ممدوح عدوان تنوع إبداعي هائل
27 مايو 2026
بسام جميدة
27 مايو 2026
وأنا أقلب دفاتر الراحلين والمؤثرين في الوسط الثقافي، لأكتب عنهم توقفت عند الأديب ممدوح عدوان «1941- 2004»، ورغم أننا تزاملنا ذات يوم في صحيفة الثورة، وكنت أقرأ له بشغف، لكنني لم ألتقيه سوى عبر مقالاته وبعض مما يتوفر لي حينذاك من كتبه؛ واستحضار اسم ممدوح عدوان هي محاولة لاستعادة صورة المثقف البسيط الذي لم يكتب من برجٍ عاجي، فقد دون كتاباته من قلب القلق الإنساني نفسه. شاعرا ومسرحيا وكاتبا ومترجما، وترك وراءه أثرا لا يمكن تجاهله، ليصبح واحدا من الأصوات الثقافية السورية التي لمعت وربطت الأدب بالسؤال، والكتابة بالموقف، كتب وكأنه يستحضر المستقبل، كان يعرف الوجع ويكتب عنه، وكواحد من الأدباء الذين يتنبؤون كان يدرك أن الألم سيتفجر يوما.
ففي خريطة الثقافة العربية المعاصرة، يقف كحالة فريدة من حالات التشظي الإبداعي الخلّاق، كان أشبه بنهر جارف يتدفق في قنوات متعددة معا. يكتب الشعر، ويصنع المسرح، يسرد الرواية، ويواصل البحث الفكري، ثم يرحل نحو ثقافات العالم ليعود محملا بترجمات قيمة وممتعة، بالتوازي مع خوضه غمار الصحافة اليومية، ورفد الشاشة الصغيرة بنصوص درامية مميزة. هذا التشعب، الذي قد يراه البعض تشتتا، كان استجابة حتمية لقلق وجودي وطاقة حيوية هائلة لم تتسع لها زاوية أدبية واحدة.
تثير أرقام نتاج ممدوح عدوان الدهشة والفضول، فنحن أمام مصنع إبداعي متكامل تجاوز عتبة التسعين كتابا، عدا عن الإنتاج المرئي والصحفي. وزّع الراحل هذا التدفق بعَدالة مدهشة بين اثنين وعشرين ديوانا شعريا، وستة وعشرين نصا مسرحيا، وروايتين هما «الأعداء» و«أعداء الشمس»، وستة مؤلفات فكرية ونقدية، إلى جانب ست وعشرين ترجمة لأمهات الكتب الأدبية والفلسفية، وما يقارب ثلاثين عملا دراميا وسينمائيا.
هذه الغزارة طفحت لتشكل نبعا أدبيا، كونه يرى في الكتابة فعل مقاومة للوجع اليومي. كان عدوان يؤمن أن المثقف خفير على وعي الأمة، والخفير لا يملك ترف النوم أو الصمت. من ديوانه الأول «الظل الأخضر» عام 1967 إلى كتاباته الأخيرة، ظلت الكلمة عنده أداة لتعرية الزيف، وهتك الحجب عن المسكوت عنه؛ حيث امتازت أعماله بغليانها المستمر، فكأنه يكتب بحرارة المكتوي بنار الواقع وتحولاته العاصفة.
وسط هذا التدفّق الفني، كانت الصحافة الرئة اليومية التي يتنفس بها، والميدان الأول الذي صقل لغته ومنحه تلك الجرأة والاشتباك المباشر مع قضايا الناس. بدأت علاقته الاحترافية بالبلاط الصحفي منذ عام 1964 وهو لا يزال طالبا جامعيا، ليمتد عطاؤه لسنوات طويلة في صحيفة «الثورة» السورية، والكتابة في كبريات الصحف العربية مثل: «السفير» اللبنانية و«الخليج» الإماراتية.
