facebook twitter instagram youtube whatsapp


No Image
عمان الثقافي

لم تضع الحرب أوزارها قط

27 أبريل 2022

ترجمة: أحمد شافعي -

ولد الشاعر الأمريكي الأوكراني إيليا كاميينسكي في أوديسا سنة 1977 حين كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي. هاجرت أسرته إلى الولايات المتحدة سنة 1993 وهو في السادسة عشرة من عمره، وفي مثل ذلك العمر صادفت أعماله للمرة الأولى. كانت بنت أعرفها قد نقلت بالحبر الأخضر قصيدة من ديوانه الصادر سنة 2004 بعنوان «راقصا في أوديسا» وتركتها على مكتبها. أعارتني نسختها من الكتاب، فشطرت حياتي شطرين، ما قبلها وما بعدها.

كان ذلك الكتاب خريطة لشعراء آخرين من قبيل أوسيب ماندلستام ومارينا تسفاتييفا وآنا أخماتوفا. قرأت أولئك الشعراء مترجمين، وتوشك كل ترجمة للشعر الروسي أن تبدأ بإنذار بأنك لن تفهم هذا الشعر حقا ما لم تقرأه بلغته الأصلية. فقررت أن أدرس الروسية، ثم الأوكرانية، وعشت في أوديسا لبعض الوقت وسط صفوفها من شجر الكتالابا، وجمالها الآفل الذاوي، وموسيقاها الوافرة.

طلبت مني مجلة نيويورك أن أتواصل مع كاميينسي خلال هذه الحرب، بينما مدينته الأم أوديسا مهددة. وهذا من ناحية لأن القصيدة الأولى في ديوانه الصادر سنة 2019 بعنوان «جمهورية الصم» وهي قصيدة «عشنا سعداء خلال الحرب» توشك أن تنتشر انتشارا فيروسيا خلال أي صراع. فهي أقرب إلى اتهام موجه للأمريكيين الذين يعيشون بلا مبالاة في «بلد النقود العظيم الذي نعيش فيه» بينما يعاني الآخرون ويموتون، ويبدو أن شعبية هذه القصيدة ناجمة عن إحساس الأمريكيين بالذنب. كاميينسكي شخصيا لا يعيش سعيدا خلال هذه الحرب، فهو على اتصال بأهل أوديسا الذين يحبهم، محاولا إخراجهم، وتدبير المال لهم، والعمل المحموم المستمر من أجل نشر شعر الأوكرانيين مترجما إلى الإنجليزية.

راسلت كاميينسكي، الأصم، عبر البريد الإلكتروني موجهة بعض الأسئلة. وردوده المكتوبة (التي تم تحريرها وتكثيفها بعض الشيء) دليل ـ حتى في ظل الأهوال العسكرية لهذه الحرب ـ على أنك لو سألت شاعرا من أوديسا عن مدينته والشعر لحصلت على الكثير. وحقا «المرء يعثر في فن الآخرين على الانفجار» مثلما كتب لي كاميينسكي عن أول معرفة له بتشايكوفسكي وهو في الرابعة من عمره، قال إن تشايكوفسكي جعل المدينة من حوله تتغير.

• نشأتَ في أوديسا حتى بلغت السادسة عشرة. هل يمكن أن تحكي لي عن صباك؟

إليك هذه الذكرى.

في أيام الأحد كان أبواي وأصدقاؤهم يجتمعون حول مائدة المطبخ، ويتصايحون في الليل: أيهما أفضل أخماتوفا أم تسفاتييفا؟ ما مصير إصلاحات جورباتشوف؟ هل يوجد إله؟

وفي النهار، تقف أمي وأبي في طوابير الحليب ويمشيان بحذر تحت أعين مشرفيهم السوفييت. أما في الليل، فثمة دائما من يصيح: أنا لست شخصا متدينا، لكنني أعتقد أن في كل واحد منا بعضا من الألوهة.

كانت النقاشات الكبرى في طفولتي تحتوي دائما كؤوس فودكا منكهة بالفلفل الأسود أو بالبرقوق يأتي بها أبي على صينية صغيرة.

