No Image
ثقافة

عشر قصص للأطفال ذكرى محمد الغَزِّي في عُمان

20 يناير 2024
20 يناير 2024

ودع الدكتور محمد الغزي الحياة الخميس الماضي عن عمر 75 عامًا، وانطوت صفحات حياته بعد أن عاشها كاتبا وشاعرًا وأستاذا جامعيًا، كان آخرها عمله في جامعة نزوى، محاضرًا بقسم اللغة العربية مدة خمس سنوات، تاركا أثرًا من المحبة في نفوس من عرفه، فالدكتور الغزي القيرواني واسمه: محمد محمد الهادي الهُذيلي، امتاز بسماحة النفس، وطيب الخاطر، ولين الأخلاق، خمس سنوات من الإقامة في نزوى بين أعوام: 2015 - 2020، وآلاف الذكريات سكب ذكراها بين أروقة الجامعة ودروب المدينة، وكان فأل الخير للدكتور الغزي في أول عام له في عمان، أن حصل على جائزة السلطان قابوس التقديرية للثقافة والفنون والآداب لمجال أدب الطفل، فقد اشتهر بكتابة قصص الأطفال، وخلال إقامته في عُمان، أسهم بكتابة عشر قصص، استلهمت التراث العماني من الإنسان والمدينة، وفي هذا السياق لا أجد أفضل من تقديم أعماله القصصية تلك، ونحن نكتب في وداعه كلمة، فقد أحبَّ عُمان وأحب الإقامة فيها، وأحب الكتابة عن رموزها وتاريخها ومدنها، فاختار لهذا العمل الكتابة عن مدينتي: «نزوى» و«مسقط»، وعن شخصية قيادية هي «المهلب بن أبي صفرة»، وشخصية فقهية هي الشيخ «ناصر بن منصور الفارسي»، وعن الصحابي «عمرو بن العاص في مدينة صحار»، وحكاية «التعليم في ظل شجرة»، وعن «السلاحف الخضراء» التي تشتهر بها السَّواحل الشرقية العمانية.

صدرت المجموعات العشر المصورة، الخاصة بالأطفال في عمان عن جامعة نزوى، تحت إشراف «مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية»، وبدورها أعدت الجامعة لجنة للمتابعة والإشراف، والتدقيق اللغوي، والرسم والتصميم والإخراج، فظهرت القصص بحلة إخراجية جميلة، ومعلومات إثرائية تتقصَّى سيرة المكان والإنسان، خصَّ بها فئة الأطفال والناشئة.

وهنا عرض لبعض هذه النصوص، التي رأيت من المناسب تقديمها للقارئ، ونحن نكتب كلمة وداع في هذا الأديب الراحل، فعن مسقط، المدينة التي تتحدث عن نفسها، بدأ الدكتور عمله القصصي بهذه الجملة الافتتاحية: (نحن المُدن نولد مثل الأطفال، ومثل الأطفال نكبر شيئًا فشيئًا، ولنا حال كل الأطفال أهل وأصدقاء، ومثل الأطفال نتعثر أحيانًا ونسقط، لكننا سرعان ما ننهض من جديد، لنستأنف السَّير).

في القصة تتحدث مدينة مسقط عن نفسها، أنها ولدت على شاطئ البحر، ونشأت فوق رماله، واعتادت على شدو النوارس وأصوات الصيادين، والمراكب وهي تملأ الساحل، وأهلها يلتقطون العنبر واللؤلؤ، وحول المدينة تنتشر المزارع والبساتين، لهذا سماها كبير الجغرافيين «بطليموس»: الثغر السَّاحر، فكبرت المدينة، وأصبح ميناؤها يمتلئ بالسفن القادمة من موانئ شتى، وذات ليلة سمعت المدينة دويًا قويًا مرعبًا لسلاح جديد، اسمه: «المدفع»، أتى به البرتغاليون الذين قدموا نحوها لاحتلالها، فدخلوا أحياء المدينة، وطاردوا أهلها، وأحرقوا المنازل، وتمكنوا من اقتحام أسوارها، واستمرت السيطرة البرتغالية على أرضها مائة وأربعين عامًا، كانت فيها مغلولة اليدين.

حتى جاء الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، الذي خلص المدينة من الأعداء، واندفع جيشه إلى السَّواحل، وحرر عددًا من المدن العمانية، مثل صحار وصور، لكن المنيَّة وافته قبل أن يصل إلى مسقط، فقرر خلفه الإمام سيف بن سلطان، ثاني أئمة اليعاربة تحقيق حلم الإمام ناصر، وهو تحرير مسقط من قبضة يد المستعمر، وفي عام 1649 دخل الجيش العماني أحياء مسقط، وتمكن من إلحاق الهزيمة بالقوات البرتغالية، التي هربت إلى السواحل الأفريقية، فطاردهم العمانيون إلى أفريقيا، ومنذ نهاية القرن الثامن عشر أصبحت عاصمة لسلطنة مسقط وعمان، وأصبحت من بداية عام 1970 عاصمة لسلطنة عمان، وبقيت مسقط صديقة للبحر، تنام على وقع أمواجه، ورفيف نوارسه، وأغاني صياديه، رافق النص رسومات تشكيلية بريشة عذاري الشيذانية.

