الإسلام أسس قويمة "1"
إن الله سبحانه وتعالى بعث نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وجعله جلّ شأنه خاتمًا لأنبيائه ورسله. من هنا فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق من عند ربه عز وجل، ومن هنا كذلك وجب على الناس؛ بل وجب على الإنس والجن اتباع ما جاء به خاتم أنبياء الله ورسله مما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا.
هذا، وقد جاء عن الصحابي أنس بن مالك قوله:"كُنَّا في بَيْتِ رَجُلٍ مِن الأنصارِ، فجاءَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتى وقَفَ فأخَذَ، بِعِضادَتَي البابِ، فقال: الأئمَّةُ مِن قُريشٍ، ولهم عليكم حَقٌّ، ولكم مِثْلُ ذلك، ما إذا استُرْحِموا رَحِموا، وإذا حَكَموا عَدَلوا، وإذا عَاهَدوا وَفَوْا، فمَن لم يَفعَلْ ذلك منهم فعليه لَعنةُ اللهِ، والملائكةِ، والناسِ أجمَعينَ". (أخرجه أحمد (12900) وغيره؛ الدرر السنية).
إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما يوجه إنما يوجه لأمر مهم، وفي الحديث الشريف السابق يوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر مهم من أمر الأمة؛ ألا وهو من يؤول إليه الحكم؛ فبيّن صلى الله عليه وسلم فيه أن"الأئمة من قريش"، وأتبع ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: "ولهم عليكم حَقٌّ، ولكم مِثْلُ ذلك، ما إذا استُرْحِموا رَحِموا، وإذا حَكَموا عَدَلوا، وإذا عَاهَدوا وَفَوْا، فمَن لم يَفعَلْ ذلك منهم فعليه لَعنةُ اللهِ، والملائكةِ، والناسِ أجمَعينَ"، وجاء في حديث آخر قوله صلى الله عليه وسلم: "الأُمَراءُ مِن قُرَيشٍ ثلاثًا ما فَعَلوا ثلاثًا: ما حَكَموا فعَدَلوا، واستُرحِموا فرَحِموا، وعاهَدوا فوَفَّوا، فمَن لم يَفعَلْ ذلك منهم، فعليه لَعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ". (تخريج المسند لشعيب؛ الدرر السنية).
إن ما حدث في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ما هو إلا ترجمة فعلية لما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثيه الشريفين السابقين، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش"، وفي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: "الأمراء من قريش"؛ فـأبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي بويع خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش، وهو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الغار وفي هجرته إلى المدينة المنورة كما هو معلوم، وهو أيضا أول من آمن به من الرجال.
ثم إن هناك ما يؤيد في جعل أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم له بإمامة المصلين حين مرضه، والصلاة كما هو معلوم هي الإمامة الكبرى، وهي الروح الأسمى في التجلي إلى الله عز وجل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس بنفسه في الصلاة كما هو معلوم؛ فإذًا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بإمامة المصلين حين مرضه دلالة وإشارة عظيمة منه صلى الله عليه وسلم على أن يكون أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفته من بعده، وهذا ما استنتجه الصحابة رضي الله عنهم في يوم السقيفة؛ فبايعوه ولم يخالف أحد في مبايعته رضي الله عنه.
"قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية عن عمرو، ثنا زائدة، ثنا عاصم، وحدثني حسين بن علي عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله - هو: ابن مسعود - قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر، فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر". (البداية والنهاية لابن كثير( ج٥) فصل خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه). يتبع...