ولو أنني متبع كنيسة، فهي كنيسة مائدة مطبخ الشقة رقم1 بالعقار رقم 33 في شارع سوفيتسكايا ميلتسيا، في أوديسا. فهناك، في ليالي الأحد، يجتمعون حول مائدة ويصيح بعضهم في بعض: هل يوجد إله؟

*

وذكرى ثانية:

قبل أربع سنوات من انهيار البلد، في حقبة إصلاحات الحظر التي فرضها جورباتشوف. استحال الحصول على الكحول في الاتحاد السوفييتي، ولو أنني كنت أصغر من أن أكترث بذلك. فيما أنا على الدراجة بجوار رودينا، يصيح شخص ما في طابور المخمورين صيحة غضب على ميتشيني ميخائيل، وذلك اسم جورباتشوف عندهم، بسبب الوحمة الضخمة على جبهته ـ ميخائيل الموسوم.

أنطلق بالدراجة في أوديسا، في إثارة كبيرة، لكي أرى حشود السكارى الغاضبين واقفين صفوفا أمام مصانع العطور.

لا، ليسوا هناك ليشتروا هدايا لزوجاتهم.

يشربون أي شيء، من معطر الخيار إلى عطر موسكو الحمراء باهظ الثمن، لم يبد الرجال على مدار تاريخ هذه الأمة أطيب رائحة.

لا أبالي، أنا في الثامنة من العمر، ولديَّ أمور أهم لأفعلها. أمضي بالدراجة إلى محطة القطار، حيث أشاهد الناس يتعانقون ويبكون والسعادة تتقافز إلى القطارات ومنها. لو أن بوسعنا فقط أن نفتح أعيننا، وبرغم كل ما نعرفه، ننظر. لو أنكم مثلي، فتكونون دائما في التاسعة من العمر، واقفون كل منكم وحده تماما ولكنه مع ذلك غير وحيد، لأن ثمة الكثير جدا من السكارى في أوديسا، وكلهم مدهشو الرائحة. وعلى شاشة التليفزيون، على كل قناة إخبارية، وحمة عملاقة على جبين زعيمنا الحبيب، تلمع كأنها خريطة مصغرة لبلدنا.

ولدت في 33 سوفستسكايا ميليتسيا، حيث فناء يتقاتل فيه الأطفال طول الوقت. وذات مرة قرر صبية أذكياء من الجهة الأخرى من الشارع أن ينتصروا في الحرب بتحدينا في مسألة رياضية.

خسرنا خسرانا مؤسفا.

ومنذ ذلك الحين، بات 33 سوفستسكايا ميليتسيا معروفا في شارعنا بـ فناء الحمقى. يقولون في المدرسة «لا تنصتوا له، إنه من فناء الحمقى». وحقا، أنا من هناك.

لكن لا داعي للعجلة، فلم ألتحق بعد بالمدرسة.

أنا في الشقة رقم 1 فوق فناء الحمقى ولد صغير جدا. أحاول أن أجذب أي شيء تقع عليه عيناي وأحشره في فمي. رجل الكرسي، الكيس، بل الجرارات الخضراء الصغيرة في ملصق.

والأحب إليّ مطلقا مصباح على مكتب أبي. لأيام أحملق فيه متصنعا أن تركيزي منصب على القصص التي يحكيها أبي.

لكي يبقيني منتبها له، يطفئ المصباح ويضيئه. قد يتساءل شخص في الشارع عما يجري، كأن شيفرة ترسل من أوديسا.

في موضع ما من فناء الحمقى، يضاء النور، ثم يطفأ.

يضاء.

ثم يطفأ من جديد.

وهكذا الذاكرة. لست مرغمة على الاتفاق معي. ففي النهاية، ما أنا إلا رجل من فناء الحمقى.

لكنني دفعت الثمن، ومعي إيصالات الدفع.

*

لم أحظ بأجهزة سمعية إلى أن بلغت السادسة عشرة: ولما كنت طفلا أصم فقد عرفت بلدي بوصفها أمة بلا صوت. سمعت سقوط الاتحاد السوفييتي بعيني.

