No Image
العرب والعالم

ماذا يعني اتساع الاستهداف الإيراني للخليج؟

08 مارس 2026
08 مارس 2026

"عُمان": لم تعد الضربات الإيرانية على الخليج تُقرأ بوصفها ردا على أهداف أمريكية فقط. فهي تنقل الحرب إلى المنطقة الأكثر حساسية في الاقتصاد العالمي. فقد انتقل منطق الاستهداف الإيراني إلى معنى مختلف تماما يضع في اعتباره الأهمية الاستراتيجية للمنطقة الخليجية وما تعنيه في سياق تقاطع الطاقة مع التجارة والمياه مع الأمن والاستقرار مع ثقة الأسواق. ولهذا فإن أي ضربة تطال الخليج تمس بنية كاملة من المصالح التي تجعل هذه المنطقة أكثر من ساحة مجاورة للحرب.

من هذه الزاوية، يصعب النظر إلى ما جرى بوصفه مجرد رد إيراني على مصالح أمريكية أو على ترتيبات أمنية مرتبطة بواشنطن. هذا المشهد لا يعدو أن يكون جزءا من الصورة، لكنه ليس الصورة كلها. الأرجح أن إيران أرادت أن تنقل الحرب من ميزان القوة العسكرية، إلى ميزان آخر تملك فيه قدرة أكبر على الفعل: ميزان الكلفة الاقتصادية والسياسية. فالخليج هو المكان الذي يمكن فيه لأي تصعيد أن يتحول، خلال ساعات، من مسألة عسكرية إلى أزمة دولية مفتوحة. تعطيل الملاحة، وتهديد منشآت الطاقة، وإرباك الطيران، أو إصابة بنية مدنية حساسة، وكلها أفعال يتجاوز أثرها الحدود المحلية والإقليمية ليمتد فورا إلى الأسواق العالمية، وطرق الشحن، وأسعار التأمين، وقرارات الحكومات التي قد تكون بعيدة عن الحرب جغرافيا لكنها ليست بعيدة عن نتائجها.

بهذا المعنى، بدت الرسالة الإيرانية مزدوجة. فهي من جهة تقول لدول الخليج إن الحياد أو التهدئة لا يعزلانها عن الحرب ما دامت هذه المنطقة جزءا من البيئة الأمنية التي تتحرك فيها الولايات المتحدة. وهي من جهة أخرى تخاطب العالم بلغة يفهمها بسرعة: إذا استمرت الحرب على إيران، فلن تبقى كلفتها محصورة داخلها، بل ستنتقل إلى منطقة تمس الاقتصاد الدولي في أعصابه الحيوية. وهذا المنحى الذي تسير فيه إيران الآن من شأنه أن يرفع كلفة استمرار الحرب على الجميع، ويدفع القوى الكبرى نحو التفكير في حدود ما يمكن احتماله.

غير أن ما قد يبدو تكتيكا مفهوما في لحظة الضغط قد يتحول إلى خطأ استراتيجي بالغ الكلفة. فإيران تستهدف الجوار الذي حاول خلال السنوات الماضية أن يبقي العلاقة معها في مستوى يمكن إدارته، مهما كان متوترا. لم تكن العلاقة بين طهران والعواصم الخليجية علاقة ثقة كاملة، لكنها لم تعد أيضا أسيرة القطيعة الصريحة كما كانت في مراحل سابقة. كان هناك رهان خليجي حذر على أن الجغرافيا لا يمكن إلغاؤها، وأن إبقاء قنوات التهدئة والحوار، ولو بحدها الأدنى، أقل كلفة من انفجار دائم لا يمكن ضبطه.

لكن الاستهداف المستمر لدول الخليج يضرب هذا الرهان في الصميم، ويهز الفكرة السياسية التي قامت عليها سياسة التهدئة الخليجية نفسها. فإذا كانت الدول التي خففت خطابها، وفتحت قنواتها، وابتعدت عن الانخراط المباشر، يمكن أن تتحول مع ذلك إلى ساحة ضغط بالنار، فما الذي يبقى من جدوى هذا النهج؟ هنا يبدأ التحول الأهم. فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم الضرر المباشر، بل بما يترسب في الوعي السياسي الخليجي بعده. وقد يكون أخطر ما يترسّب هو هذا الاستنتاج: أن إيران، عندما تضيق عليها الخيارات، قد تلجأ إلى استخدام أمن الجوار واقتصاده كورقة تفاوض غير مباشرة مع العالم.

ومن هنا تتضح أولى النتائج الكبيرة وهي: النتيجة الأمنية، فقد بنت دول الخليج جزءا مهما من قوتها الحديثة على تصور يقول إن التنمية، والانفتاح، والاستثمار في البنية الكبرى، يمكن أن تصنع شكلا من الحصانة السياسية. لكن الحرب الأخيرة أعادت التذكير بحقيقة أكثر صلابة وهي أن المجتمعات التي تعتمد على شبكات كثيفة من المطارات والموانئ والطاقة والتحلية والاتصالات تملك أيضا نقاط ضعف كثيفة. وهنا يصيب الخطر المجتمع في وظائفه الأساسية. ولهذا لم يعد الأمن في الخليج مسألة دفاع جوي أو ردع عسكري كما كان مفهوما في السابق، لقد تحول الأمر إلى مسألة حماية للحياة اليومية، حماية للماء، وللطاقة، وللتنقل، والتجارة، وسلامة المدن نفسها.