كانت مقالاته ابنة الشارع، يلتقط الفكرة من رصيف المقاهي، ومن هموم الموظف الصغير، تميزت زواياه بأسلوب تهكمي ساخر لا يرحم الفساد أو الترهل المؤسساتي، يملك قدرة مدهشة على قول أعمق الأفكار السياسية والفلسفية بلغة بسيطة ومفهومة للرجل العادي. الغريب أن هذا الحبر اليومي السريع تحول عنده إلى مادة فكرية صلبة، إذ تشذّبت تلك المقالات لتصبح كتبا وسجالات تركت أثرا عميقا في الوعي العام، مثل كتابيه «دفاعا عن الجنون» و«نحن والوعي».يطرح المتابعون لهذا الإرث سؤالا نقديا جوهريا: أين يتجلى الأثر الأعمق لممدوح عدوان؟ هل في منجزه الأدبي أم الصحفي، أم في مشروعه المسرحي؟
بلا شك يتجلى واضحا اهتمامه في المسرح؛ حيث قاد عدوان ثورة حقيقية في بنية النص العربي، محوّلا الخشبة من مكان للمتعة البصرية العابرة إلى ساحة محاكمة تاريخية وسياسية، في مسرحيات مثل «محاكمة الرجل الذي لم يحارب»، «الغول»، «سفر برلك»، و«القيامة»، كان يستدعي التاريخ بوصفه مرآة كاشفة لعيوب الحاضر وسيكولوجيا الإنسان المهزوم، فكتب الكثير واحتل موقعا رياديا في تاريخ المسرح العربي؛ عندما جعله يتجاوز الكلمات ليصبح حركة حية، وتفاعلا مباشرا مع الجمهور، لتأسيس الوعي الجمعي.
يرى المتابعون لأعماله أن ممدوح عدوان ترك أثرا تجلى في كونه «صانع وعي» بالدرجة الأولى، وبأدوات مختلفة تجلت في توجيه هذا الوعي من عدة زوايا؛ مسرحه كان موجها للجمع، للجمهور في الصالة الذي يريد أن يهزه ويثير سخطه، أما أدبه وشعره وتأملاته الفكرية، فكانت تتسلل إلى أعماق الفرد، تخاطب الإنسان في لحظة عزلته، تمنحه العزاء ويمده بالقوة لمواجهة العالم. وفي الدراما وُجد عبر أعمال خالدة مثل «الزير سالم» و«دائرة النار» وغيرها مما منحه النجومية والصخب والمواجهة، فيما ما زال أثره الأدبي في ذاكرة المثقف والقارئ العربي.
لا يستقيم الحديث عن تشعب أعمال عدوان دون التوقف عند جهوده الجبارة في الترجمة والبحث الفكري؛ تمكنه من اللغة الإنجليزية فتح له نوافذ الثقافة العالمية، فنقل إلى العربية روائع من الأدب اليوناني كـ«تقرير إلى غريكو» لكازانتزاكيس، والإسباني كـ«شاعر في نيويورك» للوركا، والإيطالي كـ«تاريخ شديد التعقيد» لداريو فو، إلى جانب كتب مرجعية مرعبة مثل «تاريخ التعذيب». كان يختار الكتب بعناية فائقة، وتلك التي تضيء على كفاح الإنسان في سبيل حريته، فصاغها بروح الشاعر الحريص على المعنى والقيم الإنسانية.
وفي الجانب الفكري، قدم عدوان أحد أهم الكتب في المكتبة العربية المعاصرة: «حيونة الإنسان». في هذا المؤلف، تحول إلى عالم اجتماع ونفس يشرّح آليات القمع والتوحش البشري، دارسا كيف تحول الأنظمة الشمولية والحروب الكائن البشري إلى مخلوق منزوع الإنسانية، وكيف يتم تدجين الوعي ليتقبل الجريمة والظلم كأمر واقع. هذا الكتاب يمثل زبدة فكره، وفيه تلاقت خبرته كشاعر يدرك قيمة الروح، وكمسرحي يعرف إدارة الصراعات، وكمفكر يملك شجاعة مواجهة الحقيقة العارية.
ممدوح عدوان ترك خلفه ما يضمن بقاءه حيا بيننا، يكمن سر تأثيره المستمر في قربه من الواقع وكونه ابن الثقافة العربية بهمومها وانكساراتها، وابن العالم بآفاقه الإنسانية الرحبة.
لم يكن اسما عابرا في المشهد الثقافي السوري ولا الإعلامي فقد وُجد بقوة في الذاكرة السورية والعربية؛ لأنه كان المثقف الذي بقي مشغولا بالإنسان، وامتازت كتاباته بالسخرية الناقدة وبعمق فكري، وقلق مما يجري حوله، ولهذا تبدو الحاجة اليوم إلى المثقف الحقيقي، الذي يصدح بالمعاناة ويكتبها دون مواربة، لا المثقف الاستعراضي.