ماشيا في المدينة، كنت أشاهد الناس، بآذانهم مفتوحة طيلة الوقت، لا أغطية لها. كنت مهتما بما قد تكون عليه طبيعة الأصوات. الأزيز. الهسيس. الصفير. أصوات المفاتيح إذ تدور في القفل، أو جريان المياه في الأنابيب فوقنا بطابقين. كان يسهل عليّ أن ألاحظ الناس من حولي يكلمون بعضهم بعضا بأعينهم دون أن يدركوا ذلك.

لكن ماذا لو كان البلد كله أصم مثلي؟ فكلما نطق شرطي بأوامر لا يتسنى لأحد سماعها؟ كان يروق لي أن أتخيل ذلك. الصمت، ذلك الحي السكني الأخير، الذي لم تمسسه قط حكمة الحكومة.

هل رجعتَ إلى أوديسا منذ مجيئك إلى أمريكا؟

على مدار السنوات الخمس عشرة الماضية كنت أرجع إليها كل صيف أو نحو ذلك. تقلَّص معمار أوديسا، «تأنسن»، بات فيها دار أوبرا قبل أن تتوافر فيها مياه صالحة للشرب. أوديسا تحب الفن، وتحب الاحتفال. في الصيف، توضع في كل منعطف أقفاص ضخمة مليئة بالبطيخ. تشقها على الرصيف وتتناولها مع الأصدقاء. وللمدينة علاقة خاصة بالأدب، ففيها من النصب التذكارية للكتّاب أكثر مما في أي مدينة أخرى سبق أن زرتها. وحينما نفد الكتّاب، بدأوا يضعون نصبا لشخصيات خيالية.

وأهم الإجازات في أوديسا ليس الكريسماس وإنما الأول من ابريل، يوم الحمقى، الذي نطلق عليه الـ هومورينا Humorina، وفيه يخرج آلاف الناس إلى الشوارع ويحتفلون بما يسمونه يوم المزاح الطيب. الأوكرانيون جميعا عندهم حس دعابة، وحسبكم أن تذكروا ذلك الرجل الذي عرض أن يقطر الدبابة الروسية التي نفد وقودها حتى يعيدها إلى روسيا. المزاح جزء من صلابتنا.

لقد رحلت عن الاتحاد السوفييتي السابق في السادسة عشرة، وفي مثل هذه السن يكون الناس في هذا الجزء من العالم قد تشكلت رؤاهم للحياة إلى حد كبير. بالطبع، لا يمكنني أن أتكلم إلا عن أبناء جيلي ممن كبروا في التسعينيات وبلغوا الرشد وهم يشاهدون بلدهم يسقط وصراعات إثنية عديدة تضطرم على طول محيطه.

أنا يهودي سوفييتي كتبه المقدسة هي [كتب] شالوم أليخيم وإيزاك بابل وجريس بالي وآي بي سنجر وبرنارد مالامود وشعراء القرون الوسطى اليهود العظماء في أسبانيا وبياليك وأعميحاي وكافكا وإدموند جابيس وكثير من الكتاب اليهود العظماء في الماضي والحاضر.

في أوديسا، كانت يهودية المرء تعني أيضا وبالطبع مسألة لغوية. فالروسية في أوديسا لغة شديدة التأثر بالييديشية، وهي مختلفة كثيرا عن روسية موسكو أو سان بطرسبرج.

إيزاك بابل هو الكاتب الأساسي الذي كتب بتلك اللغة.

