أدب القضاء - فيما للقاضي وما عليه «8»
زهران بن ناصر البراشدي/ القاضي بالمحكمة العليا مسقط -
فإذا قلد القضاء طلب ديوان القاضي الذي قبله، ونظر في سجلاته، وعمله في الودائع وأموال الوقف واليتامى والغياب وناقصي الأهلية بما تقوم به البينة أو باعتراف من هو في يده، ولا يعمل بقول المعزول المجرد من الكتابة إلا أن يكون هو الذي سلمها إليه.
وكل بينة سمعها الحاكم، أو حكم دخل فيه ثم مات أو عزل وأشهد عليه الحاكم عدولا قبل أن يموت أو يعزل وأسلمه إلى الحاكم الذي خلفه أخذ به وبنى عليه.
وقد تولى ابن محبوب رضي الله عنه القضاء في صحار بعد العلامة سليمان بن الحكم وكان قد دخل في حكم فمرض قبل أن يكمله؛ فبنى العلامة ابن محبوب على ما كتبه القاضي العلامة سليمان بن الحكم الذي سبقه ولم ينقضه.
والذي ينبغي على الحكام أن يشهدوا العدول على أحكامهم التي حكموا بها للناس من الفرائض والأيمان والأموال ونحو ذلك في أيام جواز ذلك منهم ويؤخذ بذلك بعد زوالهم.
و للحاكم أن يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويأتي مقدم الغائب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك كله.
لما كان لابد لحوادث الزمان من أن تكون مشتركة بين البشر رجالهم ونسائهم، إذ ليست حوائج الدهر مقصورة على الرجال فقط، وكان للمرأة ميزة خاصة بها؛ لما منحها الله من خصوصية، والمحافظة عليها محافظة على الشرف والدين والعرض؛ وهي من أعلى واجبات الإسلام.
فقد اهتم الإسلام بالمرأة اهتماما بالغا؛ محافظة على ذلك، وطهارة للأرض من براثن الفساد ودواعي الشيطان اللعين، فأمر كلا من الرجل والمرأة بالمحافظة على العفة والكرامة، وأنزل لذلك في كتابه العزيز آيات عدةً خالدا حكمها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فقد قال عز من قائل: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» سورة النور (30- 31)
وقال: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» الأحزاب.
ولما كان من أخطر الأمور وأقبح القبائح على المؤمن الخلوة بالمرأة الأجنبية كونها مفتاح البلاء وسبب الفحشاء؛ نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها حيث قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، ولخطورتها على الفرد والمجتمع حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من مغبتها في قوله: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان..».
وحيث إن موقف القاضي في ذلك أشد من غيره، والمحافظة على شرفه وشرف المنصب الذي هو فيه من أعظم واجباته، وكثيرا ما يكون مستهدفا من ضعفاء النفوس وأصحاب القلوب المريضة؛ فليحذر الخلوة بالنساء؛ فإنها عار ودمار، ووصمة عليه وشنار، طريق إلى هتك ستره، والنيل من كرامته وبره، سبيل إلى رميه بالتهم والموبقات، وسائر الفواحش المهلكات، وإلصاقه بكثير من المنكرات، بما هو منه بريء، لولا دخوله مواطن الريبة والتهمة، ومن دخل مواطن التهم اتهم، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلمهن ويفتيهن ويقضي لهن وعليهن بحضرة أحد أزواجه أو ذا محرم منهن، مع أنه الطاهر المصون المطهر من جميع ما يكدر أو يشين المؤيد بالعصمة على ذلك من رب العالمين.
