No Image
بريد القراء

بعض الخسارات "لا تعوّض"

30 أبريل 2026
30 أبريل 2026

عندما يموت صاحب القلم، لا يموت وحده، بل تموت معه أشياء كثيرة، فالقلم هو المجاز الذي يُرمز إليه الإبداع الإنساني، خاصة إذا كان هذا القلم صاحبه شاعرًا أو أديبًا أو عبقريًا في مجاله، عندها تكون الخسارة مضاعفة، فلا يشبهها أي خسارة أخرى، بل تتجاوز حدود الفقد الشخصي إلى خسارة إنسانية أوسع تمتد آثارها في الوجدان والمعرفة والإبداع.

تقول الروائية شيرين هنائي: "لا شيء يفنى في هذه الحياة سوى الأجساد، أما ما نتركه خلفنا من أثر فهو دليل على وجودنا إلى الأبد في نبض كل ذي فؤاد"، وهي عبارة تختصر فلسفة البقاء الرمزي للأثر الإنساني، وتؤكد أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بمدة حياته، بل بما يخلّفه من بصمة في حياة الآخرين.

لسنا حيلة ذكية لنكره الموت، رغم كل ما يسببه لنا من أوجاع نفسية وعصبية وجسدية، ففي حضرة الموت تتلاشى أمام أعيننا مسارات الحياة، وأحيانًا نفقد توازننا المعهود، فهو في نظرنا ذلك الستار المعتم الذي يفصل الإنسان ما بين نور الدنيا وظلمة القبور، والمفارقات ما بين الأمرين كثيرة، فالوجع لا يأتي أحيانًا من بوابة خسارة الأرواح فقط، وإنما من بوابات أخرى كان يفتحها ذلك الإنسان أمام الآخرين بأعماله الكبيرة التي تظل يتيمة بدونه، فتزداد الفجوة اتساعًا بغيابه.

لن نكرر مقولة إن الشخصيات "الطيبة والنادرة" لا تبقى طويلًا في الحياة، وإن كنا نميل إلى هذا الرأي ونستسفه من الواقع أحيانًا، ولكننا نتمسك بقوله تعالى: "لكل أجل كتاب"، و"كل نفس ذائقة الموت"، فهي حقائق إيمانية راسخة تمنح الإنسان قدرًا من التسليم والرضا أمام حتمية الفقد، مهما كان موجعًا وثقيلًا على النفس.

في العموم، الأشرار هم الذين يعمرون طويلًا في الحياة، وربما هي حكمة ربانية أوجدها الله سبحانه وتعالى لهذه الفئة من البشر التي تظلم ولا تبالي في حتمية المصير، وهذا يتضح لنا من الحديث الشريف: (إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته) متفق عليه، وفي قوله تعالى:"وكَذلك أخذُ رَبِّك إذا أخَذَ القُرى وهيَ ظالِمةٌ إنَّ أخْذَه أليمٌ شَديدٌ" [هود: 102]. وهي دلالات تعزز الإيمان بعدالة السماء وإن تأخرت في نظر البشر.

وحتى لا يفلت من يدنا عقال المقال، نرى بأن موت العلماء والأدباء والمفكرين والشخصيات المؤثرة في المجتمع، وغيرهم من الثروات البشرية، هو خسارة عظيمة تتكبدها المجتمعات يوميًا، فلو تتبعنا مسيرة بعض العباقرة لوجدنا أنهم قدموا خدمات جليلة للبشرية على مدى التاريخ، فاقرب الأمثلة العلماء الذين يتوصلون إلى الترياق لبعض الأمراض المستعصية والخطيرة، فهم ليسوا مجرد علماء عاديين، بل هم النخبة التي تعتكف لوقت طويل وتسير في سياق الاختبارات والتجارب حتى تصل في النهاية إلى هذا الدواء الذي يشفي الملايين حول العالم من الأمراض الفتاكة، وهو جهد إنساني عظيم يستحق التقدير والتأمل.

إذن، أعمالهم خالدة وأجسادهم الآن بالية، حتمية الموت وخسارة القامات الكبيرة واضحة لنا، فالتاريخ يسجل أبطاله الكبار، ولا ينسى أبدًا ما قدموه من أعمال جليلة وإسهامات حثيثة، لكن بموتهم تخسر البشرية الشيء الكثير والكثير، وتفقد مصادر إلهام ومعرفة يصعب تعويضها بسهولة.

الكاتب الفلسطيني ظاهر صالح كتب كلمات مضيئة حول الغياب وأثره في الإنسان، خاصة إذا كان هذا الغياب مؤثرًا وخسارة كبيرة للآخرين وللبشرية: "من منا في هذه الدنيا لم يتجرّع مُر الفراق ويذوق ألم الفقد؟ من منا لم يذرف الدموع وتعتصره العبرات على أحياء في الأرض أو أموات في السماء يسكنون!.. كلنا نفقد بعض أحبتنا! وكلاهما موجع، كلاهما يترك حسرة في القلب وجراح لا تبرأ، وعزاؤنا الوحيد أن نعرف أن الغائبين الأحياء هم بخير، لكن ماذا عن الذين غيبهم الموت؟ ففقد الموت مُتعب للروح، وصعب الشفاء منه، فهو لا يشبه عذابات وآلام الفقد الأخرى!"، وهي كلمات تعكس عمق التجربة الإنسانية في مواجهة الفقد.

الاختراعات الكثيرة التي خلدها التاريخ، وبقيت سراجًا وضاءً لمن أتى بعد رحيل مخترعيها، تمثل نقطة فاصلة لمعنى أن الأثر يبقى والأجساد تفنى، والخسائر البشرية سوف تستمر سواء في سجلات الأوطان أو العالم أيضًا، فبعض الدول حتى يومنا هذا تفتخر بأسماء أبنائها الكبار الذين أثروا حياة الناس وأسهموا في مجالات كثيرة، كذلك العالم لديه قائمة طويلة من المخترعين والمستكشفين ورجال العلم والدين والمعرفة، أعمالهم باقية ما بقي الإنسان على وجه الأرض، شاهدة على عطائهم وإبداعهم.

لكننا نظل نؤكد على حقيقة وواقع صعب، بأن رحيل بعض الشخصيات قد لا يُعوَّض بشخصيات أخرى، حتى وإن حاولنا تقمص دور الأبطال وقلنا إن الأجيال تتعاقب والأشياء لا تبقى على حالها، لكن الفضل لله، ثم للذين أسهموا في تقدم الأمم والشعوب في كل مكان وزمان، وستظل بصماتهم حاضرة في ذاكرة التاريخ، مهما تعاقبت الأزمنة وتغيرت الظروف.