facebook twitter instagram youtube whatsapp


63233
63233
عمان الثقافي

الشعر والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية

25 مايو 2022

[1]

تتأسّس القصيدة الشعرية على معيار فنيّ في بنائها الذي يمنحها تكوينا جماليا تقوم عليه، وتبني لغتها من خلاله، ومتى ما تخلّت عن شروط فنّياتها فإنها تبتعد عن الهدف الرئيس للشعر وغرضه الأسمى، ولعل هذا الرأي قاد الشعر إلى تعريفات عدة حول ماهيته وتركيبه ولغته، وصار الازدواج في فهم الشعر وتعريفه ذا إشكال كبير، وهنا اتّجهت الآراء إلى تعريف الشعر لتأخذ زاويتين اثنتين: إحداهما القول بأنه كلام موزون مقفى يقوم على أساليبه التركيبية واشتغالات اللفظ فقط، والأخرى هي إخراج القول فيه غير مخرج العادة وهنا يقوم على الجماليات، وهذا في حد ذاته يحيلنا إلى موضوعات عدة متمثلة في جوهر الشعر منها «الالتزام» بالقضايا المختلفة، وهو ما جعل الشعر يتشكّل خلالها ضمن اتجاهين متضادين: اتجاه يقول بأن الشعر جزء من تركيبة المجتمع والإنسان، يعيش معهما ويتفاعل بقضاياهما المختلفة مُشكّلا صوتا مهما في وجه المتغيرات الاجتماعية والثقافية، فيما يرى الاتجاه الآخر أن ذلك ليس من وظائف الشعر في شيء، وليس من مهام الشاعر تبنّي القضايا وصياغتها في الموقف الشعري، بل إنّ ذلك قد يُضعف القصيدة ويُبعدها فنيا عن منازل الشعر، وهذا ربما ما دفع أدونيس للقول: «وأنا شخصيا أُفضّلُ أن ترفضني الثقافة البرجوازية الموروثة على أن تقبلني وتدجّنني. وأُفضّلُ أيضًا ألا تفهمني الطبقات المسحوقة، في هذه المرحلة، على أن أخاطبها بشعرٍ ليس فيه من الشعر غير الاسم».(1) وهو ذاته ما أشار إليه محمد لطفي اليوسفي في (فتنة المتخيل) في إطار حديثه عن انحطاط الشعر: «...والخطاب الجمالي ليس الخطاب التأريخي أو الأخلاقي ولا هو الخطاب الاجتماعي التوثيقي. لذلك تستمد النصوص فاعليتها وتُؤَمّن بقاءها بما تحتوي عليه من قيم جمالية ولا تستمدّها من مدى مقدرتها على الإشهاد على عصرها».(2)

والحال أنّ هناك تباينا في الرأي في تمثُّل الشعر القائم على وصف ظواهر المجتمع، ومناقشة قضاياه المختلفة، ومدى تأثير الشعر الملتزم في رصده للقضايا الإنسانية على فنيات القصيدة، واللجوء إلى المباشرة أحيانًا وإلى الغموض والقناع أحيانًا أخرى في إنتاج نصٍ شعري يقوم على الوصف والتوثيق لحالة المجتمع اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا.

[2]

بطبيعة الحال، لم يكن الشعرُ منعزلا عن قضايا المجتمع وأحداثه لا سيما الاجتماعية والاقتصادية، فمنذ العصر الجاهلي كان الشاعر ناقلًا للحياة الإنسانية والواقع الاجتماعي في أفضل صوره، ولعلّنا نجد في الشعراء «الصعاليك» أنموذجا فريدا في الثورة على قيم المجتمع، وتصوير الجانب الاقتصادي والاجتماعي تصويرا يُعطي مؤشرا على التمييز الطبقي والمالي، فما نجده عند الشعراء الصعاليك، لا سيما عروة بن الورد (540-607م)، من تناولِ طبقيةِ المجتمع في شعره وتقسيم المجتمع لغني وفقير وشيخ وصعلوك يُقدّم هذا الملمح للحياة في ذلك العصر، يقول في قصيدة له: (3)

