No Image
بريد القراء

الأفكار السوداء.. إدارة تعذيب للإنسان!

01 مايو 2026
01 مايو 2026

البعض لا يعترف صراحة بأن هناك أفكارا سوداء وأخرى بيضاء؛ فالأفكار لديه إما أن تهدم قواك وإما أن تنجو فتصبح أقوى، فلا علاقة للون في ذلك. كذلك في الكذب ليس هناك "كذبة بيضاء وأخرى سوداء"؛ فالكذب هو الكذب لا توجد منطقة رمادية بينهما!

لكن طالما بدأنا بالحديث عن الأفكار فإننا نجزم تماما بأن الأفكار الكثيرة التي نزحم أنفسنا بهمومها قد تكون سببا في مرض جسدنا، ويمكنها أيضا أن تنهج أرواحنا، فربما "ففكرة مجنونة" حتى لو كانت مغلوطة أن تسبب عاهة مستديمة، ومع الوقت يمكن أن تقتلنا!

وتطبيقا على ذلك، كما هو الحال بالنسبة للأشخاص الذين يقدمون على الخلاص من حياتهم منتحرين؛ فهذا المصير الجائر على النفس جاء من غرف "الأفكار المظلمة" التي سيطرت على مدار تفكيرهم ليس لفترة محدودة، بل جاءت من تراكم الأفكار وضغطها الدائم على مقطوعة الخلاص من الألم!

أحيانا يتردد على مسامعنا أن فلانا أقدم على الانتحار فجأة دون سبب واضح، والحقيقة عكس ذلك تماما؛ فاتخاذ قرار الانتحار لا يأتي في ثوان معدودة؛ لأن الإنسان يمر بمراحل متقدمة في صناعة القرارات المصيرية حتى يصل إلى هذه المرحلة، أي أنه وصل إلى درجة الإقناع الذاتي بأن لا فائدة من الحياة.

فنحن على ثقة تامة بأن ما حدث من جريمة محرمة جاء نتاج وقت زمني عصيب اعتصر فيه الشخص كل طاقته العقلية وقواه الجسدية حتى اعتنق الشخص المذنب لنفسه على الإقدام على هذه الفكرة "المجنونة"، واختار عملية الخلاص وفق قدرته على التنفيذ دون خطأ، وهذا يفسر بأن نسبة عالية من عمليات الانتحار تكون ناجحة.

يقور رائد الأدب الروسي دوستويفسكي:"الأفكار تنشأ من الألم، والألم ينادي الأفكار، فإذا كان الإنسان سعيداً فهذا يعني أنه لم يفكر قط".

صراع الأفكار يفضي في أغلب النهايات إلى تآلفها، أو إلى إنتاج فكر جديد مستحدث، أو ينشئ شخصا جديدا، وكلاهما -أي الفكرة والإنسان- "يفضي إلى قتل الاثنين معا"!

لذلك من المهم أن نعي حقيقة تتحول الأفكار إلى أداة تعذيب عندما يفقد الإنسان السيطرة عليها؛ فبدلا من أن تكون وسيلة لحل المشكلات تصبح مصدرا للألم النفسي المستمر. عندها تصبح الأفكار مبعثا "للتعذيب الذهني والعاطفي معا".

يفسر علماء النفس كل ما ذكرته سابقا بأن الأفكار في مجملها تعمل في تغيير القناعات، وتصنع التصورات، وتختم النهايات، وذلك بالاستعانة بقوتها الذاتية، أو من خلال ضعف المتلَقي أو جهله بما سيحدث لاحقا من فقدان لنفسه وللآخرين. فالفكرة إما أن تكون أولى وجديدة، وإما مسبوقة، وإما أن تكون ضعيفة أو قوية، وفي كلا الأمرين الفكرة والإنسان يخضعان إلى معادلات صعبة توصلهما نحو خط النهاية.

يرى الكاتب د. عائض بن سعد الدوسري أن أخطر فكرة ترد على الإنسان هي دون تَرَدُّدٍ المعلومة الأولى عن قضية ما. وسبب خطورتها وقوتها أنَّها تأتي العقل وهو خالٍ عنها، خالٍ عما يُضادها أو يُوافقها، فلا يملك ما يدفعها به أو ما يُميزها. وبما أنَّ الأصل في الإنسان أنَّه "كائنٌ تصديقيٌ"؛ فإنَّه يسهل على تلك الفكرة الأولى الجديدة أن تستقر في عقله، وقد تكون -بسبب إهماله وتكاسله عن فحصها ونقدها- القاعدة التي ينطلق منها فكره، بل قد تصبح تلك المعلومة أو الفكرة الأولى هي التي يُحَاكم إليها بقية المعلومات اللاحقة. وأخطر ما يُضَلِّل تفكير الإنسان هو تتابع المعلومات والأفكار الأولى، حتى تُكَوِّن منظومة محكمة يصعب عليه لاحقًا زحزحتها من عقله".

إذن انشغال الإنسان بشكل مستمر في طرح الأفكار الداخلية، وخوض المعارك الطويلة سواء في طرق التنفيذ أو التخلي عنها تجعله غير مستقر نفسيا، وهذا الأمر يفسر لنا وجود بعض المترددين في اتخاذ قراراتهم بسهولة.

عملية الصراع النفسي لها جوانبها السيئة؛ فأحيانا بعض الناس يحمل نفسه طاقة فوق طاقة، وكل ذلك بسبب تفكيره العميق في بعض الأمور، أو طرح بعض الأفكار ودراستها بشكل مستفيض لدرجة أنه يستهلك كل طاقته في نقطة معينة وهو لم يصل بعد إلى حسم الأمر الذي يريد الوصول إليه!