facebook twitter instagram youtube whatsapp


No Image
عمان الثقافي

«الآخر» الأبدي: عن السينما الوثائقيَّة والإثنوغرافيَّة الغربيَّة

25 يناير 2023

«إن غزو المعمورة، والذي يعني غالباً انتزاعها من فُطس الأنوف، أو الذين يختلف لون بَشَرتهم عن لون بَشَرتنا، ليس شيئاً جميلاً إذا ما أنت أسرفت في النظر إليه. ما يبرره هو الفكرة فقط. فكرة تشكِّل العمود الفقري. ليس ادعاء عاطفياً وإنما فكرة، وإيمان غير أناني بالفكرة – شيء يمكنك نصبه، والركوع أمامه، وتقديم أضحية له» (جوزيف كونراد Joseph Conrad، «قلب الظلام»).

«1»

لقد أصبح من السهل والرائج اليوم أن تقول الكتب الأكاديميَّة لطلبة مرحلة البكالوريوس في الجامعات الأمريكيَّة (والغربيَّة عموماً) في مساقاتهم التمهيديَّة في علم الأنثروبولوجيا إن هذا بوصفه علماً مستقلاً لم يُقدَّم بهذه الصفة في التعميد الأكاديمي الغربي، بما في ذلك أعرق مؤسساته وأقدم معاهده، حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ وذلك لسبب بسيط جداً، وهو أن الغرب لم يعترف بالثقافات والشعوب «الأخرى» باعتبارها قائمة على قدم المساواة معه في الإنسانيَّة.

غير أن تلك الكتب لا تشير في الغالب إلى دَارْوِن Darwin وحاجة الأوروبيين إلى اختبار نظريته في النشوء والارتقاء على مُخْتَبَر حيٍّ وواسع من أجساد «البدائيين»، و»المتخلفين»؛ أي أولئك «الذين غادروا الغابة لِتَوِّهِم، ولذلك علينا أن ننتظر قليلاً كي نرى ما سيفعلونه» (إن كان بإمكاني استخدام جملة مريرة قالها يونغ Youngفي سياق مختلف قليلاً بعد خلافه الشهير مع فرويد Freud). بلى، فقد خدمت تلك الأجساد لا بوصفها معطيات أنثروبولوجيَّة فحسب، بل كذلك بوصفها حاضنة اقتصادية/ سياسيَّة/ اجتماعيَّة/ ثقافيَّة للسينما الاثنوغرافيَّة الغربيَّة.

ومع أنني لست من دعاة «نظرية المؤامرة» في كل صغيرة وكبيرة، إلا أنه لا بد من ملاحظة أن من النادر أن تشير تلك الكتب الأكاديميَّة، على سبيل المثال، إلى حقيقة أن خزينة القوات المسلحة التابعة لحكومة صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا العظمى (التي كانت تستعمر، وتذل، وتضطهد نسبة لا بأس بها من الكرة الأرضيَّة) كانت تدفع مباشرة، وبسخاء كبير، للأنثروبولوجيين البريطانيين الذين كانوا يقومون بـ»أبحاث ميدانيَّة» (هكذا كان اسمها البريء) في بلدان مثل الهند، وإيران، ومصر في فترة بلوغ الإمبراطورية ذروتها التي حجبت الشمس عن بقيَّة البشر في تلك البرهة. ولذلك فإنها ليست مصادفة على الإطلاق أن إيران كانت، في الحقيقة، مسرحاً لإنتاج واحد من الأفلام الإثنوغرافيَّة الغربية المبكِّرة.

غير أنه ينبغي الاعتراف أن السينما الوثائقيَّة والإثنوغرافيَّة الغربيَّة كانت «مُتَعَقِّلَة» بما فيه الكفاية؛ فهي لم تشأ أن تكرر نفس أخطاء الأنثروبولوجيا بوصفها عِلماً، أي التأخر في الاعتراف بـ»الآخرين» باعتبارهم كائنات ومخلوقات تقف مع الغرب على قدم المساواة فيما يتعلق بإنسانيَّة الطرفين. ولذلك فإن خطاب السينما الوثائقيِّة والإثنوغرافيِّة الغربيِّة، كما تبوح به ممارساته التأسيسيَّة المبكرة، بنى نفسه منذ البداية بصورة صريحة ومفتوحة على فرضية دونيَّة «الآخر» (عُدْ، إن شئت، إلى تصريحات روبرت فلاهرتي Robert Flahertyالموثَّقة بالكامل ولا تزال موجودة في إرشيف محطَّة بي بي سي الإذاعيَّة، وذلك بعد أن تكون قد شاهدت فيلمه التأسيسي «ناكوك الجنوب» [1922])؛ فالسينما الوثائقيَّة والإثنوغرافيَّة الغربيَّة تحول دون حق «الآخر» في التاريخ، وفي الذاتيَّة، وفي السرد.