دَعيني لِلغِنى أَسعى، فَإِنّي ... رَأَيتُ الناسَ شَرُّهُمُ الفَقيرُ

وَأَبعَدُهُم وَأَهوَنُهُم عَلَيهِم، ... وَإِن أَمسى لَهُ حَسَبٌ وَخيرُ

وَيُقصيهِ النَديُّ، وَتَزدَريهِ ... حَليلَتُهُ، وَيَنهَرُهُ الصَغيرُ

وَيُلقى ذو الغِنى، وَلَهُ جَلالٌ، ... يَكادُ فُؤادُ صاحِبه يَطيرُ

قَليلٌ ذَنبُهُ، وَالذَنبُ جَمٌّ، ... وَلَكِن لِلغِنى رَبٌّ غَفورُ

تُظهر القصيدة مكانة الفقير في نظر المجتمع كما ينقلها الشاعر، لذا فلا غرابة أنْ نجد عروة بن الورد يثور على المجتمع في هيئة صعلوك مغيرا على مال الغني مقدّمًا إياه للفقير. لعل هذه المتغيرات في نظر الشاعر هي التي دفعته لامتهان الصعلكة اجتماعيا، لكنها أبرزت الجانب الثقافي في شعره، معزّزةً القيم الأخلاقية في بناء نصوصه الشعرية، واصفًا الصعلوك بقيم إيجابية وإنْ حطّ المجتمع من قدره، ففي قصيدته الشهيرة: (4)

أقلّي عليّ اللومَ يا بنتَ منذر ونامي، وإن لم تشتهي النوم، فاسهري

يُعدّدُ أوصاف الصعلوك المتمثلة في الفروسية، والشجاعة عند لقاء العدو، والكرم، وبذل المال، ومساعدة الناس. إنّ خروج الصعلوك على قيم المجتمع هي في نظره ليست قيمة خاصة به، وإنما قيمة نشأت من أجل المجتمع الذي حمل همومه ومواجهة الظلم والفساد والتمييز من أجله.

صورة أخرى متمثّلة في الخروج من الأوطان حديثا، نجدها عند شعراء المهجر. ولعل أحد أسباب خروجهم هو الواقع الذي كانوا يعيشونه في أوطانهم، والظلم، والفقر وشظف العيش والبحث عن مصدر رزق ومتنفّس كريم. لقد أوجد شعراء المهجر نصوصا يُقارنون من خلالها الأوطان الجديدة بأوطانهم، كما عملوا على استرجاع طفولتهم الأولى في الوطن البعيد. إنّ الواقع الاجتماعي والحياة الاقتصادية كفيلان برسم معالم تجربة شعرية نقلت جانبا من مشاعر وأحاسيس النفس الإنسانية، وأظهرت نزوع المجتمعات إلى الفرقة والتهميش العنصري والأوضاع المعيشية في الأوطان.

[3]

في صورة أخرى لارتباط الشعر بالحياة الاقتصادية وأثرها على الشعراء ينقل لنا أبو العتاهية (130-210هـ) غلاء الأسعار في العصر العباسي، وفقر الناس وحاجتهم، رافعا شكايته للخليفة حول ما يجري في البلاد: (5)

مَن مُبلِغٌ عَنّي الإِما مَ نَصائِحا مُتَوالِيَه

إِنّي أَرى الأَسعارَ أَسـ ـعارَ الرَعِيَّةِ غالِيَه

وَأَرى المَكاسِبَ نَزرَةً وَأَرى الضَرورَةَ فاشِيَه

وَأَرى غُمومَ الدَهرَ را ئِحَةً تَمُرُّ وَغادِيَه

وَأَرى المَراضِعَ فيهِ عَن أَولادِها مُتَجافِيَه

وَأَرى اليَتامى وَالأَرا مِلَ في البُيوتِ الخالِيَه

مِن بَينِ راجٍ لَم يَزَلَ يسمو إِلَيكَ وَراجِيَه

يَشكونَ مَجهَدَةً بِأَصـ ـواتٍ ضِعافٍ عالِيَه

يَرجونَ رِفدَكَ كَي يَرَوا مِمّا لَقوهُ العافِيَه

مَن يُرتَجى في الناسِ غَي ركَ لِلعُيونِ الباكِيَه

مِن مُصبِياتِ جُوَّعٍ تُمسي وَتُصبِحُ طاوِيَه

مَن يُرتَجى لِدِفاعِ كَر بِ مُلِمَّةٍ هِيَ ما هِيَه

مَن لِلبُطونِ الجائِعا تِ وَلِلجُسومِ العارِيَه

مَن لِارتِياعِ المُسلِمي نَ إِذا سَمِعنا الواعِيَه

يا ابنَ الخَلائِفِ لا فُقِد تَ وَلا عَدَمتَ العافِيَه

إِنَّ الأُصولَ الطَيِّبا تِ لَها فُروعٌ زاكِيَه

أَلقَيتُ أَخبارا إِلَيـ كَ مِنَ الرَعِيَّةِ شافِيَه

هنا تخرج القصيدة من إطارها الشعري/ الفني إلى تلمُّسِ حاجات الناس، فصار الشاعرُ واعظا ناصحا على باب الخليفة، وتصيرُ القصيدةُ وثيقةً تاريخيةً تدين الواقع. وإذا كان أبو العتاهية قدّم صورة عن غلاء الأسعار في عصره فإنّ حافظ إبراهيم (1872- 1932م) يُقدّم صورة مشابهة عن غلاء الأسعار في العصر الحديث، إذ يقول في قصيدته (غلاء الأسعار): (6)

