facebook twitter instagram youtube whatsapp
روضة الصائم

نفحات إيمانية: اختيار الزوجين الأخلاق والجمال

13 مايو 2019

حمادة السعيد -

الأسرة هي أساس المجتمع، لذلك اهتم الإسلام ببنائها أشد الاهتمام ووضع لها رسول الله صلى الله عليه وسلم خطوات تسير عليها وحقوق تحترم من جميع أعضائها.

ولما كانت الأسرة الصالحة هي اللبنة الأساسية لبناء المجتمع الصالح الذي ينعم بنور الإيمان فقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم شروطا وبين ضوابط لأخيار الزوجين ومنها الأخلاق والجمال المغلفة بالدين والمعدن الطيب.

جاء في كتاب «سبل الوفاق إلى أحكام الزواج والطلاق» للدكتور صلاح محمد سالم أن من أهم شروط اختيار الزوجين الأخلاق والجمال وهي: أن تكون الزوجة حسنة الخلق؛ فهو الزينة التي تدوم مع الزوجة في عشرتها لزوجها؛ إذ الجمال يألفه بعد حين ويعتاد عليه، فلا يعود ينتبه إليه كسابق عهده، أما جمال الخلق فبه تزداد حياتها سعادة وألفة ومحبّة؛ لأنه في كلِّ لحظة يعاملها فيها يجدها مكسوّة به، فتزداد هيبتها ومكانتها في نظره، وفي ذلك رغب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاث: تنكح المرأة على مالها، تنكح على جمالها، تنكح على دينها، فعليك بذات الدين والخلق تربت يمينك». وقال عمر - رضي الله عنه -: «ما استفاد رجل بعد إيمان بالله خيراً من امرأة حسنة الخلق، ودود ولود، وما استفاد رجل بعد الكفر بالله من امرأة سيئة الخلق، حديدة اللسان. وقال عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -: ألا أخبركم بالثلاث الفواقر: إمام جائر إن أحسنت لم يشكر، وإن أسأت لم يغفر، وجار سوء إن رأى حسنة غطّاها وإن رأى سيئة أفشاها، وامرأة السوء إن شهدتها غاضبتك وإن غبت عنها خانتك». وعن جعدة بن هبيرة- رضي الله عنه-: «كان إذا زوج شيئا من بناته خلا بها فينهاها عن سيئ الأخلاق وأمرها بأحسنها».

وقال الإمام الغزالي «إذا كانت بذيئة اللسان سيئة الخلق كافرة للنعم، كان الضرر منها أكثر من النفع». وقال بعض الحكماء: «أفضل النساء أن تكون بهية من بعيد، مليحة من قريب، غذيت بالنعمة، وأدركتها الحاجة فخلق النعمة معها، وذلّ الحاجة فيها».

وقال بعض العرب: «لا تنكحوا من النساء ستة: لا أنانة، ولا منّانة، ولا جنّانة، ولا تنكحوا حدّاقة، ولا برّاقة، ولا شداقة. أما الأنانة: فهي التي تكثر من الأنين والتشكي وتعصب رأسها كلَّ ساعة، فنكاح الممارضة أو نكاح المتمارضة لا خير فيه. والمنانة: التي تمنّ على زوجها، فتقول: فعلت لأجلك كذا وكذا. والحنانة: التي تحنّ إلى زوج آخر أو ولدها من زوج آخر. والبراقة: تحتمل معنيين: أحدهما: أن تكون طول النهار في تصقيل وجهها وتزيينه ليكون لوجهها بريق محصل بالصنع، والثاني: أن تغضب على الطعام فلا تأكل إلا وحدها وتستقبل نصيبها من كل شيء.

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهنّ أن يرديهن، ولا تزوجهنّ لأموالهنّ فعسى أموالهنّ أن تطغيهن، ولكن تزوجهنّ على الدين...» وليس معنى هذه الأحاديث ألا يلتفت الرجل إلى الحسب والجمال وغيرها من الصفات، وإنما المعنى أن يقدم ذات الدين على غيرها، ولا يرغب في امرأة لمحض جمالها إن كانت غير متدينة، وإلا فقد ثبت في عدّة أحاديث أن الجمال من موجبات الرغبة في النكاح؛ لأنّ فيه العفة وغضّ البصر، والتحصين لا يحصل إلا بأن يطمئن الرجل بزوجته فالممنوع إذاً هو الاكتفاء بالجمال مع قطع النظر عن صلاح الدين والكمال. وليست المرأة الجميلة التي تأخذ ببصرك جملة على بعد، فإذا دنت منك لم تكن كذلك، بل الجميلة التي كلَّما كرَّرت بصرك فيها زادتك حسنا.