اسمحي لي أن أبدأ من بعيد، ذات يوم، رجعت إلى البيت وأتذكر أني صادفت كتابا مفتوحا على مائدة المطبخ. ونعم، كان كتابا لإيزاك بابل، وهو كاتب من أوديسا، كاتب قصة قصيرة شديد الروعة. بل اسمحي لي أن أبدأ من أبعد من ذلك: أوديسا جزء غريب من الاتحاد السوفييتي. هي مدينة ناطقة بالروسية في أوكرانيا، تألَّف سكانها في ذلك الزمن إلى حد كبير لا من الروس والأوكرانيين فحسب، وإنما من يهود ومولدوفيين وما إلى ذلك. بعض البلغار وبعض اليونانيين كانوا لا يزالون هناك. المعلم الذي كان يدرس لي الأدب الروسي كان من أصل ألماني، ثم فقد كانت من المدن القليلة الدولية بالفعل في الإمبراطورية السوفييتية، واللغة التي كانوا يتكلمونها ـ برغم أنها تعد مدينة ناطقة بالروسيةـ كانت أقرب إلى الملفقة. فما هي بالضبط نوعية كلام «صحوة فينيجان» [لجيمس جويس] وإنما لغة تذهب بها إلى المتجر لشراء الجبن على سبيل المثال فتسمع طرقا جديدة لتكوين الجملة. تلك هي النبرة، وهذه هي الاستحداثات في الكلام، التي تثير اهتمامي. أشعر بها أنني في وطني.

إذن، رجوعا إلى تلك اللحظة التي عثرت فيها على كتاب بابل مفتوحا على مائدة المطبخ، نظرت إلى القصة وأدركت، يااه، ليست هذه هي اللغة التي يتكلم بها الناس في التلفاز، ليست هذه هي لغة المسؤولين الحكوميين، ولا لغة البيروقراطية السوفييتية، هذه هي اللغة التي يتكلم بها أبي وأمي. لا يكاد المرء يجهر بقراءة فقرة منها حتى يشعر برائحة الوطن في أنفه. تلك، بالنسبة لي، كانت بداية القصص أو القصائد.

إضافة إلى ذلك، كوني يهوديا في الاتحاد السوفييتي السابق مسألة مختلفة عن كوني يهوديا في الولايات المتحدة. فالمسألة هنا مسألة دين. أما هناك فهي مسألة عرق محدد في جواز السفر. لكن بطريقة ما حتى حينما ينص جواز السفر على كون حامله روسيا، يبقى جيرانه ينظرون إليه في عينيه ويرون بدقة هويته الحقة (وذلك كان حال الكثيرين). وحينما يوجهون إليه ضربة، فإنهم يسددونها مباشرة إلى الوجه. إنها عالم مختلف تماما.

وماذا عن متابعة الحرب من بعيد؟

أولا، اسمحي لي أن أرجع بك ثلاثين سنة إلى الوراء:

الاتحاد السوفييتي ينهار، وأنا في سنوات مراهقتي، وهناك بالفعل حملات «إعانة إنسانية» جارية. نقص غذائي. أول حرب في حياتي جارية على بعد ساعتين من شقتنا. لا، لا أشاهد الانفجارات في وسط جمهورية ترانسنيستريا. فقط أرى اللاجئين: امرأة تدفع حشود الأطفال الخارجين من مبنى رافعة صورة في وجهي.

تتحرك شفتاها حركة محمومة.

«لا يمكنني أن أسمعك».

أشير إلى أذني.

أراها تستدير إلى طفل آخر من أوديسا، ثم إلى آخر.

تطرح عليهم سؤالا، لكنني لا أرى غير حركات وجهها المغالية. تستدير إلى ولد آخر بالجوار.

«هل رأيت ابنتي؟»

تستدير وتسارع مبتعدة قبل أن أتمكن من رؤية أي شيء عدا سؤالها.

أي شخص كنت لأصبح عليه لو بقيت أسرتي في أوكرانيا؟

أرى عام 1984 مرة أخرى، والأولاد يلعبون لعبة الحرب: أرى طنينا في الخامسة من العمر، فثمة بنت تتظاهر بأنها طائرة هليوكوبتر تشق الزحام في سوق السمك. ثم تتبعها هليوكوبتر أخرى. تطير الاثنتان على ارتفاع منخفض، تتلصصان من الشبابيك. ثم تتظاهر طفلة ثالثة بأنها هليوكوبتر. هليوكوبتر خيالية ترتفع، فوق المدينة، إلى شريان السماء الأزرق.

