتشار ممارسات علاجية خاطئة أو ذيوع الطب الزائف، في حين يؤدي التخلص من المضادات الحيوية القريبة من انتهاء الصلاحية عبر التبرعات، وغياب الضبط القانوني لصرف المضادات من دون وصفة، إلى التداوي الذاتي وسوء الاستعمال. وهكذا نادرًا ما يتلقى المرضى الدواء نفسه على امتداد مسار العلاج، الأمر الذي يقوّض أي صورة من صور ترشيد استخدام المضادات الحيوية. ومع اقتران ذلك بسوء التغذية والأمراض المزمنة، يعرقل قصور الرعاية عملية الالتئام، ويعزّز حدوث العدوى بمعدلات مرتفعة من المقاومة، مثل التهاب العظم والنقي، فيغدو علاج هذه الإصابات أشد صعوبة، وتسهم بدورها في تصاعد معدلات الإعاقة.
وتُعدّ العُصيّات الراكدة Acinetobacter baumannii واحدة من أكثر العوامل الممرِضة اقترانًا بالنزاعات العسكرية. وخلال العشرين سنة الماضية تحوّلت هذه البكتيريا من ممرِض انتهازي نادر نسبيًا إلى كائن استرعى اهتمام العالم بوصفه سببًا مهمًا للعدوى لدى مرضى وحدات العناية المركزة ولدى المصابين بجروح ناجمة عن الحروب. وقد رافق هذا الارتفاع في معدل العدوى تصاعدٌ حاد في نسبة السلالات المتعددة المقاومة للأدوية. وقد ظهر دليل قوي على الصلة بين النزاع المسلح وعدوى A. baumannii مع غزو العراق عام 2003. فمنذ عام 2004، بدأت تتوالى تقارير عن إصابات شديدة بهذه البكتيريا بين الجنود الجرحى. لكن أبحاثًا لاحقة كشفت أنّ الربط بين النزاعات العسكرية وعدوى A. baumannii وما يعقبها من انتشار داخل المستشفيات يعود إلى زمن أسبق؛ إذ وصفت إحدى أقدم التقارير هذه الصلة في سياق تجدّد الأعمال القتالية خلال الحرب الأهلية اللبنانية في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، حين لوحظت زيادة واضحة في الإصابات بهذه البكتيريا.
ولا تزال المعدلات المرتفعة للسلالات المتعددة المقاومة من A. baumannii قائمة في كثير من بلدان الشرق الأوسط، سواء في العراق بعد النزاع أو في ساحات القتال الأحدث عهدًا، مثل سوريا واليمن. وإلى جانب هذا الارتباط، ظهر تقييم جديد لطبيعة هذه البكتيريا. فبعد أن كانت تُعَدّ كائنًا بارعًا في اكتساب العناصر الجينية المتنقلة التي تمنحها مقاومة مضادات الميكروبات، بات يُنظر إليها اليوم على أنها مصدر مهم لنشر جينات مقاومة جديدة. وهكذا تعيد الحرب تشكيل البيئة التي تزدهر فيها العدوى، وتفتح للجراثيم أبوابًا ما كانت لتُفتح في الأحوال العادية. فهي تهدم المستشفيات، وتقطع الإمداد، وتدفع الناس إلى النزوح والاكتظاظ وسوء التغذية، وتترك الأجساد الواهنة في مواجهة كائنات انتهازية أشد مقاومة وأصعب علاجًا. ومن ثم فإن مقاومة مضادات الميكروبات في زمن النزاع ليست أثرًا جانبيًا للحرب، وإنما واحدة من أكثر نتائجها خفاءً واستمرارًا واتساعًا.