«2»

أستميحكم المعذرة هنا في أن «أدَلِّلَ نفسي» كما يقولون، وذلك بإضافة ملاحظة مأخوذة من تجربتي الشخصيَّة المباشرة في العالم، وإنني أفعل هذا من باب أن ما يدعوه بعضهم موضوعات «أكاديميَّة» و»نظريَّة» و»فكريَّة» و»تجريديَّة»، إنما يمسُّ، في الحقيقة، التفاصيل الخاصة بحيوات ملايين من البشر. بلى، فنادراً ما سافرت عبر مطارات غربية قبل وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011 من دون أن أُخْرَجَ من طابور المسافرين الآخرين، وأُسأل، وتعاد مساءلتي، وتُدقَّق أوراقي، وتُفتَّش حقائبي بطريقة تدل على أنه يُبْحَثُ فيها عن ذرَّة تراب، وتُوجَّه إليَّ نظرات تجعلني أحياناً أتمنى لو أن أمي لم تلدني. ومثل «الزِنْجِيِّ» الذي يتحدث عنه فرانز فانونFrantz Fanon في كتابه «بَشَرة سوداء، قناع أبيض»: «إن الناس في صالة العرض السينمائي [التي أصبحت صالة المطار هذه المرة] يتفرجون علي، يتفحصونني، ينتظرونني». ها هي النظرة المُحَدِّقة (gaze) تنتقل تاريخيَّاً من جسد الآخر في السينما إلى جسده في الوجود (existence).

إنني أوجه إصبع الاتهام للسينما الوثائقيَّة والإثنوغرافيَّة الغربية في علاقتها بي-- أنا «الآخر» إلى الأبد-- لمسؤوليَّتها في الكثير مما يحدث لي.

«3»

إذا كان يجدر بالمرء أن يقدِّر طبيعة اللغة، ولذلك فإنه يقرأ ما بين السطور وثنايا الخطاب، فسيكون من الشائق بمكان ملاحظة ذلك التماهي بين ضفتي المحيط الأطلسي (العالمين القديم والجديد) في ما يخص شأن السينما الوثائقيَّة والإثنوغرافيَّة الغربيَّة؛ ففي الوقت الذي قال فيه فلاهرتي ما قال حول صلاحية الأفلام لتصوير حيوات «البدائيين»، إذا بجان روش Jean Rouch، أحد رموز السينما الإثنوغرافيَّة الفرنسيَّة (إن لم يكن الأب الروحي لهذا النوع من السينما)، يكتب عن تلك «الأداة الاستثنائيَّة التي أصبحت متوافرة» لأغراض ونوايا إثنوغرافيَّة غربيَّة (مقاله الشهير «الكاميرا والإنسان»).

إنني لا أطمح إلى الهجوم المجَّاني غير المشروط على السينما الوثائقيَّة والإثنوغرافيَّة الغربيَّة، فتلك السينما أمر واقع. وعلى الرغم من النقد الذي يوجهه لها ضحاياها الكثيرون من خارج المركز الغربي فهي مجال من مجالات الفنون والمعارف «في خدمة الإنسانيَّة» (والعبارة لِروش). ولكن كيف يمكن غضُّ النظر عن أن تصريحي فلاهارتي وروش ينتجان صدى قوياً لنطق خطابات غربيَّة أخرى هي خطابات «التوسع» و»الاكتشاف» و»العبء الثقيل» الملقى على عاتق الرجل الأبيض، و»المهمَّة النبيلة» و»الأمر الإلهي»؟