ما الذي كان ليؤول إليه أمر أسرتي لو بقينا؟ هل كان أبواي ليظلا على قيد الحياة؟ أسير في الشوارع كمن يبحث عن صدى، عن حياة مماثلة: أهذه مراهقة أوكرانية تحملق في رجل من أمريكا الشمالية في منتصف العمر إذ يكتب هذه الصفحات؟

كل ذلك لأقول إن الحرب لم تضع قط أوزارها:

في 1918، السنة التي ولدت فيها والدة والدتي، عبرت أسرتها الحدود قرابة اثنتي عشرة مرة، دون أن تتخلى مطلقا عن شقتها في أوديسا. شهرا بعد شهر، كانت المنطقة تتعرض للغزو من أفواج أجنبية مختلفة: يونان وفرنسيين وبولنديين وألمان ورومان وبريطانيين ونمساويين مجريين. بالطبع كانت الحدود بالنسبة لهم صراعا فمدينة أوديسا شديدة الانقسام بين الحكومات ـ الفرنسية واليونانية والأوكرانية والرومانية ـ حتى أن الأسرة كانت تحتاج إلى تصريح لرؤية أقارب في الشارع المجاور. نعم، كان عبور الحدود دائما صراعا، لكن في تلك السنة، أي 1918، كانت الحدود هي التي عبرتهم.

ولدت أمي سنة 1939. ولا أظنك بحاجة إلى أن أخبرك بما جرى سنة 1939. والحرب لم تضع قط أوزارها.

حينما كنت طفلا: طوفان من لاجئي ترانسنيستريا، مثلما ذكرت في ما سبق. والآن أناس من أوديسا هم اللاجئون. فالحرب لم تضع قط أوزارها.

*

ما الذي أفعله؟ أحاول أن أجد سبلا لأمنح الناس نقودا (فأسعار الطعام ارتفعت بأكثر من خمسين في المئة)، أحاول أن أجد سبلا لأجد للناس مخرجا.

ما الذي أسمعه ممن هناك؟

يكتب صديق أن «الغرب يتفرج علينا. هذه هي حربهم التليفزيونية الواقعية، يتفرجون بدافع من الفضول إلى أن يعرفوا هل سنستمر أحياء أم سنموت».

يكتب لي صديق آخر في رسالة إلكترونية: «رأينا من شباكنا طائرة مقاتلة، وطائرات هليوكوبتر، ومظليين روس، لكننا سرنا أميالا». يكتب أنهم الآن آمنون، زوجته في بولندا وهو في أوكرانيا. يبعث صورا للمدينة التي كانا يعيشان فيها.

في يوم آخر، تكتب صديقة من كييف: «أنا في بوكونيفا، أخذت معي كلبين وقطا، من اختيار سوفيس، وتركت ثلاث قطط في رعاية جار». تقول إن الوضع لا يحتمل. هي على بعد اثني عشر ميلا من الحدود الرومانية. وفي النهاية تعبرها، وليس معها غير كلب واحد.

يكتب لي صديق من أهل أوديسا قائلا: «لقد رأيت طابورا يمتد لقرابة عشرة كيلومترات اليوم، وما بين خمسمائة شخص وستمائة يسيرون على الأقدام. أمهات وأطفالهن والجليد يهطل وصغار يبكون، وآخرون منهم باتت لهم أعين رجال جادة».

صديق آخر ممن بقوا في أوديسا يحكي أنه رجع للتو من المتجر. «الناس يتخاطفون أي طعام تطاله أيديهم. أحاول أن أمارس الفن. أقرأ بصوت عال. عسى أن ألهي نفسي. أحاول أن أقرأ ما بين السطور».

أسأل كيف أقدم يد المساعدة. أخيرا، يرد عليَّ صديق عمل، طول عمره في الصحافة: «أمثال بوتين يأتون ويمضون. لو أردت أن تساعد، فابعث لنا بعض القصائد والمقالات. فنحن في معرض إصدار مجلة أدبية».

في غمار الحرب، يطلب مني قصائد.