وعن «نزوى الساحرة»، جاءت قصة الدكتور محمد الغزي، ساردًا تفاصيل رحلة لأب وابنه، بعد أن دعاهما صديق الابن لزيارة مدينته نزوى، وهناك سيكون في استقبالهما الصديق وأبوه، وتنطلق الرحلة من صور، ملوَّنة بالوصف الجميل عن ضواحي النخيل السامقة التي يمرون عليها، وينساب الحديث عن مدينة نزوى، حين كانت عاصمة لعمان مدة طويلة، دانت لها بالولاء بلدان كثيرة، وكانت جوهرة الجزيرة دون منازع، ومنها تنطلق القوافل التجارية إلى الأقاليم البعيدة، محملة بالتمور والفضيات والنحاسيات وغيرها، ثم الحديث عنها باعتبارها مدينة العلم والأدب والفكر، وينتهي الطريق أمام قلعة نزوى، حيث يكون اللقاء هناك.

ومن جديد تبدأ الرحلة في نزوى بزيارة القلعة وحصنها الكبير، وصعود سلالم القلعة العالية، حتى بلوغ الساحة في الأعلى، والإطلالة على ضواحي مدينة نزوى، ثم إلى زيارة الحصن الملاصق للقلعة، فالسوق المجاور لهما، والتعرف على المشغولات الفضية كالخناجر، فيما رائحة البخور تعطر بعبقه أرجاء السوق، ثم الذهاب إلى زيارة فلج دارس، الذي يروي ضواحي المدينة وبساتينها. وتنتهي الرحلة بتوديع نزوى الساحرة، وجسَّدت الرسومات الفنية لريم الزكوانية ملامح من نزوى القديمة مع القلعة والسوق.

وفي قصة «التعليم في ظل شجرة»، بحثت فيها عن تفاصيل أكثر تشويقا، فالتعليم تحت ظل الشجر عشته مع والدي، يوم أن كان يعلم القرآن الكريم تحت ظل شجرة، لكن بعد الأسطر الأولى من قراءة قصة د. الغزي، لم أجد فيها شيئا يلامس ذاكرتي، فهي تتحدث عن التعليم تحت ظل الخيام، في بداية عصر النهضة العمانية الحديثة.

والآن سنعوم مع السَّلاحف، في قصة «رأيت السلاحف الخضراء»، التي كتبها الغزي ورسمتها أمل الغيثية، لعله رآها في ساحل «رأس الحد» بولاية صور، أو رآها وهي تطفو في البحر وتزحف نحو الساحل، أو قرأ عنها في التقارير الصحفية، القصة تبدأ من رغبة الأب للذهاب بأسرته في رحلة إلى «محمية السلاحف» في رأس الحد بولاية صور، وستكون رحلة ليلية؛ لأن السلاحف لا تخرج إلا ليلا، يسرد الكاتب شغف الأسرة إلى رؤية السلاحف، وحين بلغوا الموقع انتظروا أن يدْلَهِمَّ الظلام ويغطي سائر الأرجاء ويعم السكون، حينها أخذت السلاحف الخضراء تطل برؤوسها من البحر، وتزحف وئيدة باتجاه الرَّمل، لتحفره بزعانفها وتضع فيه بيضها، ثم تطمره بمهارة، لتعود إلى البحر وتختفي في مياهه.

وفي قصته «مذكرات المهلب بن أبي صفرة»، يصوغ الدكتور الغزي مادتها بأسلوب المتحدث عن نفسه في سبعة أيام، يكتب فيها المهلب سيرته، أنه ولد قبل وفاة الرسول بسنتين في مدينة «أدم» العمانية، ووالده حرص على تدريبه فنون القتال وركوب الخيل وتعلم الشعر والخطابة، وكان والده يشارك في الفتوحات الإسلامية، فمات في البصرة، وواصل المهلب من بعده القتال، لنشر راية الإسلام في أرض الشرق، حتى فتح «كابل» و«سمرقند» و«أرض الترك»، وأصبح واليا على «خراسان»، وفي آخر عمره دعا أبناءه وأفضى لهم برغبته في ترك ساحات الحروب، والعودة للراحة في منزله بالبصرة، وحثهم أن يكونوا يدًا واحدة.

أما قصته والتي عنوانها: «رسالة الشيخ منصور الفارسي إلى أبنائه التلاميذ»، رسمها يونس المعمري، فيستوحيها من كتاب: «البيان في تهذيب الصبيان»، ويصوغها بأسلوب المتحدث عن نفسه، يكتب الدكتور على لسان الشيخ الفارسي في رسالته: إنه ولد في بلدة فنجاء عام 1313هـ، وتتلمذ على يد جده الشيخ محمد بن سيف الفارسي، ثم انتقل للعيش في نزوى، وأقام حلقات تعليمية، يصف الشيخ حادثة اللصوص السبعة الذين اعتادوا على نهب الناس وسرقة أموالهم، حتى قبض عليهم، وكان بينهم شاب صغير، فتمكن الفارسي من استلاله من بينهم، حتى لا يطبق عليه الحد، وفيما كان الشيخ ذاهبًا إلى مدينة عبري بعد سنين، إذا برجل يطلب مقابلته، وإذا هو ذلك الشاب الذي نجا من الحد، وأصبح رجلا صالحًا. يقول الشيخ في مذكراته: إنه قضى حياته بين التعليم والعمل في القضاء والتأليف. هذه المجموعات العشر، وقد لخصت ستا منها فقط، لتشابه البقية معها، تبقى ذكرى أدبية رائعة، لأيام الدكتور محمد الغزي في عمان، ولعل في قادم الأيام سيأتي من يكتب عن أيام الدكتور بين جامعة نزوى والمدينة، فللمعرفة جذور مثلما للذكرى عبق.