ليست الإثنوغرافيا في نهاية المطاف إلا فكرة للسَّرد والتاريخ، تماماً وبالضبط كما أن السينما الوثائقيَّة نفسها، كما يعرِّفها أحد رموزها الغربيين الكبار، جون جريرسُن John Grierson، «المعالجة الخلاَّقة للواقع»؛ غير أني أخشى أن تلك «المعالجة» كانت في كثير من الأحيان «خلاَّقة» أكثر مما ينبغي. و»الفكرة» هذي ذاتها -- من الإغريق القدامى، إلى الحروب الصليبية (القديمة والجديدة)، إلى «عصر التنوير»، إلى البرهة ما بعد الحداثيَّة الراهنة --هي على الأرجح ما يحمل روش على قول ما أعتبرُه تبشيراً اعتذاريَّاً يدعو إلى الإعجاب والإكبار: «لأننا نؤمن أن عالم الغد سوف يكون ذا قيمة إذا ما اعترف بالاختلاف بين الثقافات المختلفة وإذا نحن لم ننكر وجودها بمحاولة تحويلها إلى صُوَرٍ مَنّا».

يا للمانيفستو المستحيل والمتأخر للإثنوغرافيا والسينما الإثنوغرافيَّة الغربيَّة!

«4»

مما يقوله روش: «سوف يكون الأمر شائقاً فعلاً أن ندرس أسلوب تعليقات الأفلام الإثنوغرافيَّة منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وسنلاحظ عبور تلك الأفلام من مرحلة الباروك الكولونيالي، إلى مرحلة المغامراتيَّة الغرائبيَّة، إلى مرحلة التقرير العلمي الجاف. لكن، وعلى الرغم من «التعليقات» فإن السينما الإثنوغرافيَّة لم تبدأ في ثلاثينيَّات القرن العشرين كما يعتقد روش، فكل الأفلام الإثنوغرافيَّة (حتى الصامت منها) قد انطوى على «تعليق» من نوع ما، وهو ما تدعوه فاطمة توبنغ روني Fatimah Tobing Rony في كتابها المبصر البصير «العين الثالثة: العِرق، السينما، والإثنوغرافيِّ المشهداني» بتأمُّلٍ ثاقب «السَّرد الضِّمني للنشوء والارتقاء»، فإن من الواضح لمن يشاهد تلك الأفلام بالغزارة والدأب البحثيين المطلوبين أن السينما الإثنوغرافيَّة الغربيَّة في مراحلها الكولونيالية، والمغامراتيَّة، والعلميَّة، كانت تُعَذّبُها الرغبة في المعرفة والحاجة إليها، والحاجة إلى أن تحدد نفسها في مقابل «الآخر»؛ فهي ذاتٌ (subject) في حاجة جشعة ومتجددة إلى موضوعات (objects) من أجل أن توجد، ومن أجل أن تبقى.

وهكذا فإن كلمات وصور السينما الإثنوغرافيَّة الغربيَّة كانت مُكَرَّسَة تاريخيَّاً من أجل بناءِ «أنا» (ego) ومن أجل إدامة صورة عن تلك الـ»أنا». ومثل الثقافة والجيوش الغربيَّة كان على الإثنوغرافيا والسينما الإثنوغرافيَّة الغربية القيام بغزو إقليم جديد كلما انبثقت الحاجة إلى تعديل، أو توسيع، أو اختبار التعريف الذي وضعته عن نفسها؛ وذلك من دون أدنى أثر لـ»النَّدَمِ» الذي تحدث عنه كلود ليفي-شتراوس Claude Levi-Strauss!

«5»

لقد نَحَتَ روش مفهوم «سينما الحقيقة»(cinema-vérité) الذي أصبح شائع الاستعمال اليوم بحيث ان الأمر صار يتعلق بواحدة من النظريات الثلاث الكبرى للسينما الوثائقيَّة، أو أنه – أي روش – فَرْنَسَ (أي جَعَلَه فَرَنسيَّاً) الأصل الروسي الفيرتوفي (نسبة إلى دزيغا فيرتوف Dziga Vertov) (keno-pravda). لكن الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك في مناقشة الصوت والصدى يقع خارج غرض هذه المداخلة.