ما رأيك في الرواية الروسية الخاصة بالقضاء على النازية؟

دعاية درجة ثالثة. لا، بل دعاية من الدرجة الرابعة عشرة. غير مقنعة، حتى لمن يهرفون بها.

لمن ينبغي أن نقرأ من الشعراء الروس والأوكرانيين، المعاصرين أو القدامى؟

نحن لا نقرأ الشعراء لنفهم اللحظة الراهنة. إنما نقرأ الشعراء لنفهم أنفسنا. ما الذي نعرفه عن أنفسنا في هذه اللحظة عدا الحقيقة السافرة القديمة، حقيقة أننا خائفون؟ وأننا نحاول أن نسكّن مخاوفنا بتفاصيل الحياة اليومية، من تسوق وتقليب في الهاتف وهلم جرا.

لكن لو أن عليَّ أن ألتزم بشروط هذه اللحظة، فغرض هذه الحالة هو تسكين الحواس. أما غرض الشاعر الغنائي فهو إفاقتها.

لكن بوسع المرء أيضا أن يضع الأمر في ضوء حدود ثقافتنا على النحو التالي. ما الذي يجعلنا نقرأ الشعراء الأوكرانيين أو أي شعراء مترجمين أصلا؟ لأننا إذا لم نقرأ الشعراء مترجمين، سينتهي بنا الحال ناظرين في المرآة ليل نهار. الترجمات تفتح لنا نافذة على العالم الأوسع.

لذلك، وعلى سبيل فتح نافذة، قد أقترح قراءة «كلمات من أجل الحرب»، وهي أنطولوجيا لشعراء من أوكرانيا يكتبون بالأوكرانية والروسية عن الصراع الذي كان جاريا لسنين كثيرة ولم يكتشفه الأمريكيون إلا قريبا. ولعلنا بقراءتنا لهم نعرف شيئا ما عن أنفسنا، وحدودنا، والطرق التي يمكننا بها أن نفهم العالم الذي نحيا فيه.

• ما الذي يضيع في الترجمة حينما يتعلق الأمر بالروسية والأوكرانية عند نقلهما تحديدا إلى الإنجليزية؟

ما الذي يضيع؟ الموسيقى في العادة، أو بالأحرى معنى معين مرتبط بأنماط موسيقية معينة في ثقافة معينة أصداؤها. فإن المرء يسمع شاعرا معينا فيسمع معه أصداء عشرة آخرين. هذا يضيع في الترجمة، حيث يسمع القارئ في أفضل الحالات شاعرا مترجما واحدا.

والشعر كما يقول روبرت فروست هو ما يضيع في الترجمة. ويعارضه أوكتافيو باث قائلا: إن الشعر هو ما يوجد في الترجمة.

كيف ذلك؟ لأن القارئ يدرك بغتة أن الصورة لغة عالمية، تجتاز حدود الزمان والمكان، فلم نزل نقف مبهورين أمام صور من قرون مضت، نحملها في أجسامنا، وذاكراتنا، وآفاقنا الحلمية. دونما ترجمة، ما كانت لتوجد نصوص مؤسسة في ثقافتنا، أو في أغلب الثقافات. وفي الوقت نفسه لاحظوا كيف تعاد ترجمة هوميروس ودانتي وأمثالهما كل سنة تقريبا، لأن واقعنا يتغير بسرعة بالغة وكل جيل جديد يريد أن يرى سردية القبيلة (أو القبائل) بأعين مختلفة.

لكن مهلا، ثمة شيء واحد لا بد أن يقال: علينا ألا نضفي طابعا رومنتيكيا على عالم أوروبا الشرقية. فبذلك نحوله أيضا إلى آخر.

أنا من جزء من شرق أوروبا عادة ما يقول الناس عنه «أوه، عجبا، كل الناس تحب الشعر في روسيا، وفي أوكرانيا، حتى أن الناس تذهب إلى ملاعب كرة القدم لتستمع إلى الشعر».

وهذا هراء.