وقال عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف في كتابه «الزواج في ظل الإسلام»: إذا كان يجب أن نبحث قبل الزواج عن (المعدن) النقي للإنسان وهذا المعدن صناعة إلهية ليست كسبية كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قال لزيد الخير: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة»، قال: يا رسول الله خصلتان جُبلتُ عليهما أم تخلقتُ بهما؟ قال: «بل جبلت عليهما».. وهذا يعني أن هذا الصحابي قد خلق حليماً متأنياً قبل أن يكون مسلماً وهذه المعادن البشرية تتفاوت نقاوة وجودة. ثم الدين والمقصود بالدين حقيقة الدين لا ظاهره فقط والدين عاصم من الظلم والانحراف ومقيم للزوجين -إن أقاماه- على سنن الخير والسعادة والصلاح.

وإذا اجتمعت هاتان الصفتان المعدن والدين في رجل أو امرأة صنعت الأعاجيب فنقاوة المعدن إذا صادفت فقه الدين وتشربت أحكامه أخرج هذا ثماراً طيبة من الخلق الكامل والعفة والطهارة والاتزان والصدق والوفاء والتفاني في خدمة الآخرين والاعتراف بالجميل. وهذه الصفات كلها صفات لازمة ضرورية في الزوجين لكل زواج ناجح، وذلك أن الشذوذ والانحراف أو التقلب والتذبذب أو الجحود ونكران الجميل أو الكذب أو التعالي.. واحدة من هذه الصفات في أحد الزوجين كافية لهدم السعادة الزوجية ومورثة للشقاء والهموم، ونحن نكشف عن طبيعة معدن الإنسان (رجلاً كان أو امرأة) وطبيعة دينه بمعرفة هذه الأخلاق؛ فالأخلاق الطيبة هي نتاج طيب للمعدن الطيب والدين الصحيح السليم، وأما الأخلاق الخبيثة فهي أيضاً نتاج خبيث للمعدن الخبيث والدين الكاذب أو الدين الباطل. ولهذا قال تعالى: }الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك{. سورة النور.

فعلى تفسير النكاح هنا بالزواج يكون المعنى لا يرغب في الزواج ممن اشتهرت بالزنا إلا مثيلها في هذا الخلق الذميم أو مشرك لا يقيم وزناً للأخلاق، وكذلك العكس لا ترغب المرأة في الزواج من رجل اشتهر بالفسق والفجور إلا أن تكون على شاكلته أو تكون مشركة لا دين يردعها عن مثل هذا النكاح. وأعم من هذه الآية قوله تعالى: }الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات{ سورة النور.

والآية على تفسير الطيبات والخبيثات بالزوجات، وعلى تفسير الطيبين والخبيثين بالأزواج، والخبث والطيبة هنا أوصاف للأخلاق الذميمة والطيبة وهذه الأخلاق ثمار المعدن والدين.

أما الجمال فهو الصفة التي يبحث عنها كل من الرجل والمرأة عند الآخر. وهذه الصفة الظاهرية لها أثر عجيب في دوام العشرة وبقاء الألفة وبالرغم من أن الإنسان من حيث هو إنسان مخلوق في أحسن تقويم فإن التفاضل بين البشر في هذه الصفة متفاوت لدرجة كبيرة جداً.ومع أن الناس أيضا يتفقون على خطوط رئيسية للجمال إلا أنهم يختلفون أيضاً في الحكم على تفصيلاته وتفريعاته ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» .

وترك النبي صلوات الله وسلامه عليه مسألة ما يدعو الرجل إلى الزواج من امرأة متروكاً إلى الشخص. ومع ذلك يجب علينا أن نضع قضية الجمال مكانها من حيث مجموع الصفات المثالية التي يبحث عن توفرها في الزوج الصالح والزوجة الصالحة من الأصل والدين.