النتيجة الثانية اقتصادية، وهي لا تقل عمقا؛ فاقتصادات الخليج التي تقوم على النفط والغاز ترتبط بشكل أساسي بفكرة الثقة. الثقة في انتظام الإمدادات، وسلامة الممرات، واستقرار المدن، وقدرة الدولة على أن تبقى واحة أعمال واستثمار حتى لو بدا أن الإقليم في حالة اضطراب. وهذه الثقة ليست أمرا معنويا هامشيا إنها جزء من البنية الفعلية للاقتصاد. وما إن تدخل المنطقة في دائرة ضربات متبادلة وتهديدات بحرية واضطراب مستمر حتى تبدأ هذه الثقة بالتآكل. والسوق لا تنتظر الانهيار حتى تعيد حساباتها. يكفي أن يتوسع اللايقين حتى ترتفع كلفة التأمين، والتمويل، والنقل، وتتبدل حسابات المستثمرين، وتصبح صورة الاستقرار نفسها موضع اختبار. من هنا فإن الخطر الاقتصادي لا يقتصر على توقف صادرات أو اضطراب أسعار، بل يمتد إلى ما هو أعمق، اهتزاز السردية التي بنت بها دول الخليج مكانتها في العالم خلال العقود الماضية.

أما النتيجة الثالثة فهي سياسية، وربما كانت الأطول عمرا. فالحروب تنتهي عادة قبل أن تنتهي آثارها في العلاقات بين الدول. وحتى لو هدأت العمليات غدا، فلن تعود العلاقة بين الخليج وإيران إلى النقطة التي كانت عليها قبل هذا الاستهداف. ليس لأن الحوار سيصبح مستحيلا، بل لأن شروطه ستتغير. فالثقة المحدودة أصلا ستصبح أكثر هشاشة، وأي انفتاح مستقبلي سيغدو أكثر حذرا، وأي تفاهم سيبقى محكوما بسؤال يصعب تجاوزه: إذا كانت إيران قد استخدمت الخليج في لحظة الضغط الأقصى، فما الذي يمنعها من تكرار ذلك في أزمات لاحقة؟ هذا السؤال لا يلغي إمكان الحوار، لكنه يغير نوعه، ويجعل كلفته السياسية أعلى.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ استنتاج أن الخليج سيتحول تلقائيا إلى جبهة واحدة صلبة ضد إيران، أو أن كل ما بُني في السنوات الماضية قد انهار دفعة واحدة. فدول الخليج ليست متطابقة في حساباتها، ولا في علاقتها بطهران، ولا في درجة استعدادها للذهاب بعيدا في التصعيد. لكن ما يمكن قوله بدرجة عالية من اليقين هو أن هامش المناورة قد ضاق. والدول التي كانت تراهن على التوفيق بين شراكتها الأمنية مع الغرب وبين إبقاء قنوات مستقرة مع إيران ستجد أن هذه المعادلة أصبحت أصعب بكثير. وما ضُرب في هذه الحرب ليس منشآت أو أجواء أو ممرات فقط، بل الفكرة السياسية التي سمحت بتعايش هذه المسارات في وقت واحد.

وهنا تظهر الرسائل المتناقضة في الحساب الإيراني. فمن جهة، يبدو منطق طهران مفهوما في سياق حرب غير متكافئة: إذا كانت عاجزة عن حسم الصراع في ميدان القوة، فإنها تحاول أن ترفع كلفته في ميدان الاقتصاد والجوار. لكنها من جهة أخرى تخاطر بخسارة الجوار نفسه، وهو الجوار الذي كانت تحتاج إليه لتخفيف عزلتها وإبقاء التوتر عند حدود يمكن إدارتها. وكلما نجحت إيران في تدويل المأساة عبر الخليج، ازداد احتمال أن تخسر سياسيا المساحة الإقليمية التي كانت ما تزال تسمح بشيء من التهدئة.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس لماذا ضربت إيران الخليج؟ ولكن ماذا تفعل بنفسها وهي تفعل ذلك؟ قد تنجح في تعطيل الممرات، ورفع الأسعار، ودفع العالم إلى الشعور بأن استمرار الحرب لم يعد قابلا للاحتمال. لكنها في المقابل تقوض الفكرة التي قامت عليها محاولات خفض التصعيد في السنوات الأخيرة: أن التعايش الحذر، مهما كان هشا، يظل ممكنا. وإذا انهارت هذه الفكرة، فلن تكون الخسارة خليجية فقط، بل إيرانية أيضا.

فالمسألة هنا لا تتعلق برد فعل آني على ضربة أو أزمة عابرة، بل بصورة أعمق عن طبيعة السلوك الإيراني في لحظات الاختناق. إذا استقر في العواصم الخليجية أن إيران مستعدة، عند اشتداد الضغط، لاستخدام الطاقة والملاحة والمرافق الحيوية والجوار نفسه كأدوات إكراه، فإن ما بعد الحرب لن يشبه ما قبلها. قد لا يغلق باب الحوار، لكنه لن يبقى الباب نفسه. وربما كان هذا أحد الأثمان الأثقل لما يجري الآن، أن الصراع لا يعيد فقط رسم خرائط الردع، بل يعيد أيضا تعريف معنى الجوار السياسي في الخليج.