يميل كثير من الأمريكيين إلى نشر قصيدتك «عشنا سعداء خلال الحرب» كلما ترددت أخبار حرب. هل ترى مفارقة في تحول قصيدتك إلى منشور؟

«عشنا سعداء خلال الحرب» ليست عملا صحفيا أو فلسفيا قد يتناوله امرؤ بالخوض في المعلومات أو في الأسئلة الأخلاقية. أرجو من هذه القصيدة خلق تجربة في القارئ، ورجاء هذه القصيدة تحديدا هو مساعدة القارئ على رؤية تعقيده الشخصي.

لا تريد القصيدة أن تصبح إعلانا. القصيدة تحذير. هذا ما يحدث في حال تنفيذ أنصاف الإجراءات. تبدأ القصيدة بهذه الكلمات: «عشنا سعداء خلال الحرب»، وبها تنتهي. لكن بالوصول إلى بيتها الأخير، أرجو أن يجد القارئ المفارقة المريعة في هذا التكرار. فكم حربا يمكننا اجتيازها، سعداء؟

أرجو أن يرى القارئ النقد الموجه لضمير الفاعلين وما فعله. وعند وصول القارئ إلى تكرار «بلدنا، بلد النقود» ثم «بلد النقود العظيم»، يتساءل المرء عن معنى كلمة «العظيم». ذلك ما يرجو الفن أن يفعله: هو لا يصرخ في القارئ أنه «لا بد أن تتغير»، وإنما يتغير القارئ عبر فعل القراءة.

هناك جزء في تلك القصيدة، أو بيت فيه «سامحونا»، حيث يبدو المتحدثون وكأنهم يطلبون غفران ذنبهم، غفران «نقص» احتجاجهم واعتراضهم، غفران عيشهم «سعداء خلال الحرب». هل ترين أن ذلك شيء يمكن غفرانه؟ ما الذي ينبغي توقعه ممن يعيشون خارج أوكرانيا، أو أي بلد آخر يمر باضطراب في أوقات كهذه الأوقات؟

بوصفي كاتبة، أرى مفارقة في مواطني الإمبراطورية الأمريكية إذ يبدون الكثير للغاية من القلق على ضحايا الإمبراطورية الروسية مثلا، بينما تقصف أمريكا بانتظام بيوت آخرين، وبينما تستعمل قسوة الشرطة ضد مواطنيها أنفسهم في هذه اللحظة بالذات.

لكن الكاتب ليس صوت القصيدة. فصوت القصيدة هو الذي يقول «عشنا سعداء»، سعادة إخفاء رؤوسنا في الرمال، وإعلاء الثروة على العدالة. ويتساءل المرء ما العمل؟ وسأجيب السؤال بسؤال: من الذي يتذكر الشيشان الآن؟

استعمل بوتين صواريخ باليستية لقصف عاصمتها جروزني فسواها بالأرض في ما بين 1999 و2000. تصايح الغرب بسبب ذلك لنحو خمس دقائق. ثم نسينا ونجد تشجيعا على النسيان. لماذا؟ لأن شركات الغاز والنفط تكسب من صفقاتها مع بوتين. تتبعوا الدولار تعثروا على جذر مشكلتنا. في بلدنا، بلد النقود، بلد النقود العظيمة مثلما تقول القصيدة.

أما عن المفارقة في تلقي القصيدة، فكما تعلمين، عندما بدأت هذه الحرب شرع الصحفيون في مراسلتي طالبين مني تعليقا على هذه القصيدة. وفي هذا مفارقة، صحيح، منتهي الـ«عشنا سعداء خلال الحرب»، أن يطالب شاعر بالتعليق على قصيدة بينما البلد الذي ولد فيه هذا الشاعر يتعرض للقصف.

مترجم عن «نيويورك مجازين»

أعمدة
No Image
غريب لا تعرفه ولن تلتقيه يومًا
شبّه محمد نظام حياته بصعود سُلَّم، يقف فيه طويلا في درجة واحدة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يقفز على درجات عديدة مرة واحدة، دون أن يعرف إن كان هذا القفز صعودا أم نزولا، وفي أيهما يكمن الرحيل. كان هذا الفنان التشكيلي العُماني العاشق للفنّ، المهجوس بتفكيك الأشياء إلى عناصرها...