أَيُّها المُصلِحونَ ضاقَ بِنا العَيـ ـشُ وَلَم تُحسِنوا عَلَيهِ القِياما

عَزَّتِ السِلعَةُ الذَليلَةُ حَتّى باتَ مَسحُ الحِذاءِ خَطبا جُساما

وَغَدا القوتُ في يَدِ الناس ِ كَاليا قوتِ حَتّى نَوى الفَقيرُ الصِياما

يَقطَعُ اليَومَ طاوِيا وَلَدَيهِ دونَ ريحِ القُتارِ ريحُ الخُزامى

وَيَخالُ الرَغيفَ في البُعدِ بَدرا وَيَظُنُّ اللُحومَ صَيدا حَراما

إِن أَصابَ الرَغيفَ مِن بَعدِ كَدٍّ صاحَ مَن لي بِأَن أُصيبَ الإِداما؟

أَيُّها المُصلِحونَ أَصلَحتُمُ الأَر ضَ وَبِتُّم عَنِ النُفوسِ نِياما

هنا يتجه الشاعر إلى اعتماد أساليب النداء لإيصال صوته، مُنكرا في خطابه الشعري الحال التي وصلت إليها البلاد، وكيف أنّ المصلحين عملوا على إصلاح الأرض وتركوا إصلاح النفوس والبشر والواقع، لذا يقوم الشاعر بمحاولة الإصلاح والنقد والتغيير، فتخرج القصيدة من إطارها الفني إلى إطار الخطاب المباشر الصريح والوعظي.

[4]

وينطلق شعراء آخرون في رسم واقعهم الاقتصادي وحياتهم الاجتماعية من ثيمات الجوع والفقر، فتصبح هذه الثيمة مادةً مكثفةً عند الشاعر الذي يعيد للشعر أسئلة مضمونية مرتبطة بدلالات الواقع، فنلمح من خلالها الشكوى والتذمر وإظهار الوجع والتحسر، نجد هذه المفردات عند محمد الفيتوري (1936-2015م) مثلا في قصيدته (من أغاني إفريقيا)، إذ يصوّر فيها حال الشعب من جوع وبؤس ومحن.

وعند عبدالوهاب البياتي (1926-1999م) في قصائده: (عندما يحب الفقراء) و(يوميات العشاق الفقراء) و(سفر الفقر والثورة)، وعند عبدالله البردوني (1929-1999م) في عدد من قصائده مثل: (ليالي الجائعين) و(سائل) و(السفر إلى الأيام الخضر). أما معروف الرصافي (1875-1945م) فيعود إلى أسلوب القصة الشعرية لتبيان حال المرأة ورضيعتها اليتيمة والفقر الذي تشكوان منه في الحياة: (7)

لقيتُها ليتني ما كنت ألقاها تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها

أثوابُها رثّةٌ والرِّجْلُ حافيةٌ والدمع تذرفه في الخدّ عيناها

بكت من الفقر فاحمرّت مدامعها واصفرّ كالورس من جوع مُحيّاها

مات الذي كان يحميها ويسعدها فالدهر من بعده بالفقر أشقاها

الموت أفجعها والفقر أوجعها والهمّ أنحلها والغمّ أضناها

إنّ الرصافي يُقدّم الصورة التي عليها المرأة وطفلتها بعد موت والدها في منظر فجائعي؛ إذ يُكثّف دلالات الوصف بدءا بمنظر الحزن والبؤس البادي عليها، ومن ملابسها الرثة التي انشقّتْ من الأعلى ومن الأسفل، ثم منظر جسمها في لحظة الوصف واللقاء بينهما، ثم ينتقل إلى وصف الوليدة في حضنها وقد قمّطتها بأثواب ممزقة، ثم يصف شكايتها بألفاظ منكسرة تدل على عوزها وفقرها، ثم يصف مشهد مساعدته ومد يد العون لها. إن صورة المرأة وطفلتها في قصيدة الرصافي انعكاس لواقعٍ يسكنه الهم والفقر وانعكاس للوضع الاقتصادي السيئ. يُعبّر الشاعر عن ذلك في آخر القصيدة/ الحكاية على لسان المرأة حين تصف العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع التي يفترض أن تقوم على مبدأ التكافل الاجتماعي:

فأرسلت نظرةً رعشاءَ راجفةً ترمي السهام وقلبي من رماياها

وأخرجت زفرات من جوانحها كالنار تصعد من أعماق أحشاها

وأجشهت ثم قالت وهي باكية: واها لمثلك من ذي رقة واها:

لو عمّ في الناس حِسٌّ مثل حسّك لي ما تاه في فلوات الفقر من تاها

أو كان في الناس إنصاف ومرحمة لم تشكُ أرملةٌ ضنكا بدنياها

هذي حكاية حال جئت أذكرها وليس يخفى على الأحرار مغزاها

أولى الأنام بعطف الناس أرملةٌ وأشرف الناس من في المال واساها

هنا أيضا تتحول القصيدة إلى وثيقة تدين المجتمع، وترصد أهم مظاهر حياة أفراده في حالات الفقر والجوع والشكوى، وعلى ذلك يصير الشاعر عينا راصدة للمتغيرات والسلوكيات، فيعمل على توظيف شعره في خدمة المجتمع ومحاولة إصلاحه كما رأينا عند حافظ إبراهيم أعلاه.

[5]

لم يفت الشعراء في محاولة رصد المتغيرات الاقتصادية في مجتمعاتهم ونقلها شعرًا أن يصوّروا الحال التي وصلوا إليها؛ إنهم -أي الشعراء- أفرادٌ في مجتمع يضم شرائح مختلفة، يسري عليهم ما يسري على غيرهم من تبدّل الأحوال، وضنك العيش. فنجد بشار بن برد (96-168هـ) يصف حاله وقد تكاثرت عليه الديون حتى خشي لقاء دائنيه: (8)

بَل غالَ نَومي بائِعٌ مَسعورُ

يَمشي بِرَقٍّ بَطنُهُ مَسطورُ

يَهولُني لِقاؤُهُ المَحذورُ

كَما يَهولُ الماهِرُ الدَرورُ

أَقَرَّ بي كِتابُهُ المَنشورُ

وَأَنا مِن رُؤيَتِهِ مَذعورُ

يَروعُني وَليسَ لي مُجيرُ

كَما يَروعُ الحَيَّةَ اليامورُ

فَأَنجِني مِنهُ فَداكَ الزيرُ

وَالأَسَدُ الأَبلَجُ وَالنِحريرُ

إِنّي لِما أَولَيتَني شَكورُ

فَهَل لِما بي مِن أَذىً تَغييرُ

أَنتَ الَّذي يَغنى بِهِ الفَقيرُ

وَالغارِمُ المُثقَلُ وَالمَأجورُ

الأمر ذاته نجده عند عبدالله البردوني في وصفه الحال التي عليها دارُهُ، وخلوّها من أي شيء يسرقه اللص، نجد في قصيدته (لص في منزل شاعر) التي يفتتحها بلغة طريفة يشكر فيها اللص لدخوله منزله بلا إثارة، واصفا دخوله المنزل في هدوء تام وسكينة، راجيا الحصول على الغنائم الوفيرة من المنزل، لكن باعتراف الشاعر، فإنّ اللصّ لم يتحصّل من هذا البيت على شيء لفقر أهله، فيقول: (9)

ماذا وجدتَ سوى الفراغ ، وهرّةً تَشْتَمُّ فاره

ولهاث صعلوك الحروف ، يَصوغُ من دمِهِ العباره

يُطفي التوقّدَ باللظى ، ينسى المرارةَ، بالمـراره

لم يبقَ في كُوبِ الأسى شيئا، حَسَاهُ إلى القراره

* * *

ماذا ؟ أتلقى عند صعلوكِ البيوت ، غِنَى الإمَارَه

يا لصُّ، عفوا إن رجعتَ بدون رِبْحٍ أو خَسَارَه

لم تلقَ إلاّ خيبةً ، ونسيتَ صندوقَ السجـاره

شكرا، أتنوي أن تُشرِّفنا ، بتكرارِ الزيـاره !؟

في هذه القصيدة يصف الشاعر حاله، والمنزل الذي يسكنه وأنه خاوٍ لا يجد لصٌ ما يسرقه منه، فهل يمكن تخيُّل مثل هذه القصيدة وهي تحكي عن شاعر شاع ذكره واسمه إن كان هو في المقام المذكور. إنّ اللغة الساخرة التي كتب بها البردّوني القصيدة مليئة بضروب الوجع الإنساني. إنّ ما يمكن قراءته في خطاب القصيدة الشعري يُظهر لنا بروز المتضادات مثل: السخرية مقابل الهم والوجع، الفقر والجوع مقابل البحث عن الغنى، الجريمة مقابل الكلمة الباسمة، اللص مقابل الإنسان الفقير القانع.