والحقيقة أن روش لم يكن سينمائيَّاً إثنوغرافيَّاً وفنّاناً كبيراً فحسب، ولكنه كان أيضاً مثقفاً من الطراز الرفيع، وعلى اضطلاع واسع بنظريَّة السينما الروائيَّة التي كانت بلاده رائدتها في عصره، وصاحب اهتمامات فكريَّة عميقة جعلته يتابع الفلسفة والأدب، وصاحب تأثير مباشر على حركات سينمائية عديدة في بقاع كثيرة من المعمورة بما في ذلك «العالم الثالث»، وعلى سينمائيين عمالقة من حجم جان- لوك غودار Jean-Luc Godard شخصيَّاً. لهذه الأسباب أجدني غير قادر على المرور مرور الكرام بتعليق أدلى به روش حول فيلم «مجانين تيتيكيت» للمخرج الأمريكي فردرِك وايزمَن Frederick Wiseman (1967)، وهو فيلم وثائقي يدور حول المعاملة اللاإنسانية التي يتعرض لها نزلاء إحدى المصحات العقلية في الولايات المتحدة، وقد أثار جدلاً كبيراً في حينه؛ حيث يبدو لي تعليق روش مخيِّباً للآمال بصورة خاصة ومُفاجئاً، بل إني سأجرؤ على القول إنه تعليق ساذج: «ليس هناك من أمل في الفيلم. ليس فيه أي شيء إيجابي على الإطلاق. لا شيء. إنه تقرير مُوَثَق سلبي بالكامل عن وضع معيَّن» (من مقابلة صحفية أجراها معه جي روي ليفين J Roy Levin نشرت في عدد 17 ديسمبر 1969 من «استكشافات وثائقيَّة»).

سأستطرد هنا أنه من الطريف والمُفارِق أن كتاب ميشيل فوكو Michel Foucault «الجنون والحضارة» الذي هزَّ الأوساط الثقافية الفرنسيَّة نفسها كان قد صدر في 1965، وأنني لا أستطيع سوى الشعور بالدهشة أن روش لم يقرأ على الأقل عرضاً للكتاب المفصلي هذا طوال أربع سنوات. لكن أمِنَ الضروري أن يكون هناك شيء «إيجابي» في فيلم عن المعاملة المؤسساتيَّة البشعة التي يتعرض لها نزلاء مصحة عقليَّة؟ إن كلمة «إيجابي» تثير مقداراً خاصاً من الامتعاض حين ترد في تعليق شخص بحجم روش الذي يُعْجَبُ بشعراء مثل آرثر رامبو Arthur Rimbaud وأنجز فيلماً مغايراً مثل «وقائع صيف» (1961) الذي تحتل الذاكرة المعذَّبة صدارته الثيماتيَّة. ترى، ما الذي يمكن أن تعنيه كلمة مثل «إيجابي» في سياق الفن، والمعرفة، والإنسان، والعالم، والاضطهاد، والمؤسسات القمعيَّة، و»سينما الحقيقة»؟

طبعاً لا يحق لأحد مصادرة حق روش في أن يرى في فيلم «مجانين تيتيكيت» ما يشاء. تماماً كما أني أتمنى ألا يصادر أحد حقي في اختتام ملاحظاتي الأوليَّة على السينما الوثائقية والإثنوغرافية الغربيَّة في علاقتها بـ»الآخر» بالإشارة إلى ان

ثمة في السينما الإثنوغرافيَّة الغربيَّة تياراً مضادَّاً للتيار السائد تاريخيَّاً، ورموز هذا التيَّار الجديد هم من فنّاني ومفكري العالم الثالث الذين تمكنوا من اختراق الأكاديميا والمؤسسات الثقافيَّة الغربيَّة كالناقدة والمخرجة السينمائيَّة الفيتناميَّة تْرِنْهْ تي مِنْهَا Trinh T. Minh-ha في فيلمها «إعادة تركيب» (1982) الذي ترد فيه عبارة لن أنساها ما حييت في وضع السينما الإثنوغرافيَّة الغربيَّة في أكثر الزوايا حرجاً وقلقاً: «إنني لا أنوي الكلام عَنْ/ فقط [أنوي] الكلام بالقرب [مِنْ]»: (“I do not intend to speak about/ just speak nearby”)

عبدالله حبيب شاعر وناقد سينمائي عماني

أعمدة
No Image
هوامش ومتون :مناظرات آسيوية بلسان عربي
حين تكون اللغة العربية لغة الحوار الذي يجمع شبابا قدموا من آسيا والتقوا في مسقط ليتناقشوا ويتناظروا بشتى الموضوعات السياسية والاقتصادية والفنية والرياضية، وغيرها، فهذا تعزيز للغة الضاد باعتبارها لغة الحوار الحضاري والفكري على مدى عصور.من هنا غمرني شعور بالسعادة والفخر حين جعل منظّمو البطولة الآسيوية للمناظرات اللغة العربية لغة...