[6]

وبما أننا مع البردوني فلا بد من الإشارة إلى أنّ هيمنة الوضع السياسي ولَّد أزمة اقتصادية في البلاد، وقد واكبتها نصوص عدة للشاعر، نقلت لنا الصورة التي عليها اليمن في تلك الفترة، صورة جمعت بين الوضعين السياسي والاقتصادي مثل نصوص (الغزو من الداخل)، و(حين يصحو الشعب)، و(نحن والحاكمون) وغيرها كثير ينتقد فيها البردوني الوضع في بلده مُعبّرا عن ذلك بدلالات تشي بالخيانة والاستعمار الداخلي والنفي داخل الأوطان والغربة والاغتراب التي يعيشها اليمني، يقول في قصيدة (الغزو من الداخل): (10)

يمانيُّون في المَنفى ومَنفيُّون في اليمَنِ

جنوبيُّون في (صَنعا) شماليُّونَ في (عَدَنِ)

وكالأعمامِ والأخوا لِ في الإصرارِ والوَهَنِ

خُطى (أكتوبرَ) انقلبَتْ حُزَيرانيَّة الكَفَنِ

تَرَقى العارُ من بيعٍ إلى بيعٍ بلا ثمنِ

ومِنْ مُستعمرٍ غازٍ إلى مُستعمرٍ وطَني

لماذا نحنُ يا مَربى ويا منفى بلا سكَنِ

بلا حلمٍ بلا ذِكرى بلا سلوى بِلا حَزَنِ؟

يمانيُّون يا (أروى) ويا (سيفَ بن ذي يزنِ)

ولِكنا برغْمِكُما بلا يُمْنٍ بلا يَمَنِ

بلا ماضٍ بلا آت ٍ بلا سرِّ بلا عَلَنِ

[7]

لعلّ القارئ لأحداث التاريخ يجد أنّ الشعر أهم ناقل لأحداثه، وأنّ القصيدة في مراحلها المختلفة لم تتخلَّ عن كونها الوثيقة الأهم في نقل الواقع، بغض النظر عن امتزاج القصيدة بفنيات التشكيل النصي أو لا، وبغض النظر عن تمزّق الشاعر بين مهمته الرئيسة في الكتابة ومعايشة هموم الناس كونه إنسانا في المقام الأول، وبين انصرافه عن منازل الشعر الفنية وابتعاده عن صيرورة الكتابة الإبداعية إلى ما ليس من مهامه الشعرية.

وعلى ذلك فإن الصورة التي تسرّبت إلى مخيلة الشاعر وإلى إحساسه كانت أقوى من كل الآراء والمواقف التي يخوضها النقد والنقاد، فحمل الشعر معها ما يمكن أن يُحمل من مآزق التاريخ ومآلاته.

الإحالات والهوامش:

(1) أدونيس، زمن الشعر، بيروت: دار الساقي، ط6، 2005م، ص44.

(2) محمد لطفي اليوسفي، فتنة المتخيل، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، ج1، 2002م، ص50

(3) ديوان عروة بن الورد، بيروت: دار الكتب العلمية، 1998م، ص79

(4) المرجع نفسه، ص67

(5) ديوان أبو العتاهية، بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1986م، ص485

(6) ديوان حافظ إبراهيم، القاهرة: مؤسسة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987م، ط3، ص316

(7) ديوان معروف الرصافي، القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014م، ص303

(8) ديوان بشار بن برد، القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ج3، 1957م، ص241

(9) ديوان عبدالله البردوني (الأعمال الشعرية)، صنعاء: إصدارات الهيئة العامة للكتاب، المجلد الأول، ط2، 2004م، س497.

(10) المرجع نفسه، ص680

خالد المعمري باحث وشاعر عماني

أعمدة
No Image
مكيافيللي.. الأمير.. المكيافيللية؟
ظلت هذه الكلمات تتردد على مسامعنا في الوثائقيات مذ كنا أطفالا، ثم رافقتنا في قراءتنا للأدب والسياسة وشتى أفرع علوم الاجتماع والإنسان. والكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو كتاب الأمير للسياسي الإيطالي نيكولو ماكيافيللي -حسب نطقه بالإيطالية- بترجمة محمد لطفي جمعة مرفقا بتقديم ودراسة للدكتور ياسر عبدالحسين والذي طبعته دار...